تشييع الضحايا في الكنيسة المستهدفة وتشديد الإجراءات الأمنية حول الكنائس في الأردن.. والسلطات تواصل البحث عن منفذي الهجوم      من التمييز الديني إلى الإبادة والإرهاب المنظّم.. كيف تطوّر الفكر المتطرف ضد أبناء شعبنا و مسيحيي الشرق الأوسط؟      مجلس كنائس الشرق الأوسط يطلق استجابة مسكونية طارئة لمواجهة أزمات النزوح ويدين استهداف دور العبادة      قداسة البطريرك مار افرام الثاني يستقبل النائب الأسقفي العام في أبرشية فيينا الكاثوليكية      مهرجان «القوش تقرأ» في موسمه الثالث يوزّع أكثر من 2500 كتاب مجاناً ويحتفي بالثقافة والتراث      نائبان مسيحيان في برلمان كوردستان يستنكران الهجوم على كنيسة مار جاورجيوس في الأردن      منظمة دولية تدعو الحكومات إلى قطع مصادر تمويل الإرهاب وتحذّر من استمرار استهداف المسيحيين      البطريرك يونان يدين الهجوم الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك الأردنية      ارتفاع حصيلة ضحايا الهجوم على كنيسة في الكرك الأردنية إلى 8 قتلى و40 مصاباً      بيان إدانة صادر عن حكومة إقليم كوردستان      بطولة BXF5 للملاكمة في أربيل تستقطب الأنظار بمواجهات قوية      مستشفيات كوردستان وفّرت أكثر من 182 مليار دينار على المواطنين خلال عام 2025      متظاهرو ساحة التحرير يحيون الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين ويطالبون بمحاسبة قتلة المحتجين      الحوثيون يصعّدون هجماتهم على السعودية ويهددون مطار الرياض.. ومضيق باب المندب في قلب المواجهة الإقليمية      أستراليا: تصاعد التهديدات والعنف ضد السياسيين يثير مخاوف على سلامة الحياة الديمقراطية      ترامب وأوباما يكثّفان تحركاتهما الانتخابية في ميشيغان.. والسباق على الكونغرس يدخل مرحلته الحاسمة      موجة احتجاجات تجتاح أوروبا بسبب غلاء المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات.. والسلطات تشدد الإجراءات الأمنية      البعثة العراقية الأمريكية تنجح في فك رموز مسلة نينوى الرخامية الضخمة للملك آشور بانيبال      ماذا قال مورينيو وفليك قبل الكلاسيكو؟      الملايين يتناولونه لحماية الذاكرة.. دراسة صادمة تكشف حقيقة مكملات زيت السمك
| مشاهدات : 779 | مشاركات: 0 | 2026-10-25 11:04:51 |

من التمييز الديني إلى الإبادة والإرهاب المنظّم.. كيف تطوّر الفكر المتطرف ضد أبناء شعبنا و مسيحيي الشرق الأوسط؟

برج جرس كنيسة مار أدي في كرمليس، وهي بلدة ساعدت منظمة "فرسان كولومبوس" في إعادة إعمارها. الصليب المائل لا يزال قائماً على الرغم من دحر تنظيم داعش في المنطقة. تعود حقوق الملكية الفكرية الفنية الفوتوغرافية لـ (منظمة فرسان كولومبوس - Knights of Columbus) بعدسة المصور "تامينو بيتلينسيك"، ونُشرت المادة التوثيقية رسمياً عبر شبكة Fox News؛ وهي مرخصة للاستخدام الإعلامي والصحفي والأكاديمي ضمن التغطيات المرتبطة بإعادة إعمار بلدات سهل نينوى ورصد آثار الفكر الإقصائي ضد المكونات الأصيلة بالمنطقة. المصدر الرقمي المباشر: (foxnews.com)

 

 

من المذابح والتهجير القسري في أواخر العهد العثماني، وصولاً إلى جرائم تنظيم داعش في العراق وسوريا، يكشف التاريخ عن محطات خطيرة تحوّل فيها التعصب الديني والصراعات السياسية والقومية إلى اضطهاد ممنهج استهدف أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ومسيحيين آخرين في الشرق الأوسط.

