
النقش الفسيفسائي الأثري المكتشف باللغة اليونانية القديمة في موقع "العراج" (El-Araj) الواقع على الشاطئ الشمالي لبحيرة الجليل؛ ويعود تاريخ هذا النص البيزنطي إلى أكثر من 1500 عام، حيث يتضمن طلباً صريحاً للشفاعة من القديس بطرس بوصفه "رئيس وقائد الرسل السماويين"، مما يمثل الدليل الأثري الأقوى الذي يدعم فرضية العثور على مدينة "بيت صيدا" الكتابية المفقودة وموقع بيت الرسولين بطرس وأندراوس. (مصدر الصورة: بعثة حفريات العراج الأثرية El-Araj Expedition / ويكيميديا كومنز).
عشتارتيفي كوم – تقرير خاص
نقش فسيفسائي يعود إلى العصر البيزنطي يذكر القديس بطرس، وكنيسة قديمة تتوافق مع رواية حج من القرن الثامن، يعززان فرضية العثور على موقع المدينة التي ارتبطت بثلاثة من تلاميذ المسيح
على الشاطئ الشمالي لبحيرة الجليل، في موقع أثري يُعرف باسم «العراج» (El-Araj)، عثر علماء الآثار على كنيسة بيزنطية وأرضية فسيفسائية تحمل نقشاً يونانياً يتضمن إشارة إلى القديس بطرس، أحد أبرز تلاميذ السيد المسيح. وقد أعاد هذا الاكتشاف إحياء النقاش حول الموقع الحقيقي لمدينة بيت صيدا الكتابية، التي ارتبط اسمها ببطرس وأخيه أندراوس والتلميذ فيلبس.
وبحسب مشروع التنقيب الأثري في العراج، فإن النقش الذي كُشف عنه خلال موسم الحفريات عام 2022، إلى جانب بقايا استيطان تعود إلى العصر الروماني ورواية حج مسيحية من القرن الثامن الميلادي، يعزز فرضية أن الموقع قد يكون بيت صيدا القديمة، وأن الكنيسة المكتشفة ربما أُقيمت في موضع ارتبط ببيت القديسين بطرس وأندراوس. ومع ذلك، لا يزال تحديد هوية المدينة بصورة نهائية موضوعاً للبحث الأثري.
نقش فسيفسائي يذكر القديس بطرس
في آب 2022، أعلن فريق التنقيب في موقع العراج اكتشاف نقش يوناني ضمن أرضية فسيفسائية لكنيسة بيزنطية، يعود تاريخها إلى أكثر من 1500 عام، وفقاً لما أورده مشروع التنقيب الأثري في العراج.
ويذكر النقش شخصاً يُدعى قسطنطين، وُصف بأنه «خادم المسيح»، ثم يتضمن طلباً للشفاعة من «رئيس وقائد الرسل السماويين»، وهي عبارة فسرها الباحثون بأنها تشير إلى القديس بطرس.
وتكمن أهمية هذا النص في أنه لا يقتصر على ذكر متبرع ساهم في الكنيسة، بل يقدم دليلاً أثرياً على ارتباط الموقع بتقليد مسيحي يكرّم القديس بطرس، الذي تحتل شخصيته مكانة بارزة في تاريخ الكنيسة.
وأوضح الباحثون المشاركون في المشروع أن النقش يعزز احتمال أن تكون الكنيسة مكرّسة للقديس بطرس، أو مرتبطة بذكرى بيته في بيت صيدا، استناداً إلى التقليد المسيحي البيزنطي الذي ربط المدينة بمسقط رأسه وبيت عائلته.
ماذا كشفت الحفريات تحت الكنيسة؟
لم تقتصر أهمية الموقع على الكنيسة والفسيفساء؛ إذ كشفت أعمال التنقيب عن بقايا قرية من العصر الروماني، شملت مباني ولقى أثرية وفخاريات وعملات تؤرخ لفترات تمتد من القرن الأول إلى القرون التالية للميلاد.
وتشير نتائج الحفريات إلى أن العراج كانت مستوطنة قائمة في الفترة التي شهدت أحداثاً مرتبطة بالعهد الجديد، ثم تطورت في العصور اللاحقة. ويربط الباحثون الموقع بمدينة بيت صيدا التي عُرفت أيضاً باسم «يولياس» في الحقبة الرومانية.
