
بغديدا (قره قوش) في محافظة نينوى وتظهر فيها كنيسة الطاهرة الكبرى قبل أحداث عام 2014. الصورة: بواسطة المصور Chaldean عبر منصة Wikimedia Commons / ملكية عامة (Public Domain)
عشتارتيفي كوم/
بغداد – سلط تقرير جديد نشرته منظمة International Christian Concern (ICC)، في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، الضوء على التراجع الكبير في أعداد المسيحيين في العراق، متتبعاً مسار الهجرة والنزوح الذي شهدته المجتمعات المسيحية العراقية على مدى عقود، وصولاً إلى الهجوم الذي شنه تنظيم داعش عام 2014 وما أعقبه من تحديات أمام عودة السكان المسيحيين إلى مناطقهم الأصلية. ويحمل التقرير عنوان: «الشرق الأوسط المسيحي المتلاشي – الجزء الثاني: العراق، من موطن مسيحي قديم إلى النزوح»، وهو من إعداد زميل ICC ليزا نافاريتي.
العراق.. موطن مسيحي منذ القرون الأولى
يؤكد التقرير أن المسيحية في العراق ليست ديانة حديثة أو وافدة من الغرب، مشيراً إلى أن الجماعات المسيحية موجودة في بلاد الرافدين منذ القرون الأولى للمسيحية. ويشير إلى أن الكلدان السريان الآشوريين والأرمن وغيرهم من المسيحيين أسسوا على مدى قرون كنائس وأديرة وقرى ومدارس وأعمالاً تجارية في المنطقة قبل قيام الدولة العراقية الحديثة.
كما يلفت التقرير إلى الدور التاريخي للمجتمعات المسيحية الناطقة بالسريانية، التي حافظت على تقاليد ليتورجية ولغوية قديمة مرتبطة بالآرامية، مشيراً إلى أن الموصل كانت واحدة من أبرز مراكز الوجود المسيحي في شمال العراق.
تراجع حاد في أعداد المسيحيين
وبحسب الأرقام التي يستند إليها تقرير International Christian Concern، كان العراق يضم قبل نحو عقدين قرابة 1.5 مليون مسيحي، بينما انخفض العدد بحلول عام 2023 إلى نحو 150 ألفاً (الأرقام الخاصة بعدد المسيحيين في العراق - نحو 1.5 مليون سابقاً ونحو 150 ألفاً في 2023- هي تقديرات أوردها ICC وليست إحصاءً حكومياً عراقياً حديثاً)، وهو ما يعني، وفق تقديرات التقرير، فقدان نحو 90% من عدد المسيحيين خلال جيل واحد. ويؤكد التقرير أن هذا التراجع لم يبدأ مع تنظيم داعش، بل سبقه بسنوات طويلة.
ويربط التقرير بداية موجات الهجرة الحديثة بما أعقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، عندما دخل العراق مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والعنف الطائفي والإرهاب.
وخلال تلك المرحلة، تعرض المسيحيون، وفق التقرير، لهجمات على الكنائس، واستهداف للأعمال التجارية المسيحية، وعمليات خطف وقتل طالت رجال دين، إضافة إلى التهديدات والترهيب، الأمر الذي دفع أعداداً متزايدة من العائلات إلى التفكير بمغادرة البلاد بحثاً عن بيئة أكثر أمناً لأبنائها.
داعش يسرّع موجة النزوح
يضع التقرير عام 2014 باعتباره نقطة التحول الأكثر مأساوية في تاريخ المسيحيين العراقيين الحديث. ففي حزيران/يونيو من ذلك العام، سيطر تنظيم داعش على الموصل، قبل أن يمد نفوذه باتجاه سهل نينوى، الذي يضم عدداً من أقدم البلدات والقرى المسيحية في العراق.
وفي 6 و7 آب/أغسطس 2014، فرّت أعداد كبيرة من المسيحيين من قرقوش والمناطق المحيطة بها باتجاه إقليم كوردستان، بحسب التقرير. ويشير ICC إلى أنه وصف تلك الأحداث لاحقاً بأنها إبادة جماعية أحدثت تحولاً جذرياً في حجم الوجود المسيحي العراقي.
