ليست المدارس أبنيةً تتشابه في جدرانها وصفوفها، ولا أسماءً تُضاف إلى سجلّ المؤسسات التربوية؛ إنما هي بيئاتٌ تصنعها العقول، وتمنحها القيادات ملامحها، ويكشف معدنها الحقيقي ما يسودها من انضباطٍ وتفاهمٍ وروحٍ مشتركة.
لقد أتاح لي عملي التربوي التنقّل بين مدارس متعددة، والاحتكاك ببيئات إدارية وتعليمية متباينة، حتى أصبحت لديّ من التجربة ما يجعلني أقرأ ملامح المدرسة من طريقة سير العمل فيها، ومن طبيعة العلاقة بين إدارتها وملاكاتها، ومن مقدار ما يتحلّى به العاملون فيها من التزامٍ وتعاون.
وقد كان لي شرف الدوام في مدارس متميّزي الحارثية، التي تُعدّ من المدارس المعروفة بمكانتها التعليمية في العاصمة بغداد، كما عملتُ في إحدى مدارس المتفوقين، حيث تتجلى أهمية التنظيم، ودقة المتابعة، والاهتمام بالتفاصيل، بوصفها عناصر أساسية في بناء البيئة التعليمية الناجحة. وقد تركت تلك التجارب في نفسي معاييرَ لا تُمحى بسهولة، ورسّخت لديّ قناعةً بأن نجاح المؤسسة لا يتحقق بالإمكانات وحدها، بل يحتاج إلى إدارةٍ واعية، وانضباطٍ مؤسسي، وتفاهمٍ يجعل الجميع يعملون بروح الفريق الواحد.
ومن هنا، فإنني لا أنظر إلى تجربتي الجديدة بوصفها انتقالاً وظيفياً عابراً، بل أراها امتداداً لإرثٍ تربويٍّ راكمته عبر سنوات العمل، ومجموعةً من الخبرات التي علّمتني أن أقدّر قيمة النظام، وأحترم دور القيادة، وأبحث عن المساحات التي يستطيع فيها الإنسان أن يؤدي رسالته بفاعليةٍ واطمئنان.
في يوم الأحد الماضي، باشرتُ عملي في مدرسة المتجلي الابتدائية، ومضت خمسة أيامٍ على وجودي فيها. خمسة أيامٍ قد لا تكفي لإصدار حكمٍ نهائي على مؤسسةٍ تربوية، لكنها تمنح المرء انطباعاً أولياً عن طبيعة المكان، وعن ملامح الإدارة، وعن مستوى التفاهم الذي يمكن أن يشكّل أساساً لعملٍ ناجح.
وإذا كانت تجاربي السابقة في مدارس متميّزي الحارثية وإحدى مدارس المتفوقين قد منحتني نماذجَ أقيس بها مستوى التنظيم والانضباط، فإنني أجد في هذه المرحلة مناسبةً للتأمل في الفارق الذي تصنعه القيادة الحكيمة حين تتحول من موقعٍ إداري إلى روحٍ تسري في مفاصل المؤسسة كلها.
فالمقارنة بين المدارس ليست انتقاصاً من مدرسةٍ أو انتصاراً لأخرى، وليست مفاضلةً بين أشخاص، بل هي قراءةٌ مهنيةٌ لتجارب مختلفة، ومحاولةٌ لفهم الأسباب التي تجعل بعض البيئات أكثر انسجاماً، وأكثر قدرةً على تنظيم العمل، وأكثر نجاحاً في احتواء الاختلافات وتوجيه الطاقات نحو غايةٍ مشتركة.
إن الانضباط لا يعني أن تسير الأمور بالخوف، وإنما أن يعرف كل فردٍ مسؤوليته، وأن يؤديها عن قناعة. والتفاهم لا يعني غياب الاختلاف، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف بعقلٍ واحترام. أما القيادة الحكيمة، فهي التي تجمع هذين المعنيين، فتمنح المؤسسة استقرارها، والعاملين فيها شعورهم بقيمة دورهم، والعمل التربوي فرصته الحقيقية للنمو.
ولعلّ أهم ما تمنحنا إياه سنوات الخدمة ليس عدد المدارس التي ننتقل بينها، بل القدرة على التمييز بين الإدارة التي تكتفي بتسيير الدوام، والقيادة التي تصنع بيئةً تربويةً متماسكة. فالأولى قد تحفظ سير العمل في حدوده الدنيا، أما الثانية فتترك أثراً يتجاوز حدود اليوم الدراسي، وتبقى بصمتها حاضرةً في سلوك العاملين وفي صورة المؤسسة.
إن إرثي التربوي الذي أعتز به ليس مجرد محطاتٍ وظيفيةٍ مررتُ بها، بل خبراتٌ ومواقف وتجارب كوّنت لديّ رؤيةً أعمق لمعنى المدرسة، ومسؤولية المعلم، ومكانة الإدارة في صناعة النجاح. ومن حقّ صاحب التجربة أن يستحضر ما تعلّمه، وأن يتخذ منه معياراً مهنياً، ما دام هدفه الارتقاء بالعمل لا التقليل من جهود الآخرين.
وستبقى الأيام المقبلة أقدر على كشف تفاصيل التجربة الجديدة، فالمؤسسات لا تُختصر في انطباعٍ أول، والإنصاف يقتضي أن نترك للزمن فرصته في إظهار الحقائق. غير أن التجارب السابقة تظلّ منارةً نهتدي بها، والمعايير المهنية تظلّ أساساً لا ينبغي التفريط به، لأن التربية أمانةٌ لا تحتمل المجاملة على حساب جودة العمل.
وفي نهاية المطاف، لا تصنع سمعة المدرسة لافتتها، ولا يصنع مكانتها اسمها وحده؛ إنما يصنعها انضباطٌ يُحترم، وتفاهمٌ يُمارس، وقيادةٌ تعرف أن أعظم إنجازاتها ليست في إدارة الحضور والانصراف، بل في بناء بيئةٍ يشعر فيها كل تربويٍّ بأن لجهده قيمة، ولرأيه مكاناً، ولرسالته طريقاً واضحاً.
فقد تعلّمتُ من تنقّلي بين المدارس أن الأبنية قد تتشابه، والمناهج قد تتقارب، لكن الفارق الحقيقي يبقى في الإنسان الذي يقود، وفي الروح التي تسود، وفي الأثر الذي تتركه المؤسسة في نفوس أبنائها والعاملين فيها.
فالمدرسة لا ترتقي بموقعها على الخريطة، بل بموقعها في ميزان العمل التربوي؛ ولا تكبر بكثرة من يعملون فيها، بل بحكمة من يقودهم، وانسجام من يعملون معه، وإيمان الجميع بأن التربية رسالةٌ قبل أن تكون وظيفة.