
عشتارتيفي كوم – الأحد، 25 تشرين الأول 2026
تشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات وتحركات شعبية متزامنة، تقودها مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على السكن، وتراجع الخدمات العامة، وأوضاع التعليم والأجور، إلى جانب الاحتجاج على الفساد والسياسات الحكومية. وشملت التحركات فرنسا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا وألبانيا، فيما امتدت مطالب مشابهة إلى اليونان ودول أوروبية أخرى.
وتأتي هذه التحركات وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة على شرائح واسعة من السكان، ولا سيما الشباب والطلاب والعمال والمتقاعدين. وفي المقابل، عززت السلطات إجراءاتها الأمنية في عدد من المدن عقب وقوع مواجهات وأعمال تخريب واعتقالات خلال بعض التظاهرات، بينما تحولت أزمة السكن وارتفاع الأسعار إلى محور رئيسي في الاحتجاجات.
وبحسب تقرير نشرته يورونيوز في 24 تشرين الأول، شهدت مدن أوروبية عدة تحركات احتجاجية تناولت ملفات مختلفة، من بينها الأجور والمعاشات والسكن والتعليم والفساد والاعتراض على الحروب والتسلح. وأكد التقرير أن هذه الاحتجاجات لا تمثل حركة موحدة، بل تعكس مطالب محلية متباينة تتقاطع في عدد من القضايا المعيشية والاجتماعية.
فرنسا: احتجاجات على تكاليف المعيشة والخدمات العامة
شهدت فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة احتجاجات واسعة بدأت بمطالب تتعلق بأوضاع المدارس والخدمات العامة، ثم اتسعت لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والأجور والسياسات الحكومية.
وترافقت بعض التحركات مع مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، وأعمال تخريب وإحراق ممتلكات ونهب متاجر في عدد من المدن. وأدت أعمال العنف في احتجاجات سابقة إلى إصابات واعتقالات، الأمر الذي دفع السلطات إلى تعزيز الانتشار الأمني وفرض قيود على بعض التجمعات في المناطق التي شهدت اضطرابات.
وتشمل مطالب المحتجين تحسين ظروف التعليم، ومعالجة الاكتظاظ ونقص الكوادر في المدارس، وحماية الخدمات العامة، إلى جانب الاستجابة للضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر والعمال والشباب.
وتواجه الحكومة تحدياً في التعامل مع المطالب الاجتماعية مع الحفاظ على الأمن العام، خصوصاً في ظل الجدل بشأن كيفية التمييز بين التظاهر السلمي وأعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض المسيرات.
إيطاليا: مواجهات واعتقالات في مدن عدة
شهدت إيطاليا، السبت 24 تشرين الأول، تظاهرات في ميلانو وروما وتورينو ونابولي وبولونيا وفلورنسا، تناولت قضايا ارتفاع تكاليف المعيشة والأجور والخدمات الصحية والتعليمية والسكن، فضلاً عن الاعتراض على الحروب وزيادة الإنفاق العسكري.
وأفادت تقارير إعلامية بأن بعض المسيرات شهدت مواجهات، إذ ألقى متظاهرون حجارة وزجاجات ومفرقعات باتجاه قوات الشرطة، فيما تدخلت وحدات مكافحة الشغب لتفريق التجمعات في بعض المواقع.
وبحسب ما نقلته يورونيوز عن الشرطة الإيطالية، أوقفت السلطات تسعة أشخاص واحتجزت لفترات قصيرة 371 شخصاً خلال تحركات شهدتها ثماني مدن، وكان من بين المحتجزين 110 قاصرين.
وتأتي هذه التطورات بعد اضطرابات سابقة في مدن إيطالية، دفعت الحكومة إلى اتخاذ تدابير أمنية أكثر تشدداً. وتواجه السلطات مطالب اجتماعية تتعلق بالأجور وفرص العمل والرعاية الصحية والتعليم، بالتزامن مع الدعوات إلى محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف وحماية الممتلكات العامة والخاصة.
البرتغال: أزمة السكن تدفع المحتجين إلى نصب الخيام في لشبونة
تحولت أزمة السكن إلى محور رئيسي للاحتجاجات في البرتغال، حيث خرج آلاف الأشخاص في لشبونة للمطالبة بتوفير مساكن بأسعار معقولة وتحسين الأجور والحد من ارتفاع الإيجارات.