عشتارتيفي كوم – تقرير تاريخي وتحليلي

 

لم ينشأ الفكر المتطرف الذي استهدف أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ومسيحيي الشرق الأوسط في مرحلة تاريخية واحدة، ولم يكن نتيجة عامل منفرد، بل تطوّر ضمن سياقات متباينة تداخلت فيها الخلافات الدينية مع الصراعات السياسية والقومية والمصالح الاقتصادية، وصولاً إلى ظهور تنظيمات إرهابية حديثة تبنّت أيديولوجيات إقصائية وبرّرت العنف ضد المدنيين على أساس هويتهم الدينية.

وعلى امتداد قرون، شهدت المنطقة فترات من التعايش والتعاون الثقافي والاقتصادي بين مكوناتها، كما شهدت مراحل أخرى من التمييز والاضطهاد والمذابح والتهجير. وتكشف دراسة هذه المراحل أن الخطر يتصاعد عندما يتحول الاختلاف الديني إلى اتهام جماعي، أو عندما يُصوَّر وجود جماعة تاريخية على أنه تهديد يجب التخلص منه.

وقد بلغت هذه الممارسات مستويات بالغة الخطورة خلال المذابح التي تعرّض لها أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في أواخر العهد العثماني، ثم خلال اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مناطق واسعة من العراق وسوريا، وما رافقه من قتل وتهجير ومصادرة للممتلكات وتدمير للكنائس والأديرة والمواقع التاريخية.

فكيف تطوّر الفكر المتطرف ضد أبناء شعبنا؟ وما المحطات التاريخية التي ساهمت في تشكيله؟ وما أوجه الاختلاف بين الاضطهاد في العصور السابقة والإرهاب المنظّم في العصر الحديث؟

 

أولاً: الجذور التاريخية.. عندما تحوّلت الاختلافات الدينية إلى صراعات سياسية

في القرون الأولى للمسيحية، واجه المسيحيون في مناطق مختلفة من الإمبراطورية الرومانية فترات من الاضطهاد. وبعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين المسيحية وإصدار مرسوم ميلانو عام 313، ثم تحوّل المسيحية إلى دين مفضّل للدولة في عهد ثيودوسيوس الأول أواخر القرن الرابع، تغيّر موقع المسيحية داخل النظام الإمبراطوري.

لكن التحول لم يُنهِ الصراعات الدينية؛ فقد ظهرت خلافات عقائدية داخل المجتمعات المسيحية نفسها، وأصبحت بعض هذه الخلافات مرتبطة بالسلطة السياسية وبعلاقة الكنائس بالدولة.

وبعد مجمع خلقيدونية عام 451، تعرض مسيحيون رفضوا قرارات المجمع، ومن بينهم جماعات ارتبطت بالتقاليد السريانية الميافيزية، لفترات من التضييق والنفي والعنف في ظل بعض السلطات الإمبراطورية.

 

وتوضح المؤرخة كريستين شيبردسون، في كتابها A Memory of Violence: Syriac Christianity and the Radicalization of Religious Difference in Late Antiquity، كيف أصبحت الخلافات العقائدية في القرنين الخامس والسادس جزءاً من صراعات سياسية على تعريف العقيدة المقبولة وعلاقة الكنيسة بالدولة.

 

وتكشف هذه المرحلة عن آلية مهمة في تاريخ الاضطهاد: عندما تُربط العقيدة بالولاء السياسي، يمكن أن يتحول الاختلاف الديني إلى اتهام بالخيانة أو الانحراف، ويُستخدم لتبرير الإقصاء والعقوبات.

ومع ذلك، لا يصح اعتبار هذه الصراعات بداية مباشرة للإرهاب الجهادي المعاصر؛ فأهميتها تكمن في إظهار الكيفية التي يمكن أن يتحول بها تسييس الهوية الدينية إلى أداة للاضطهاد.