وتشير بيانات مشروع العراج الأثري إلى أن الكنيسة الكبيرة المكتشفة تعود إلى العصر البيزنطي، وأنها كانت محاطة بمنشآت رهبانية. ويرجح الباحثون أن هذه الكنيسة كانت جزءاً من موقع حج مسيحي استقطب الزوار الذين أرادوا إحياء ذكرى القديسين بطرس وأندراوس.
لكن وجود آثار تعود إلى القرن الأول الميلادي لا يعني، بمفرده، أن بيت القديس بطرس قد عُثر عليه بصورة مؤكدة؛ إذ يتطلب إثبات ذلك الربط بين الأدلة الأثرية والسياق التاريخي والروايات القديمة.
رواية حج تعود إلى القرن الثامن
من أبرز الأدلة التي يستند إليها الباحثون رواية الأسقف البافاري ويلبالد، الذي زار الأراضي المقدسة نحو عام 724–725 ميلادية، وسجل تفاصيل رحلته إلى الأماكن المرتبطة بحياة السيد المسيح وتلاميذه.
وبحسب الرواية التي يستشهد بها مشروع التنقيب، وصل ويلبالد إلى بيت صيدا، وأشار إلى أنها المدينة التي جاء منها بطرس وأندراوس، وأن كنيسة كانت قائمة في موضع بيتهما السابق.
ويكتسب هذا الوصف أهمية خاصة لأن علماء الآثار عثروا في العراج على كنيسة بيزنطية تتوافق، من حيث الإطار التاريخي والموقع، مع الرواية القديمة. ولهذا يطرح الفريق احتمال أن تكون أطلال الكنيسة المكتشفة هي الكنيسة التي زارها الحجاج المسيحيون في تلك الفترة.
وقد تناول متحف الكتاب المقدس نتائج الحفريات، مشيراً إلى أن الموقع يضم طبقات أثرية متعددة، بينها بقايا تعود إلى العصر الروماني وكنيسة من العصر البيزنطي ارتبطت في الروايات التاريخية ببيت القديسين بطرس وأندراوس.
لماذا ترتبط بيت صيدا ببطرس وأندراوس وفيلبس؟
ترد بيت صيدا في إنجيل يوحنا بوصفها مدينة مرتبطة بثلاثة من تلاميذ السيد المسيح. وجاء في يوحنا 1:44:
«وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ».
ويمنح هذا النص المدينة أهمية خاصة في الجغرافيا الكتابية، إذ يربطها بشخصيات محورية في بدايات الدعوة المسيحية. لذلك فإن تحديد موقعها لا يمثل مسألة جغرافية فحسب، بل يساعد أيضاً على فهم البيئة التي عاش فيها بعض التلاميذ الأوائل، والتقاليد التي حفظت ذكريات الأماكن المرتبطة بهم.
ومع مرور القرون، تعددت المواقع المقترحة لتحديد بيت صيدا القديمة، وظل موقع العراج أحد أبرز المرشحين، ولا سيما بعد العثور فيه على آثار رومانية وكنيسة بيزنطية والنقش الذي يذكر القديس بطرس.
هل حُسمت هوية بيت صيدا المفقودة؟
يرى فريق التنقيب أن اجتماع الأدلة الأثرية مع رواية ويلبالد والنقش الفسيفسائي يقدم دعماً مهماً لفرضية أن العراج هي بيت صيدا الكتابية، وأن الكنيسة المكتشفة قد تكون الكنيسة التي بُنيت في موضع ارتبط ببيت بطرس وأندراوس.
لكن من المهم التمييز بين ما عُثر عليه فعلياً، مثل النقش وبقايا المباني واللقى الأثرية، وبين الاستنتاج التاريخي الذي يربط هذه المكتشفات ببيت أحد رسل المسيح. فالنقش يذكر القديس بطرس، لكنه لا يحدد بمفرده موقع منزله، كما أن الرواية القديمة تحتاج إلى مقارنتها ببقية الأدلة الأثرية والتاريخية.
وبذلك، لا يمكن القول إن سر بيت صيدا قد حُسم نهائياً، لكن اكتشاف العراج يقدم واحدة من أهم مجموعات الأدلة التي تعزز احتمال تحديد موقع المدينة القديمة، وتسلط الضوء على تقاليد الحج المسيحي التي حافظت على ذاكرة الأماكن المرتبطة بحياة الرسل الأوائل.
المصادر داخل التقرير: مشروع التنقيب الأثري في العراج، ومتحف الكتاب المقدس، إلى جانب إنجيل يوحنا ورواية حج الأسقف ويلبالد من القرن الثامن الميلادي.