ونصب ناشطون أكثر من 100 خيمة في ساحة روسيو وسط العاصمة، بعد مسيرة احتجاجية شارك فيها آلاف الأشخاص يوم السبت. لكن الشرطة أخلت المخيم في الساعات الأولى من صباح الأحد، وفككت الخيام وأوقفت عدداً من المحتجين، وفقاً لوكالة رويترز.
وأفادت الوكالة بأن العملية بدأت بعد الساعة الثانية صباحاً، وسط انتشار أمني شمل عشرات الضباط، فيما سُجلت إصابات طفيفة من دون إعلان حصيلة رسمية للمصابين وقت نشر التقرير.
ويطالب المحتجون الحكومة بسحب مشروع تشريعي من شأنه تسهيل عمليات إخلاء المستأجرين وإلغاء القيود المفروضة على إيجارات العقود الجديدة. ويقولون إن ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات، مقارنة بمستويات الدخل، جعل الحصول على مسكن مناسب أمراً صعباً، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب والأسر ذات الدخل المحدود.
ووفقاً للتقرير، ارتفعت أسعار المنازل في البرتغال إلى أكثر من الضعف منذ عام 2017، فيما اقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف. كما يقدّر بنك البرتغال النقص في المعروض السكني بنحو 300 ألف وحدة.
إسبانيا: مطالب بحماية المعاشات والحد من تكاليف السكن
شهدت إسبانيا تحركات احتجاجية تناولت قضايا اجتماعية ومعيشية، من بينها حقوق المتقاعدين وأزمة السكن وارتفاع الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية.
وفي مدريد، خرج متقاعدون ومؤيدون لهم في مسيرة للمطالبة بربط زيادات المعاشات بمعدلات التضخم الفعلية، ورفع الحد الأدنى للمعاشات، وحماية نظام التقاعد العام من الخصخصة. كما برزت مطالب تتعلق بتقليص الفجوة بين معاشات الرجال والنساء.
وفي الوقت نفسه، تواصل أزمة السكن إثارة الاستياء، خصوصاً بين الشباب والعاملين ذوي الأجور المنخفضة، في ظل صعوبة تحمل الإيجارات في المدن الكبرى. وتأتي هذه التحركات ضمن موجة أوسع من الاحتجاجات الأوروبية التي تربط بين تكاليف السكن والأجور ومستوى الخدمات العامة.
ألبانيا: مواجهات خلال احتجاجات ضد الحكومة
شهدت العاصمة الألبانية تيرانا، السبت، تظاهرة جديدة شارك فيها آلاف الأشخاص احتجاجاً على الحكومة، وسط مطالب تتعلق بمكافحة الفساد والمساءلة السياسية وحماية الخدمات العامة.
وأفادت تقارير بأن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، فيما وقعت مواجهات وأُلحقت أضرار بمبانٍ حكومية، واحتُجز عشرات المشاركين.
وتأتي الاحتجاجات في سياق تحركات متواصلة منذ منتصف تشرين الأول، شارك فيها طلاب وفنانون ومجموعات معارضة. ووفقاً لتقرير يورونيوز، تحدثت السلطات عن إصابات بين المتظاهرين وأفراد الشرطة خلال المواجهات السابقة.
وتتركز مطالب المحتجين على محاسبة المسؤولين عن الفساد، وتحسين الحماية الاجتماعية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة. وفي المقابل، تواجه الحكومة ضغوطاً لاحتواء الاحتجاجات ومنع تصاعد المواجهات.
بلجيكا: احتجاجات طلابية واجتماعية في بروكسل ومدن أخرى
شهدت بلجيكا بدورها احتجاجات في بروكسل ومدن أخرى، تركزت على قضايا التعليم والرسوم الجامعية والأوضاع المعيشية والسياسات الاجتماعية.
وأفادت تقارير بأن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق بعض التجمعات، بعد اتهام متظاهرين بإلقاء مقذوفات وإشعال حرائق خلال المواجهات.
وتأتي هذه التحركات بعد احتجاجات سابقة شارك فيها طلاب ومعلمون، وسط مخاوف بشأن التمويل المخصص للتعليم والضغوط التي تواجه المؤسسات التعليمية والأسر.
وتكشف الاحتجاجات عن اتساع النقاش بشأن قدرة الخدمات العامة على الاستجابة لاحتياجات السكان، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحسين الأجور وتوفير فرص أفضل للشباب.
