
عشتارتيفي كوم
أدلى سكان مقاطعة ألبرتا الكندية، الاثنين 19 تشرين الأول 2026، بأصواتهم في استفتاء غير ملزم بشأن بدء مسار قانوني قد يقود إلى استفتاء مستقبلي على الانفصال عن كندا، في خطوة تختبر وحدة البلاد وتفتح الباب أمام نقاش سياسي واقتصادي حول علاقة المقاطعة الغنية بالنفط بالحكومة الفيدرالية في أوتاوا.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه كندا ضغوطاً اقتصادية وتجارية، على خلفية الرسوم الأميركية والخلافات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي كرر سابقاً تصريحات بشأن جعل كندا الولاية الأميركية الحادية والخمسين. وفي هذا السياق، دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني سكان ألبرتا إلى التصويت لمصلحة البقاء ضمن الاتحاد الكندي، محذراً من أن فتح مسار الانفصال سيؤدي إلى فترة طويلة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي.
وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز في 19 تشرين الأول، فإن التصويت لا يعني اتخاذ قرار فوري بالانفصال، بل يطرح على الناخبين خيار البقاء ضمن كندا أو البدء بإجراءات قد تمهّد لاستفتاء لاحق بشأن الاستقلال.
استفتاء تاريخي في مقاطعة غنية بالنفط
تُعد ألبرتا، الواقعة في غرب كندا، من أهم مراكز إنتاج النفط والغاز في البلاد، ويبلغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة. وتتمتع المقاطعة بثقل اقتصادي كبير بفضل مواردها الطبيعية، فيما يتركز جانب من الخلاف بينها وبين الحكومة الفيدرالية حول السياسات البيئية والطاقة، ومدى تأثيرها في تطوير قطاع النفط والغاز.
ويمثل تصويت 19 تشرين الأول محطة غير مسبوقة في المقاطعة، إذ إنها المرة الأولى التي يُطرح فيها سؤال الانفصال عن كندا على الناخبين في ألبرتا بهذا الشكل، خارج التجربة التاريخية لمقاطعة كيبك الناطقة بالفرنسية، التي شهدت استفتاءين على الاستقلال عامي 1980 و1995.
وأوضحت وكالة أسوشيتد برس أن التصويت الحالي لا يحسم مسألة الاستقلال، بل يحدد ما إذا كان ينبغي الانتقال إلى مسار قانوني يمكن أن يقود إلى استفتاء مستقبلي ملزم. وأشارت الوكالة إلى أن أكثر من 1.35 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم مسبقاً أو عبر الاقتراع الخاص، بما يعادل نحو 43% من الناخبين المؤهلين، في مؤشر إلى حجم الاهتمام بالقضية.
كارني يدعو إلى الحفاظ على وحدة كندا
خاض رئيس الوزراء مارك كارني حملة علنية لحث سكان ألبرتا على رفض الانفصال، مستنداً إلى الروابط الاقتصادية والسياسية التي تجمع المقاطعة ببقية البلاد، وإلى المخاطر التي قد تترتب على فتح مسار طويل لإعادة رسم العلاقة الدستورية بين ألبرتا والحكومة الفيدرالية.
وقال كارني خلال تجمع مؤيد لبقاء المقاطعة ضمن كندا في مدينة إدمونتون إن مستقبل البلاد يتطلب مشاركة سكان ألبرتا في الحفاظ على وحدتها، محذراً من أن المرحلة الحالية، التي تشهد توترات تجارية مع الولايات المتحدة وتحديات اقتصادية وأمنية، ليست مناسبة لإضافة أزمة دستورية جديدة.
كما شدد على أن كندا ليست مجرد اتفاق مالي بين المقاطعات حول ما تدفعه وما تحصل عليه، بل اتحاد سياسي واقتصادي تتداخل فيه المصالح الوطنية والبنية التحتية والتجارة والأمن.
ووفقاً لرويترز، حاول كارني في الوقت نفسه معالجة بعض الاعتراضات التي غذّت الحركة الانفصالية، من خلال مراجعة بعض السياسات البيئية ودعم مشروع خط أنابيب مقترح يتيح زيادة صادرات نفط ألبرتا إلى الأسواق الآسيوية.
لماذا تطالب مجموعات في ألبرتا بالانفصال؟
تعود جذور الحركة الانفصالية في ألبرتا إلى خلافات متراكمة مع الحكومة الفيدرالية بشأن إدارة الموارد الطبيعية وتوزيع العائدات والصلاحيات بين أوتاوا والمقاطعات.