 

ثانياً: بعد الفتوحات الإسلامية.. بين التمييز القانوني وفترات التعايش

مع الفتوحات الإسلامية في القرن السابع، دخلت مناطق واسعة من بلاد الشام والعراق ومصر ضمن حكم دول إسلامية متعاقبة. وكانت هذه المناطق تضم مجتمعات مسيحية قديمة ذات مؤسسات كنسية ولغات وتقاليد ثقافية راسخة، من بينها أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري.

وخلال القرون اللاحقة، لم يكن وضع المسيحيين موحداً في جميع الدول أو العصور. فقد استمرت الكنائس ومؤسساتها، وشارك مسيحيون في مجالات الطب والإدارة والترجمة والفلسفة والتجارة، في حين شهدت مراحل أخرى فرض قيود قانونية وضرائب خاصة واضطهادات وأعمال عنف.

ومن بين الأطر القانونية التي نظّمت وضع بعض الجماعات غير المسلمة نظام أهل الذمة، الذي أتاح الحماية وممارسة الشعائر ضمن شروط تفاوت تطبيقها تاريخياً، لكنه رسّخ أيضاً تمييزاً قانونياً بين المسلمين وغير المسلمين، بما في ذلك ترتيبات الجزية في سياقات تاريخية محددة.

وفي بعض الفترات، استخدمت سلطات أو جماعات محلية هذا التمييز لفرض قيود أشد أو ممارسة الضغط على المسيحيين، بينما اتسعت في فترات أخرى فرص المشاركة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

 

ويبحث المؤرخ كريستيان ساهنر، في كتابه Christian Martyrs under Islam: Religious Violence and the Making of the Muslim World، تاريخ العنف الديني ضد المسيحيين في القرون الإسلامية الأولى والوسيطة، وكيف تعاملت المجتمعات المسيحية مع الضغوط الاجتماعية والقانونية والدينية.

 

الدلالة التاريخية: لا يمكن اختزال تاريخ المسيحيين في الشرق الأوسط في اضطهاد دائم، كما لا يمكن إنكار حالات التمييز والعنف التي تعرضوا لها. وتقتضي القراءة العلمية التمييز بين القواعد القانونية العامة وتطبيقاتها الفعلية، وبين سياسات السلطات المختلفة والعنف الذي مارسته جماعات أو حشود محلية.

 

ثالثاً: كيف يتحول الاختلاف الديني إلى فكر إقصائي؟

لم يكن وجود التمييز الديني كافياً وحده لإنتاج الإرهاب المنظم. فقد ظهرت الحركات الإرهابية المعاصرة في سياقات حديثة تداخلت فيها أزمات الدولة والصراعات المسلحة والتعبئة الأيديولوجية.

 

ومع ذلك، يمكن تحديد آليات فكرية متكررة في مراحل مختلفة من الاضطهاد:

 

احتكار الحقيقة الدينية: عندما تدّعي جماعة أنها وحدها تمثل الحقيقة، قد تنتقل من الاختلاف مع الآخرين إلى اعتبارهم تهديداً يجب إخضاعه أو إقصاؤه.

 

نزع الشرعية عن الآخر: يجري تصوير الجماعة المستهدفة على أنها غريبة عن المجتمع أو غير جديرة بالحقوق نفسها، بما يسهل تبرير التمييز ضدها.

 

ربط الهوية الدينية بالعداء السياسي: قد يُتهم المسيحي المحلي بأنه ممثل لقوة أجنبية أو حليف لخصم سياسي، حتى عندما لا توجد أدلة على ذلك.

 

تحويل المسؤولية الفردية إلى عقاب جماعي: بدلاً من محاسبة أفراد على أفعال محددة، تُحمّل جماعة دينية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد أو قوى سياسية، فتتعرض للتهديد أو المصادرة أو التهجير.

 

تبرير العنف باسم غاية مقدسة: تستخدم بعض الحركات المتطرفة تأويلات دينية انتقائية لمنح العنف شرعية مزعومة، وتقديم الضحايا بوصفهم أهدافاً مشروعة.

 

وهذه الآليات ليست حكراً على دين بعينه، ولا تظهر بالضرورة في كل مجتمع أو حركة دينية. لكنها تساعد على فهم الكيفية التي تتحول بها الأفكار الإقصائية إلى اضطهاد منظم عندما تتوافر لها القوة المسلحة والغطاء السياسي أو انهيار مؤسسات الدولة.

