

موضوع العلاقة بين العقل والإيمان نجده في أيامنا مطروحاً على الطاولة، قد يكون السبب لإعطائه أهمية في زمن التطور والثقافة التي تريد الفصل بين العقل والإيمان، وهذا ما أثر كثيراً في عصرنا الحديث. لكن الحكمة تدفعناإلى المزيد من البحث لنعيد الحوار في الموضوع لنبقى مع الأخوة الذين لا يشاطروننا في عقيدة الإيمان.
للإنسان عقل يمتلك قدرة على التخيل والتحليل والتمييز والتقدير...إلخ كما له المشاعر والإنفعالات، وكل هذه وغيرها تصدر من العقل الذي له قوة الإدراك والفهم والوعي والمعرفة بعد جولة التفكير بواسطته فيأتي بالنتائج التي إستطاع الوصول إليها، ونحن نعرضها في نقاشاتنامع الآخرين.
أما الإيمان فليس مجرد عقيدة فحسب، بل قناعة ذاتية للعيش في حياة غير ملموسة ومعروفة لدى الكثيرين. الكتاب المقدس يعبر عن الإيمان بأنه ( الإيقان بإمور لا ترى ) أي الإيمان هو الثقة التي لها مبرراتها، لهذا فصل الكتاب المقدس بين الإيمان والعقل، وقال:
لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان. " 2 قور 7:5". فالمؤمن يستطيع أن يختبر إيمانه بنفسه إن كان يعيش الإيمان الحقيقي الذي يختبره بنفسه، لهذا قال الرسول بولس:
جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان... إمتحنوا أنفسكم. " 2 قور 5:13".
الكتاب علمنا بأن العقل البشري محدود. والمؤمن يؤمن بما هو غير محدود وملموس ومرئي لا يستطيع العقل والحواس الوصول إليه، بينما نؤمن به، مثال:
ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله للذين يحبونه" (1 قور 2:9). فهل يستطيعون عقلاء العالم وعلمائه الوصول إلى ما يقصده الإيمان؟
الإنسان المؤمن بإيمانه يصنع له علاقة بالخالق الغير المنظور الذي يؤمن به. هناك عقائد كثيرة صوفية وعلمانية لا تؤمن بوجود الله. فعندما نقارن بين الحكمة التي دونت لنا في أسفار الكتاب المقدس وحكمة تلك المجتمعات والحضارات فنجد عوامل مشتركة بين الطرفين. إذاً لابد من وجود تأثير متبادل بين التيارين، فحتى الحكام العلمانيين الذين يقودون بلدانهم يعتمدون أيضاً في إدارتهم على الحكمة والخبرة الإنسانية الدينية التي تغذي العقل الذي يصدر منه القرارات النهائية. إذاً حكمة العقل شمولية لا تمانع اللقاء بينها وبين الإيمان وتراثالثقافات العالمية كالهندية والصينية وبلاد النهرين وغيرها. هناك إستشهادات في الكتاب المقدس يظهر فيها بوضوح ديناميكية الحكمة التي تنطق من قلب شعب الله نحو الأمم لتحركها للإستماع إلى الحكمة أو أن الكنيسة تدعو الأمم إلى حوارات مشتركة ليوضح أهمية العلاقة بين العقلوالإيمان.
في رسالة البابا القديس يوحنا بولس الثاني التي عنونها ( الإيمان والعقل ) الصادرة في يوم 14 سبتمبر 1998 وضح فيها العلاقة العميقة بين المعرفة بالإيمان، والمعرفة بالعقل والتي يعبّر عنها الكتاب المقدس بكلمات في غاية الوضوح، نجدها في الأسفار الحكمية والتي لا تتضمنإيمان بني إسرائيل وحسب، بل تحمل كنز الحضارات والثقافات البائدة. فمن خلال تلك الصفحات الغنية بالبداهة العميقة، ولغاية محدودة تعود مصر وبلاد النهرين تردد صوتها على آذاننا، وتعيد رسالة البابا المذكرة لتبحث عن العلاقة ما بين العقل والإيمان. إنه يتوقف على المعرفةالتي يوحي بها الله إلى الإنسان وعند المعرفة التي تأتيه بسبب نشاطه وعقله البشري.
القديس الملفان مار توما الإكويني كان أول من كتب معالجة كاملة في العلاقة والاختلاف والتشابه بين الإيمان- القبول الفكري- والعقل، خاصة في كتبه: 1- الخلاصة اللاهوتية. 2- الحقيقة. 3- خلاصة في الرد على الأمم.
العقل قد يستمد الإيمان من الطبيعة التي خلقها الله عندما تنظر إلى خالقها ( طالع حك 5:13 ). والخالق لا يذوب في خليقته عندما نقول أن الله هو الخالق، فلذلك يعني أن الله يضع أمامه ما هو مختلف عنه. فالعالم المخلوق ، وحياة الإنسان العاقل لهما إستقلاليتهما الخاصة،لكن من دون أن يكون الله غريباً عنهما. فحكمة الكتاب المقدس تعطي كامل الحقوق للعقل البشري وإمكانياته. فالعقل لا ينفصل عن فعل الإيمان وعن الإلتزامات الدينية لأنه والإيمان يتحاوران، ويتكاملان، ويتفقان ليترابطان لإنهما بمثابة جناحين الذين يمكنان الإرتقاء بالعقلإلى التأمل بالحقيقة.
أخيراً نقول، ان المسيح هو حكمة الله فعلينا أن نبحث عنها لانها حقيقة ملحة لكي تبني لنا حياتنا، بل لنسير على طريق المسيح الذي هو طريق الحق وفيه نجد الحكمة فتتغذى منها عقولنا بسبب الإيمان. حكمة المسيح هي التي تدفعنا لكي نتبعه عن قرب ونستحقه ليصبح في سّر الإفخارستياحاضراً في قلوبنا وموجهاً حياتنا بقوة روحه القدوس الذي يجعلنا أبناء الآب، وإخوة بعضنا لبعض، ومحبين لجميع البشر لنعيش معهم بسلام دائم.
توقيع الكاتب ( لأني لا أستحي بالبشارة ، فهي قدرة الله لخلاص كل من آمن ) " رو 16:1"