ويرى مؤيدو الانفصال أن الحكومة الفيدرالية فرضت قيوداً بيئية وسياسات حدّت من قدرة قطاع النفط والغاز على التوسع، وأن ألبرتا، باعتبارها إحدى أهم المناطق المنتجة للطاقة في كندا، تسهم في الاقتصاد الوطني بدرجة تفوق ما تحصل عليه من دعم واستثمارات، بحسب ما نقلته رويترز عن شخصيات مؤيدة للحركة.
في المقابل، تقول الحكومة الفيدرالية إن السياسات الوطنية يجب أن توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والالتزامات المناخية، فيما يحذّر معارضو الانفصال من أن مغادرة الاتحاد قد تخلق مشكلات تتعلق بالتجارة والعملة والحدود والدفاع وتقاسم الأصول والالتزامات المالية.
وتختلف دوافع الحركة في ألبرتا عن تلك التي غذّت النزعة الانفصالية في كيبك؛ إذ تتركز الخلافات في ألبرتا بدرجة أكبر على المصالح الاقتصادية والسياسات المتعلقة بالطاقة، بينما ارتبطت حركة الاستقلال في كيبك تاريخياً باللغة والهوية والثقافة الفرنكوفونية.
دانييل سميث بين ضغوط الانفصاليين والدعوة إلى البقاء
دعت رئيسة حكومة ألبرتا دانييل سميث السكان إلى البقاء ضمن كندا، رغم أنها وافقت على طرح التصويت بعد ضغوط من تيار انفصالي داخل حزبها المحافظ المتحد.
وتواجه سميث معادلة سياسية معقدة؛ فهي لا تؤيد الانفصال، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى التعامل مع تيار داخل المقاطعة يطالب بمنح ألبرتا صلاحيات أوسع في مواجهة الحكومة الفيدرالية.
وأشارت رويترز إلى أن سميث استشهدت باستطلاع أظهر أن نحو 22% من سكان المقاطعة يؤيدون الانفصال، معتبرة أن هذه النسبة لا تزال مرتفعة بما يكفي لتستدعي التعامل مع أسباب الاستياء.
وفي استطلاع أجرته مؤسسة أنغوس ريد ونقلته رويترز، قال 66% من سكان ألبرتا إنهم يعتزمون التصويت للبقاء ضمن كندا. ومع ذلك، أظهر الاستطلاع أن ثلاثة من كل خمسة يعتقدون أن الحركة الانفصالية لن تنتهي قريباً، حتى إذا رفض الناخبون فتح مسار الانفصال.
الانفصاليون يتعهدون بمواصلة حملتهم
لم يتعامل قادة الحركة الانفصالية مع التصويت بوصفه نهاية لمعركتهم السياسية، بل أكدوا أن طرح القضية على مستوى المقاطعة يمثل مكسباً بحد ذاته، حتى في حال رفض الناخبين البدء بإجراءات الانفصال.
ونقلت أسوشيتد برس عن كيث ويلسون، أحد المشاركين في قيادة حملة «دعوا ألبرتا تقرر» المؤيدة للاستقلال، قوله إن الحركة حققت تقدماً من خلال تحويل الانفصال من مطلب هامشي إلى قضية رئيسية في النقاش السياسي بالمقاطعة.
ويرى مؤيدو الحركة أن التصويت يمنحهم فرصة لتوسيع قاعدة الدعم الشعبي والضغط على الحكومة الفيدرالية من أجل تغيير السياسات المتعلقة بالطاقة والصلاحيات الإقليمية. لكن منتقدين يحذرون من أن استمرار الحملة قد يزيد الانقسامات السياسية ويطيل حالة عدم اليقين بشأن مستقبل المقاطعة.
اعتراضات من قادة السكان الأصليين
برزت أيضاً تساؤلات قانونية ودستورية بشأن حقوق الأمم الأولى، وهم السكان الأصليون في كندا، في حال اتجهت ألبرتا نحو الاستقلال.
ونقلت أسوشيتد برس عن رئيس أمة ستورجن ليك كري، شيلدون صن شاين، قوله إن ألبرتا لا يمكنها الانفصال عن كندا من دون موافقة الأمم الأولى، مستنداً إلى المعاهدات التاريخية التي سبقت إنشاء المقاطعة.
ويضيف هذا الملف بعداً آخر إلى النقاش، إذ لا يتعلق مستقبل ألبرتا بالعلاقة بين الحكومة الإقليمية والفيدرالية