 

رابعاً: أواخر العهد العثماني.. سيفو ومأساة أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري

شهدت العقود الأخيرة من الدولة العثمانية تصاعداً في التوترات القومية والسياسية، بالتزامن مع تراجع الإمبراطورية وتدخل القوى الدولية والحروب والأزمات الداخلية.

وكان أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، إلى جانب الأرمن واليونانيين وغيرهم من الجماعات المسيحية، من بين الذين تعرضوا للمذابح والتهجير والمصادرة، ولا سيما خلال الحرب العالمية الأولى وما أعقبها.

 

سيفو.. جرح تاريخي في ذاكرة شعبنا

شهد عام 1915 والسنوات المرتبطة به عمليات قتل جماعي وتهجير قسري طالت أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في مناطق من الأناضول وبلاد ما بين النهرين ومناطق حدودية من إيران الحالية.

وتُعرف هذه المأساة في الذاكرة الآشورية والسريانية باسم «سيفو»، أي «السيف» باللغة الآرامية، وترتبط بمقتل أعداد كبيرة من أبناء شعبنا، وتدمير قرى وكنائس وأديرة، ونزوح جماعات واسعة من موطنها التاريخي.

 

ويبحث المؤرخ ديفيد غاونت وزملاؤه، في كتاب Let Them Not Return: Sayfo – The Genocide Against the Assyrian, Syriac, and Chaldean Christians in the Ottoman Empire، في العوامل السياسية والعسكرية والاجتماعية التي أحاطت بالمجازر، مستندين إلى مصادر تاريخية وشهادات ووثائق.

 

كما يناقش ديفيد غاونت في دراسة منشورة في مجلة Genocide Studies International تعقيدات الإبادة التي تعرض لها الآشوريون، والأطراف التي شاركت في أعمال العنف، والسياق الذي استُهدفت فيه جماعات مسيحية مختلفة.

 

ما الذي تكشفه سيفو عن تطور الفكر الإقصائي؟

لا يمكن تفسير سيفو بالتعصب الديني وحده؛ فقد تداخلت فيها سياسات الحرب والشك في ولاء الجماعات المسيحية، والقومية الإقصائية، والنزاعات على الأرض والسلطة، والمصالح المحلية، والعنف الذي ارتكبته مؤسسات وأطراف مسلحة.

لكنها تكشف عن خطر بالغ يظهر عندما تتحول جماعة دينية أو قومية إلى هدف جماعي، ويُنظر إلى وجودها بوصفه مشكلة سياسية أو أمنية يجب التخلص منها.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين الخلاف السياسي وبين اضطهاد السكان بسبب هويتهم؛ فحين تتداخل الدعاية والتحريض والمصادرة والتهجير والقتل، يمكن أن يتحول الصراع إلى حملة تهدد وجود مجتمعات بأكملها.

 

خامساً: القرن العشرون.. من الدولة القومية إلى الحركات المسلحة

بعد الحرب العالمية الأولى، تغيرت الحدود السياسية في الشرق الأوسط، وظهرت دول حديثة واجهت تحديات بناء الهوية الوطنية وإدارة التنوع الديني والقومي.

وعلى الرغم من مشاركة أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ومسيحيين آخرين في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في دول المنطقة، فإنهم تعرضوا في بعض البلدان للتمييز أو العنف أو ضغوط الهجرة، نتيجة ظروف متباينة شملت الصراعات السياسية والانقلابات والحروب والتوترات الطائفية وضعف مؤسسات الدولة.

وفي العراق، تعرض أبناء شعبنا لاعتداءات وتهديدات قبل عام 2003 وبعده. ومع تدهور الوضع الأمني بعد الغزو، توسعت أنشطة الجماعات المسلحة، وأصبحت مدن ومناطق تضم تجمعات مسيحية هدفاً للابتزاز والاغتيالات والتفجيرات.

