
كنيسة مار شليطا الأثرية البطريركية المعروفة في المصادر المحلية التركية باسم Koçanis Kilisesi في قرية "قوتشانوس" Konak حالياً بمحافظة هكاري جنوب شرق تركيا. تصوير: مار شارب / ويكيميديا كومنز، مرخصة بموجب رخصة CC BY 2.0.
عشتارتيفي كوم/
هكاري – تركيا: عاد أفراد من المجتمع الآشوري من العراق والنمسا ومناطق أخرى إلى محافظة هكاري جنوب شرقي تركيا، في رحلة حملت طابعاً تاريخياً ووجدانياً، بهدف زيارة القرى والكنائس التي عاش فيها أسلافهم قبل موجات الهجرة التي شهدتها المنطقة قبل أكثر من قرن.
وقالت صحيفة Hakkari İl Sesi التركية، في تقرير نشرته في 24 أيلول/سبتمبر 2026، إن مجموعة من الآشوريين قدمت من مناطق مختلفة، بينها مدينة دهوك العراقية والنمسا، لزيارة الأراضي التي عاش فيها أجدادهم قبل نحو 111 عاماً، واستعادة الصلة بالأماكن التي ارتبطت بتاريخ عائلاتهم ومجتمعهم.
من دهوك إلى هكاري
وضمت الرحلة مجموعة لاماسو Lamassu القادمة من دهوك، إلى جانب آشوريين يقيمون في النمسا ومناطق أخرى، حيث تركز برنامج الزيارة على عدد من القرى والمواقع الدينية والتاريخية المرتبطة بتاريخ الآشوريين في هكاري.
وبحسب التقرير التركي، زار المشاركون كنيسة كوناق (Koçanis) التاريخية، إلى جانب وادي قازان المعروف بالسريانية باسم Geliye Tiyare ومنطقة أوغول (Tale)، وهي مناطق ارتبطت تاريخياً بوجود الآشوريين في هكاري.
وقالت صحيفة Hakkari Haber إن أفراد المجموعة لم يكتفوا بزيارة المباني التاريخية، بل سعوا إلى التعرف بصورة مباشرة على القرى والمناطق التي عاش فيها أسلافهم، معتبرين الرحلة وسيلة لاستعادة الصلة بالجغرافيا التي ارتبطت بتاريخ عائلاتهم.
«ليست رحلة سياحية»
ووصف المشاركون الزيارة بأنها تتجاوز مفهوم السياحة التقليدية، إذ قالوا إن الوصول إلى قرى أجدادهم وكنائسهم يمثل بالنسبة إليهم رحلة في الذاكرة العائلية والتاريخية.
ونقلت Hakkari İl Sesi عن إركان تياري، صاحب مجموعة Lamassu ومرشد الرحلة، أن زيارات هكاري تمثل بالنسبة للمشاركين وسيلة لإعادة بناء الصلة بالماضي، مؤكداً أنهم يعتزمون مواصلة زيارة المنطقة في السنوات المقبلة.
كما نقلت Hakkari Haber عن تياري أن رؤية القرى والكنائس والأراضي التي عاش فيها الأجداد تحمل أهمية خاصة للمشاركين، وأن العودة إلى المنطقة تمنحهم فرصة لإعادة التواصل مع تاريخهم العائلي.
كوناق.. أحد أبرز رموز الذاكرة الآشورية
وكانت كنيسة كوناق (Koçanis) واحدة من أبرز محطات الرحلة.
وتشير الصحافة المحلية التركية إلى أن قرية كوناق ارتبطت تاريخياً بالبطريركية التابعة لـكنيسة المشرق الآشورية، وأن البطريرك مار شمعون كان يقيم فيها خلال فترة وجود البطريركية في المنطقة. كما ترتبط المنطقة بعدد من الكنائس والمواقع الدينية التي تحمل آثار الوجود الآشوري التاريخي في هكاري.
وتؤكد مادة أرشيفية نشرتها Independent Türkçe أن كنيسة كوناق كانت مركزاً دينياً وإدارياً مهماً للآشوريين الشرقيين، وأن مقر البطريركية انتقل إليها في القرن السابع عشر، قبل أن يستمر ارتباطها بالمركز البطريركي حتى مغادرة الآشوريين المنطقة خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
وادي قازان وقرى تحمل ذاكرة المجتمع الآشوري
وشملت الرحلة كذلك وادي قازان (Geliye Tiyare) ومنطقة أوغول (Tale)، حيث تتوزع آثار الوجود الآشوري القديم في القرى والجبال والكنائس والمقابر والمواقع المرتبطة بالسكان الذين عاشوا في المنطقة.