وخلفت العائلات النازحة وراءها منازل وكنائس ومزارع ومتاجر ومدارس وصوراً عائلية وممتلكات ارتبطت بها أجيال متعاقبة. وكان كثير من النازحين يعتقدون في البداية أن مغادرتهم لن تستمر سوى أيام أو أسابيع، لكن النزوح امتد لسنوات، فيما لم يتمكن كثيرون من العودة.
هزيمة داعش لم تُنهِ النزوح
ويشير التقرير إلى أن هزيمة داعش عسكرياً أتاحت للمسيحيين إمكانية العودة إلى مناطقهم، وبدأت بالفعل عمليات إعادة بناء المنازل وترميم الكنائس وإعادة فتح المتاجر وزراعة الأراضي.
لكن التقرير يرى أن إعادة بناء المباني كانت أسهل من إعادة بناء الثقة، إذ بقيت لدى كثير من العائلات مخاوف مرتبطة بالأمن، وفرص العمل، ومستقبل الأطفال، وحماية الممتلكات، وقدرة المؤسسات الحكومية على توفير الحماية ومنع تكرار ما حدث عام 2014.
ويشير التقرير إلى أن عودة المسيحيين لم تكن متساوية في جميع المناطق، وأن نسبة من السكان الذين عادوا إلى سهل نينوى بقيت محدودة مقارنة بحجم المجتمعات التي كانت تعيش هناك قبل سيطرة داعش.
هجرة هادئة بعد انتهاء الحرب
ويصف التقرير المرحلة التي أعقبت هزيمة داعش بأنها شكل أكثر هدوءاً من النزوح، لكنه مستمر.
فبدلاً من مشهد الهروب الجماعي الذي حدث عام 2014، أصبحت الهجرة في السنوات اللاحقة تتم بصورة تدريجية: عائلة تغادر، ثم أخرى؛ شاب يسافر للدراسة ولا يعود؛ طبيب يهاجر إلى الخارج؛ أو صاحب عمل يقرر أن إعادة بناء مشروعه في العراق تنطوي على مخاطر كبيرة.
وبحسب التقرير، تتجه بعض العائلات إلى أوروبا وأستراليا وأميركا الشمالية، بينما يؤدي انخفاض عدد المسيحيين محلياً إلى تقلص حجم التجمعات والكنائس والمدارس المسيحية، الأمر الذي يزيد بدوره من دوافع الهجرة.
السؤال لم يعد فقط: هل نجت المسيحية من داعش؟
يخلص تقرير International Christian Concern إلى أن المسيحية العراقية نجت من تنظيم داعش، وأن الكنائس أعيد افتتاحها، كما عاد بعض النازحين إلى مناطقهم، ولا تزال العبادة المسيحية مستمرة في سهل نينوى وإقليم كردستان وبغداد ومناطق أخرى.
لكن التقرير يميز بين البقاء والتعافي والأمان المستدام، ويطرح تساؤلاً حول قدرة المسيحية العراقية على الحفاظ على كتلة سكانية قادرة على الاستمرار خلال الجيل المقبل، في ظل الانخفاض الكبير في أعداد المسيحيين مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين.
ويشير التقرير كذلك إلى استمرار جهود إعادة الإعمار ودعم العائلات المسيحية، موضحاً أن ICC تقول إنها ساعدت عائلات مسيحية خلال مراحل النزوح والعودة، ودعمت مشاريع مرتبطة بالمنازل وسبل العيش والمشاريع الصغيرة والبنية التحتية المجتمعية في مناطق متضررة من تنظيم داعش.
ويأتي هذا التقرير باعتباره الجزء الثاني من سلسلة حول تراجع الوجود المسيحي في الشرق الأوسط، بعد الجزء الأول الذي تناول مستقبل المسيحية في المنطقة، فيما أعلن الموقع أن الجزء الثالث سيتناول أوضاع المسيحيين في سوريا.