وفي سوريا، أدت الحرب التي بدأت عام 2011 إلى تفكك مؤسسات أمنية وإدارية في مناطق واسعة، ووفرت بيئة سمحت لجماعات مسلحة متطرفة بتوسيع نفوذها.

وفي مصر، تعرض الأقباط لاعتداءات استهدفت كنائس ومدنيين في سياقات مختلفة، بعضها ارتبط بتوترات طائفية محلية، وبعضها الآخر بهجمات نفذتها جماعات جهادية منظمة.

وتؤكد هذه التجارب أن صعود التطرف لم يكن نتيجة الأفكار وحدها، بل ارتبط أيضاً بوجود بيئة سياسية وأمنية تسمح بتجنيد الأفراد وتسليح الجماعات وإضعاف القضاء واستهداف المدنيين من دون محاسبة فعالة.

 

سادساً: القاعدة وداعش.. انتقال الفكر الإقصائي إلى الإرهاب المنظم

شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تطور حركات جهادية متشددة استخدمت تفسيرات إقصائية للدين، واعتبرت بعض الجماعات الدينية والسياسية خصوماً يجب إخضاعهم أو قتالهم.

ومع تأسيس تنظيم القاعدة وتطور فروعه الإقليمية، ثم نشوء القاعدة في العراق، ظهرت أنماط أكثر تنظيماً من العنف الطائفي. وفي عام 2013، أعلن التنظيم في العراق وسوريا إعادة تشكيله تحت اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، المعروف اختصاراً بـ«داعش».

وتوضح لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية، في تقريرها عن أوضاع الحرية الدينية في العراق بعد عشر سنوات من جرائم داعش، أن التنظيم استهدف خلال عام 2014 وما بعده الإيزيديين وأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وجماعات أخرى، بعمليات شملت الإعدامات الجماعية والخطف والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتحويل القسري إلى الإسلام.

 

كيف بنى داعش خطابه ضد المسيحيين؟

اعتمد التنظيم على مجموعة من الأفكار الإقصائية، من أبرزها:

  • تقديم مشروعه السياسي باعتباره سلطة دينية مطلقة لا تقبل التعددية أو المساواة بين المواطنين.
  • فرض تصورات متشددة بشأن وضع غير المسلمين، واستخدام التهديد والابتزاز لإجبار السكان على الخضوع أو المغادرة.
  • تدمير رموز دينية وثقافية اعتبرها مخالفة لأيديولوجيته.
  • توظيف الصور والتسجيلات المصورة والدعاية الرقمية لإظهار القوة وإخافة السكان والخصوم.
  • استخدام العنف الجماعي والتهجير لتغيير الواقع السكاني في المناطق التي سيطر عليها.

 

ولم يكن خطاب التنظيم ثابتاً في جميع الحالات أو المناطق؛ فقد اختلفت ممارساته تجاه المسيحيين بحسب الظروف العسكرية والسياسية المحلية، لكنه ارتكب انتهاكات موثقة ضدهم في العراق وسوريا، شملت الاستيلاء على الممتلكات والتهجير والتخريب ونشر الرعب.

 

وتشير دراسة أكاديمية بعنوان Crusader Hirelings or Loyal Subjects? Evolving Jihadist Perspectives on Christian Minorities in the Middle East إلى أن مواقف الحركات الجهادية من المسيحيين المحليين تطورت تبعاً للسياق السياسي والصراع الداخلي بين التنظيمات، وأن استهدافهم لم يكن دائماً نتيجة تصور أيديولوجي ثابت وحده، بل تأثر أيضاً بمصالح السيطرة والصراعات المحلية.

 

سابعاً: الموصل وسهل نينوى.. عندما تحوّل الفكر الإقصائي إلى جريمة

في حزيران 2014، سيطر داعش على الموصل، ثم تمدد إلى مناطق من سهل نينوى. وخلال أسابيع، واجه أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري تهديدات أجبرتهم على الفرار من مدنهم وقراهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح المسيحي في تاريخ العراق الحديث.

وتعرض السكان لمصادرة الممتلكات والاستيلاء على المنازل والمتاجر، كما تعرضت كنائس وأديرة ومواقع دينية للنهب والتخريب والتدنيس.

