
الفنانة والموسيقية العراقية الرائدة بياتريس أوهانيسيان (1927 - 2008) في منزلها بمدينة بغداد، وهي تعزف على بيانو من نوع C. Bechstein.. (الصورة: أرشيف توثيقي / متداولة للاستخدام التاريخي والثقافي).
عشتارتيفي كوم
من بغداد إلى لندن ونيويورك، صنعت عازفة البيانو العراقية الأرمنية بياتريس أوهانسيان مسيرة فنية رائدة، وأسهمت في ترسيخ الموسيقى الكلاسيكية في العراق، عازفةً ومؤلفةً وأستاذةً خرّجت أجيالاً من الموسيقيين.
من بغداد بدأت الحكاية
وُلدت بياتريس أوهانسيان في 15 آذار 1927 في بغداد، لعائلة أرمنية شجّعتها على الاهتمام بالموسيقى. ومنذ طفولتها، أظهرت موهبة واضحة في العزف على البيانو، لتصبح لاحقاً من أبرز الأسماء النسائية في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية العراقية.
وبحسب تقرير نشرته إذاعة مينيسوتا العامة الأميركية (Minnesota Public Radio) في 15 كانون الثاني 2004، بدأت أوهانسيان تقديم فقرات موسيقية عبر الإذاعة العراقية وهي في سن مبكرة، وكانت تعزف أمام الجمهور رغم التحديات الاجتماعية التي واجهت الفتيات الراغبات في احتراف الموسيقى آنذاك.
دراسة موسيقية في بغداد ولندن ونيويورك
التحقت أوهانسيان بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، ودرست البيانو على يد الأستاذ الروماني جوليان هرتز، وتخرجت عام 1944. ثم واصلت دراستها في الأكاديمية الملكية للموسيقى في لندن بإشراف الأستاذ ماكس بيراني، حيث تخصصت في الأداء والتدريس الموسيقي.
لاحقاً، حصلت على منحة فولبرايت لمواصلة دراستها في مدرسة جوليارد للموسيقى في نيويورك، إحدى المؤسسات الموسيقية المعروفة في الولايات المتحدة. وهناك قدّمت ظهوراً في قاعة كارنيغي، في محطة بارزة من مسيرتها الفنية.
وتشير السيرة المنشورة عنها إلى أنها كانت من أوائل العراقيات اللواتي وصلن إلى هذا المستوى من الدراسة الموسيقية الاحترافية، ما مهّد لها طريقاً مهنياً جمع بين الأداء والتأليف والتعليم.
عودة إلى العراق ورسالة في التعليم
على الرغم من فرص الاستقرار في الولايات المتحدة، عادت أوهانسيان إلى العراق، مدفوعة برغبتها في نقل ما تعلمته إلى بلدها والمساهمة في تطوير الحياة الموسيقية فيه.
تولت رئاسة قسم البيانو في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وأسهمت في تعليم عدد من الطلبة الذين واصلوا مسيرتهم في المجال الموسيقي. ولم يقتصر دورها على العزف أمام الجمهور، بل امتد إلى بناء قاعدة تعليمية تساعد على نشر الموسيقى الكلاسيكية وتطوير مهارات العازفين العراقيين.
وفي عام 1961، أصبحت عازفة البيانو الرئيسية في الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، واستمرت في هذا الدور لأكثر من ثلاثة عقود، وفقاً لما أوردته إذاعة مينيسوتا العامة في تقريرها عن مسيرتها.
«الفجر».. تجربة في التأليف الموسيقي
لم تكن أوهانسيان عازفةً فحسب، بل خاضت أيضاً تجربة التأليف الموسيقي. ومن الأعمال المرتبطة باسمها مقطوعة «الفجر» (Dawn)، التي تُذكر في المصادر التي تناولت سيرتها بوصفها من أبرز تجاربها في التأليف.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من حضورها في مسيرة موسيقية عراقية سعت إلى توسيع مجال الموسيقى الكلاسيكية المحلية، وإتاحة مساحة للمؤلف العراقي ضمن تقاليد التأليف الغربي. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين وصف العمل بأنه من التجارب الرائدة وبين الجزم بأنه أول عمل من نوعه، وهي مسألة تحتاج إلى توثيق موسيقي تاريخي متخصص.
سنواتها الأخيرة في الولايات المتحدة
غادرت أوهانسيان العراق واستقرت في الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن العشرين، حيث واصلت نشاطها في تدريس البيانو، وارتبطت بمؤسسات أكاديمية في ولاية مينيسوتا، من بينها جامعة مينيسوتا وكلية ماكاليستر.
وتوفيت في 17 تموز 2008 عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركةً وراءها مسيرة امتدت من بغداد إلى أبرز المؤسسات الموسيقية في بريطانيا والولايات المتحدة، وجمعت بين الأداء والتأليف والتدريس.
إرث فني يتجاوز حدود الجغرافيا
تمثل بياتريس أوهانسيان صفحة مهمة من تاريخ الموسيقى العراقية الحديثة؛ فهي فنانة عراقية من أصول أرمنية، شقّت طريقها في مجال لم يكن احتراف النساء فيه أمراً سهلاً، ثم عادت لتشارك خبرتها مع أجيال جديدة من الموسيقيين.
وتبقى قصتها شاهداً على الدور الذي أدته المكونات الثقافية العراقية المتنوعة في إثراء الحياة الفنية في البلاد، وعلى قدرة الموسيقى على عبور الحدود وربط التجربة المحلية بالمشهد العالمي.