وبحسب Hakkari İl Sesi، ترتبط مناطق هكاري وجوكورجا ويوكسكوفا وباشكاله تاريخياً بتجمعات آشورية، ومن بينها جماعات وبيوت عشائرية ارتبطت بمناطق تياري (Tyareh) وجيلو وباز، ولا سيما في المناطق الجبلية المحيطة بوادي الزاب.
الموسيقى المحلية ترافق رحلة الذاكرة
لم تقتصر الزيارة على المواقع التاريخية، إذ تخللتها أيضاً أنشطة ثقافية استعاد خلالها المشاركون بعض عناصر التراث المحلي في هكاري.
وذكرت الصحيفة التركية أن تقليد الدنغبج (dengbêj)، وهو تقليد غنائي شفهي محلي، حضر خلال الزيارة، فيما شهدت الأمسيات التي أقامتها المجموعة جلسات موسيقية وحوارية استُعيدت خلالها أغانٍ وألحان من الماضي.
وبحسب المصادر المحلية، يقيم أعضاء المجموعة منذ نحو عامين في فندق سيبار (Sibar) خلال زياراتهم لهكاري، حيث تحولت الأمسيات التي تجمع الموسيقى والحوار إلى جزء من تجربة الزيارة.
ذاكرة استمرت رغم الهجرة
وتسلط الرحلة الضوء على استمرار ارتباط أبناء الشتات الآشوري بالمناطق التي عاش فيها أسلافهم، رغم مرور أكثر من قرن على موجات الهجرة.
وتشير Hakkari Haber إلى أن أفراد المجموعة، المقيمين حالياً في العراق والنمسا ومناطق أخرى من العالم، تمكنوا خلال الرحلة من رؤية الأماكن التي ارتبطت بذاكرة أسرهم، وهو ما أعاد فتح مساحة للتواصل بين الذاكرة العائلية والمواقع الجغرافية التي نشأت فيها تلك العائلات.
ولا تقتصر أهمية هذه الرحلات على الجانب العائلي، إذ يمكن أن تسهم أيضاً في إعادة تسليط الضوء على الكنائس والقرى والمواقع التاريخية الآشورية الموجودة في هكاري، والتي لا تزال أجزاء منها قائمة رغم تعرض بعضها للإهمال أو التدهور.
تراث يحتاج إلى التوثيق والحماية
وتأتي هذه الزيارة في وقت تواجه فيه العديد من المواقع الدينية والتاريخية المرتبطة بالمجتمع الآشوري في هكاري تحديات تتعلق بالحفاظ عليها.
وفي تقرير سابق نشرته Independent Türkçe حول فيلم وثائقي عن الكنائس الآشورية والنسطورية في هكاري، قال الصحفي والكاتب أمين صاري إن المنطقة تضم عدداً من الكنائس التي تعود جذورها إلى قرون، وإن الهدف من توثيقها كان إثارة الاهتمام بحماية هذه المباني التاريخية.
ويبرز كوناق بصورة خاصة في هذا السياق، نظراً إلى ارتباطه بتاريخ البطريركية الآشورية وكونه أحد أهم المواقع التي تحفظ ذاكرة الوجود الآشوري في هكاري.
عودة إلى الجذور
ومع نهاية الرحلة، أكد المشاركون، بحسب الصحافة المحلية التركية، أن زيارتهم إلى هكاري لن تكون الأخيرة، وأنهم يخططون للعودة إلى المنطقة في السنوات المقبلة.
وقال إركان تياري إن العودة إلى هكاري تمثل بالنسبة للمجموعة وسيلة لإعادة بناء الصلة بالماضي، مشيراً إلى أن زيارة القرى والكنائس التي عاش فيها الأجداد تحمل معنى يتجاوز السياحة ويصل إلى الذاكرة والهوية والتاريخ العائلي.
وتحولت رحلة الآشوريين القادمين من العراق وأوروبا إلى هكاري بذلك إلى أكثر من زيارة لمواقع تاريخية؛ فهي محاولة لإعادة وصل جيل يعيش في بلدان مختلفة بجغرافيا ظلت حاضرة في الذاكرة، وإعادة اكتشاف الكنائس والقرى والطرق التي شكلت جزءاً من تاريخ المجتمع الآشوري في المنطقة.
رسم توثيقي تاريخي يوضح الملجأ الداخلي والمذبح القديم لكنيسة مار شليطا الأثرية في قرية "قوتشانوس Konak حالياً بمحافظة هكاري. نُشر هذا الرسم لأول مرة في مطلع القرن العشرين (عام 1922) ضمن المراجع التاريخية لتوثيق حياة الآشوريين في تلك المنطقة. رسم توثيقي تاريخي (1922) / أرشيف ويكيميديا كومنز، "نطاق عام - سقطت حقوق الملكية الفكرية بسبب القدم".