وفي أيلول 2024، أعلن فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من داعش «يونيتاد» أنه سلّم إلى مجلس القضاء الأعلى العراقي تقريراً عن الجرائم المرتكبة بحق المسيحيين في الموصل وسهل نينوى ومحيطهما بين عامي 2014 و2017.

وخلص الفريق إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن أفعالاً ارتكبها التنظيم بحق المسيحيين ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وشملت العنف الجنسي وانتهاك الكرامة الإنسانية وتدمير الممتلكات الثقافية والنهب ونشر الرعب بين السكان والنقل القسري.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تستند إلى تحقيقات وأدلة وشهادات ناجين، وليست مجرد توصيفات إعلامية أو سياسية.

 

هل كانت الغاية محو الوجود المسيحي من المنطقة؟

أدت ممارسات داعش إلى إفراغ مناطق من سكانها المسيحيين، وتدمير أجزاء من تراثهم، وإضعاف قدرتهم على العودة والاستقرار.

لكن إثبات نية الإبادة الجماعية في القانون الدولي يتطلب أدلة على قصد خاص لتدمير جماعة محمية، كلياً أو جزئياً، بصفتها تلك. لذلك يجب التمييز بين ثبوت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وبين التوصيف القانوني لكل حملة أو واقعة باعتبارها إبادة جماعية.

وقد وثّقت الجهات الدولية جرائم داعش ضد المسيحيين، بينما اعتمدت الأمم المتحدة توصيف الإبادة الجماعية في تحقيقاتها بشأن جرائم التنظيم ضد الإيزيديين. ولا ينبغي الخلط بين التوصيفين أو افتراض أن أحدهما ينفي حجم معاناة الجماعة الأخرى.

 

ثامناً: استهداف المسيحيين في سوريا ومصر وبلدان أخرى

لم تقتصر الهجمات الجهادية على العراق؛ فقد تعرض مسيحيون في سوريا ومصر وبلدان أخرى لاعتداءات ارتبطت بظروف محلية وتنظيمات مختلفة.

 

سوريا

خلال الحرب السورية، سيطرت جماعات مسلحة متطرفة على مناطق تضم أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ومسيحيين آخرين، وتعرض السكان للتهديد والتهجير والخطف، كما اختُطف رجال دين ودُمّرت مواقع دينية.

وتفاوتت الظروف من منطقة إلى أخرى؛ إذ ارتبطت بعض الاعتداءات بسيطرة جماعات جهادية، بينما نتجت أخرى عن انهيار الأمن أو الصراع بين أطراف مسلحة أو ضغوط اجتماعية وسياسية محلية.

 

مصر

تعرض الأقباط لاعتداءات استهدفت كنائس ومدنيين، ومن أبرزها تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية في الأول من كانون الثاني 2011، والهجمات التي استهدفت كنيستي مار جرجس في طنطا والمرقسية في الإسكندرية في نيسان 2017.

كما أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن هجمات استهدفت أقباطاً، ضمن مسعى لإثارة صراع طائفي وإظهار الدولة عاجزة عن حماية المواطنين.

 

لبنان والأردن وبلدان أخرى

تختلف طبيعة التهديدات التي تواجه المسيحيين في بقية المنطقة؛ فبعض الدول شهدت هجمات إرهابية مباشرة، بينما تتمثل التحديات في دول أخرى في التوترات السياسية أو الهجرة أو ضعف الحماية القانونية أو تداعيات الحروب المجاورة.

ولهذا لا يصح جمع جميع هذه الحالات في مسار واحد أو نسبتها كلها إلى تنظيم بعينه؛ إذ يتطلب كل حادث تحديد الجهة المسؤولة والدافع والأدلة والسياق المحلي.

 

تاسعاً: ما العوامل التي تسمح للفكر الإرهابي بالتوسع؟

لا يكفي وجود خطاب متطرف لتفسير تحوّله إلى حملة واسعة من العنف. وتكشف التجارب المعاصرة عن مجموعة من العوامل التي قد تساعد على توسع الجماعات الإرهابية:

انهيار مؤسسات الدولة: يؤدي ضعف الشرطة والقضاء والرقابة على السلاح إلى إتاحة المجال للجماعات المسلحة لفرض سلطتها.