اليونان: الشباب يحتجون على أوضاع التعليم وتكاليف المعيشة
شهدت اليونان، في 21 تشرين الأول، تظاهرات طلابية وشبابية في عشرات المدن، احتجاجاً على تراجع أوضاع التعليم العام وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على السكن.
وذكرت صحيفة لوموند الفرنسية أن نحو 20 ألف شخص شاركوا في احتجاجات شملت 50 مدينة يونانية. وطالب المتظاهرون بتوفير الكتب الجامعية مجاناً، وتقديم دعم شهري للسكن بقيمة 500 يورو، وفرض ضوابط على الإيجارات.
وتأتي هذه المطالب في ظل ارتفاع الإيجارات خلال السنوات الماضية، خصوصاً في أثينا وتيسالونيكي، إلى جانب شكاوى من نقص المعلمين وافتقار بعض المدارس إلى التجهيزات المناسبة.
كما دعت نقابات المعلمين إلى زيادة الإنفاق على التعليم العام، وتوفير اختصاصيين نفسيين وممرضين في المدارس، وتعزيز الدعم المقدم للطلاب.
الهجرة غير النظامية: مخاطر العبور البحري مستمرة
إلى جانب الاحتجاجات الاجتماعية، تظل الهجرة غير النظامية من الملفات الرئيسية على جدول الأعمال الأوروبي، خصوصاً في ما يتعلق بعمليات تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
وتشير تقارير دولية إلى أن شبكات التهريب تحقق أرباحاً كبيرة من نقل الأشخاص عبر مسارات خطرة، مستفيدة من رغبة المهاجرين في الوصول إلى أوروبا، ومن الظروف الاقتصادية والسياسية التي تدفع بعضهم إلى مغادرة بلدانهم.
ويواجه المهاجرون مخاطر الغرق والاختفاء والاستغلال على أيدي شبكات التهريب، فيما تواجه الدول الأوروبية تحديات تتعلق بإدارة الحدود، وإنقاذ الأرواح، والتعامل مع طلبات اللجوء، ومكافحة الاتجار بالبشر.
غير أن معالجة الملف لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها؛ إذ تظل قضايا التعاون الدولي، ومكافحة شبكات التهريب، وتوفير مسارات هجرة قانونية، ومعالجة الظروف التي تدفع إلى الهجرة، من الملفات المطروحة في النقاش الأوروبي.
ما الذي يجمع هذه الاحتجاجات؟
على الرغم من اختلاف المطالب بين دولة وأخرى، تبرز ثلاثة ملفات مشتركة في موجة الاحتجاجات الحالية:
أولاً: الضغوط الاقتصادية. يطالب محتجون بتحسين الأجور والمعاشات ومواكبة ارتفاع الأسعار، فيما تواجه أسر كثيرة صعوبة في تغطية نفقات السكن والطاقة والخدمات الأساسية.
ثانياً: أزمة السكن والتعليم والخدمات العامة. تتزايد المطالب بتوفير مساكن ميسورة التكلفة، وتحسين ظروف المدارس والجامعات، وتعزيز الخدمات الصحية والاجتماعية.
ثالثاً: الثقة بالمؤسسات والمساءلة. تركز احتجاجات في ألبانيا وصربيا ودول أخرى على مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين، بينما أثارت أعمال العنف خلال بعض التظاهرات نقاشاً بشأن الأمن العام وحق الاحتجاج السلمي.
وتشير هذه التطورات إلى أن الاحتجاجات ليست حركة أوروبية موحدة، بل موجة من التحركات المتزامنة التي تختلف أسبابها المباشرة، لكنها تتقاطع في الشعور بالضغط الاقتصادي والاجتماعي والمطالبة باستجابة حكومية أكثر فاعلية.
الخلاصة
تواجه أوروبا في نهاية تشرين الأول 2026 مجموعة متداخلة من التحديات، تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والضغوط على التعليم والخدمات العامة، إلى جانب الاحتجاج على الفساد والسياسات الحكومية. وقد شهدت فرنسا وإيطاليا وألبانيا مواجهات خلال بعض التحركات، بينما برزت أزمة السكن بصورة واضحة في البرتغال وإسبانيا، وامتدت المطالب المتعلقة بالتعليم والمعيشة إلى اليونان وبلجيكا.
وفي الوقت الذي تشدد فيه السلطات إجراءات الأمن وتتعامل مع أعمال العنف، يبقى التحدي الأساسي أمام الحكومات الأوروبية هو الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، مع حماية حق المواطنين في التظاهر السلمي وضمان سلامة الأشخاص والممتلكات.