الصراعات الطائفية: عندما يُقدَّم الخلاف السياسي باعتباره صراعاً وجودياً بين جماعات دينية، يصبح المدنيون أكثر عرضة للاستهداف الجماعي.

الدعاية والتحريض: تساهم الشائعات وخطابات الكراهية ونظريات المؤامرة في تصوير جماعة كاملة على أنها عدو.

الإفلات من العقاب: يؤدي غياب المحاسبة إلى تشجيع تكرار الجرائم، ولا سيما عندما تُترك الاعتداءات على دور العبادة والممتلكات من دون تحقيق مستقل.

المصالح الاقتصادية: قد تستخدم الجماعات المتطرفة الابتزاز ومصادرة الممتلكات والاتجار غير المشروع بالآثار لتمويل أنشطتها وترسيخ سيطرتها.

استغلال المظالم الاجتماعية والسياسية: قد تستثمر التنظيمات في مشاعر الغضب والتهميش لتجنيد أفراد، ثم توجّههم نحو العنف ضد جماعات أخرى.

ولا يعني وجود هذه العوامل أن جميع المجتمعات التي تعاني منها ستشهد إرهاباً، أو أن الفقر أو التهميش يؤديان حتماً إلى التطرف. إنما تتفاعل هذه الظروف مع قرارات القيادات وشبكات التجنيد والأيديولوجيات والقدرات المسلحة.

 

عاشراً: الفكر المتطرف في العصر الرقمي

أضافت التكنولوجيا الحديثة أبعاداً جديدة إلى الدعاية الإرهابية. ففي الماضي، كان التحريض ينتشر من خلال المنشورات والخطب والشبكات التنظيمية المحدودة، أما اليوم فيمكن للتنظيمات استغلال المنصات الرقمية لنشر خطاب الكراهية، واستقطاب المؤيدين، وبث مشاهد العنف، وتضليل الجمهور.

كما أصبح من السهل إعادة تدوير صور الاعتداءات القديمة أو نشر أخبار غير موثقة لإثارة التوتر بين المجتمعات الدينية.

وتعني هذه التطورات أن مكافحة الإرهاب لم تعد مسألة أمنية فقط، بل تشمل أيضاً حماية المجال الإعلامي من التحريض، وتعزيز التحقق من المعلومات، وتوثيق الانتهاكات، ودعم خطاب يحمي حق الجميع في الاختلاف والمواطنة.

لكن يجب التمييز بين التعبير الديني المحافظ أو النقد السياسي المشروع، وبين التحريض المباشر على العنف أو الدعوة إلى حرمان جماعة من حقوقها الأساسية. فالمساواة في المواطنة وحرية التعبير وحماية دور العبادة عناصر ضرورية لمواجهة التطرف من دون المساس بالحقوق الأساسية.

 

الحادي عشر: حماية الوجود التاريخي لأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري

تُظهر تجربة أبناء شعبنا أن معالجة آثار الإرهاب لا تنتهي بانتهاء السيطرة العسكرية للتنظيمات المسلحة.

فعودة النازحين تتطلب الأمن والسكن وفرص العمل واستعادة الممتلكات، كما تتطلب حماية الكنائس والأديرة والمخطوطات واللغة والتراث. وتحتاج المجتمعات المتضررة أيضاً إلى توثيق مصير المفقودين، ودعم الناجين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق إجراءات قضائية عادلة.

وفي العراق، تظل حماية الوجود التاريخي لأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري مرتبطة بتطبيق مبدأ المواطنة المتساوية، وضمان الحقوق الدستورية، ومكافحة التمييز، وحماية مناطق سهل نينوى والموصل من عودة الجماعات المسلحة أو من الضغوط التي تدفع السكان إلى الهجرة.

وعلى المستوى الإقليمي، يتطلب الأمر تعاوناً بين الحكومات والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية لمنع التحريض على الكراهية، وتعزيز التعليم التاريخي والديني الذي يرفض نزع الإنسانية عن الآخرين، وملاحقة الشبكات التي تموّل الإرهاب أو تتاجر بالآثار والممتلكات المسروقة.

 

الخلاصة: من تسييس الاختلاف إلى استهداف الوجود

لم يتطور الفكر الإرهابي ضد أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ومسيحيي الشرق الأوسط عبر خط مستقيم أو نتيجة سبب واحد. فقد تداخلت عبر التاريخ الخلافات الدينية مع الصراعات السياسية والقومية، ثم ظهرت في العصر الحديث تنظيمات مسلحة تبنّت أيديولوجيات إقصائية واستخدمت التكفير والدعاية والعنف المنظم لفرض مشروعها.

وتوضح المذابح التي تعرض لها أبناء شعبنا في أواخر العهد العثماني، ثم الجرائم التي ارتكبها داعش ضدهم في العراق وسوريا، كيف يمكن أن يتحول الاشتباه الجماعي والتمييز والتحريض إلى تهجير وتدمير للمجتمعات.

ومع ذلك، فإن فهم التاريخ يتطلب عدم مساواة جميع العصور والأنظمة والحركات، وعدم تحميل دين كامل أو شعب كامل مسؤولية أفعال جماعات متطرفة أو سلطات بعينها.

إن مواجهة الإرهاب تبدأ برفض تحويل الهوية الدينية إلى تهمة، وتنتهي ببناء أنظمة تحمي الحقوق وتمنع الإفلات من العقاب، وتضمن لأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ولسائر مكونات الشرق الأوسط حقهم في الحياة والعبادة والمواطنة والبقاء في أرضهم.

 

فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف الديني، بل في الفكر الذي يحوّل هذا الاختلاف إلى مبرر لسلب الإنسان حقه في الوجود والأمان والكرامة.

 

 

 

المصادر والمراجع

  1. الأمم المتحدة – فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من داعش (UNITAD): نتائج التحقيق في الجرائم الدولية التي ارتكبها داعش بحق المسيحيين في العراق، ولا سيما في الموصل وسهل نينوى بين عامي 2014 و2017.
    الاطلاع على التقرير.

United Nations in Iraq

  1. اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF): تقرير تحديات الحرية الدينية في العراق بعد عشر سنوات على إبادة داعش، ويتناول الجرائم التي استهدفت الجماعات الدينية، ومنها أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري.
    قراءة التقرير الكامل – PDF.

 

USCIRF

  1. دراسة أكاديمية محكّمة: Crusader Hirelings or Loyal Subjects? Evolving Jihadist Perspectives on Christian Minorities in the Middle East، حول تطور مواقف الجماعات الجهادية من المسيحيين في الشرق الأوسط واختلاف سياساتها بين المراحل والتنظيمات.
    قراءة الدراسة.

 

Taylor & Francis Online

  1. David Gaunt وآخرون: Let Them Not Return: Sayfo – The Genocide against the Assyrian, Syriac, and Chaldean Christians in the Ottoman Empire، مرجع تاريخي عن مذابح سيفو التي استهدفت أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري خلال أواخر العهد العثماني.
    الاطلاع على الكتاب عبر JSTOR.

 

  1. دراسة أكاديمية: The Complexity of the Assyrian Genocide، تتناول السياقات التاريخية والسياسية المعقدة للإبادة التي تعرض لها الآشوريون في أواخر العهد العثماني.
    الاطلاع على الدراسة.
  2. دراسة أكاديمية: A Memory of Violence، مرجع إضافي لدراسة الذاكرة التاريخية للعنف والإبادة.
    الاطلاع على المرجع عبر JSTOR.

 

*ملاحظة تحريرية: هذه المراجع تدعم المحاور التاريخية والتحليلية الواردة في التقرير، لكنها لا تعني أن جميع مراحل الاضطهاد التاريخي كانت ناتجة عن سبب واحد؛ فقد تداخلت فيها عوامل دينية وسياسية وقومية وعسكرية، واختلفت من حقبة إلى أخرى.

 









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.5767 ثانية