من النصب إلى المناهج.. سيفو تدخل كتب التاريخ الهولندية      اللغة السريانية حاضرة في مدارس القامشلي وسط مطالب بتوسيع الاعتراف الرسمي بها في سوريا      المطران جورج أسادوريان: “لا يزال هناك الكثير من المعاناة والاضطهاد بحق المجتمع المسيحي في سوريا”      شبيبة بغداد الكاثوليكيّة... حبّة خردل تحرس الخليقة وتمجّد الخالق      مقتل قس و27 مسيحيًا خلال أسبوع من الهجمات في ولاية بلاتو بنيجيريا      بيان صادر عن المنظمة الآثورية الديمقراطية حول أحداث السقيلبية      أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط: خطاب الكراهية يبدأ فكرة وقد ينتهي عنفًا      قداسة البطريرك مار كيوركيس الثالث يونان يحتفل بالقداس الإلهي في لوس أنجلوس كاليفورنيا      ألواح سريانية في كنيسة مار كوركيس بعنكاوا تفتح نافذة على أكثر من ألف عام من التاريخ المسيحي      المتحف الوطني العراقي يستعد لفتح أبوابه مجدداً بحلة رقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي      14.14% أم 12.67%؟ حصة كوردستان تشعل مفاوضات موازنة العراق.. وتعهد بإرسال الرواتب الخميس      بعد توقف لأكثر من نصف قرن.. العراق يعيد تشغيل خطه البحري في الخليج      المعارضة الأسترالية تتعهد بأكبر خفض للهجرة في تاريخ البلاد.. تقليص 650 ألف تأشيرة مؤقتة      الطب في بلاد الرافدين (1).. عندما بدأ العراقي القديم بتشخيص المرض قبل آلاف السنين      أزمة مالية تهدد النقل التلفزيوني لدوري نجوم العراق.. اتفاق إسعافي يضمن استمرار البث      استنزاف المياه الجوفية يغرق المدن ببطء.. تجربة يابانية تكشف إمكانية عكس هبوط الأرض      مبابي يسخر من رواية خلافه مع ريال مدريد وزيدان      اكتشاف رابط بين اللحوم الحمراء والسكري.. السر في جزيء صغير      قداسة البطريرك مار افرام الثاني يسلّم نيافة المطران مار غريغوريوس كبرئيل كتاب السوسطاطيقون      وزير الخارجية العراقي: حماية إقليم كوردستان مسؤولية بغداد وخطة لحصر السلاح بحلول 2027
| مشاهدات : 606 | مشاركات: 0 | 2026-09-21 08:33:32 |

سوق المشاعر الهشة: الإنسان الحديث وتاريخ صلاحية العلاقات

حيدر حسين سويري

 

   تجلس النظريات النفسية والاجتماعية على رفوف المكتبات لتقنعنا بأن الإنسان كائنٌ يسعى بطبعه للحب، والانتماء، والأمان الروحي. لكن يكفي أن تنزل إلى الشارع، وتبتعد قليلاً عن عاطفتك، لتراقب البشر بعينٍ مجردة وباردة؛ حينها ستدرك أن الجوهر الحقيقي للغالبية قد انحرف نحو نموذجٍ آخر: نحن كائنات "استهلاكية" تبحث في المقام الأول عن سد النقص وتغطية الثقوب الداخلية.

 

من "الغاية" إلى "الوسيلة": اتساع رقعة التسليع العاطفي

   لم يعد التبادل البشري في عصرنا الحاضر قائماً على فكرة التكامل الاجتماعي أو التعاطف المبدئي الذي نصت عليه الأدبيات الكلاسيكية، بل تحول القرب والابتعاد إلى حركات ميكانيكية تُدار بمبدأ العرض والطلب. لقد أثرت ثقافة الرأسمالية والسرعة الفائقة على أعمق دواخل النفس البشرية، حتى غدا الآخر في عين الفرد ليس ذاتاً مستقلة لها قدسيتها، بل "أداة" تُقاس جودتها بمدى نفعها ووظيفتها.

   لقد تحولت العلاقات في عصرنا إلى ما يشبه الأسواق السوداء؛ يُباع فيها ويُشترى بكل شيء: بالمواقف، وبالاهتمام، وحتى بالوعود البرّاقة. تفرض عليك فلسفة البقاء في هذا الزمن أن تتقبل حقيقة قاسية ومجردة: لن يتقرب منك أحدٌ إلا إذا كان هناك فراغٌ خاص داخل روحه يريد سدّه من خلالك. وما إن تنتهي الحاجة أو يمتلئ ذلك الفراغ، حتى ينسحب ببرود، وكأنك لم تكن يوماً مركز كونه أو سر أمانه.

 

زمن "السيولة البشرية" وتاريخ الصلاحية:

   في هذا الفضاء الإنساني المضطرب، لم تعد الروابط تنمو كالأشجار لتتحدى العواصف، بل أصبحت تتشكل كالماء في القوالب المؤقتة، تتغير بتغير المصلحة وتتلاشى بزوال السبب. فالإنسان الحديث لم يعد يبحث عن سكنٍ لروحه بقدر ما يبحث عن "مستودع" يسد فيه جوعه العاطفي والوجودي، ليتحول الآخر في عينه من "غاية" تُحترم لذاتها إلى مجرد "وسيلة" تُستهلك وتُستبدل.

   إننا نعيش في عصر "السيولة البشرية"، حيث أصبحت المشاعر مجرد عملة رخيصة في سوق المقايضات اليومية، تُنفق بحذر وتُسحب بانتظام فور جفاف المصلحة وتلاشي الاحتياج. وتتجسد هذه الظاهرة في التبدل السريع للأصدقاء، والشركاء، وحتى المعارف العابرين، حيث يمتلك كل رصيد عاطفي "تاريخ صلاحية" مدوناً بخط خفي منذ اللحظة الأولى للقاء. فالوعود البريقة التي تُقطع في لحظات الاحتياج الشديد تبدأ بالتحلل التدريجي بمجرد الاستغناء، ليتكشف المنظر عن واقع نفعي بحت لا مكان فيه للمثاليات المنمقة.

 

شجاعة العطاء فوق أرض صلبة:

   هذا الوعي قد يبدو للوهلة الأولى مرعباً؛ أن تعطي وتتفاعل وأنت تدرك سلفاً أن لكل علاقة "تاريخ صلاحية" محدد. غير أن هذا الوعي ليس سوداوية ولا تشاؤماً في الرؤية، بل هو الحقيقة العارية بعد أن انقشع عنها وهم المثالية الفلسفية. إن إدراك قواعد اللعبة لا يعني الانسحاب منها ولا يعني التحول إلى كائن جاف ومتبلد، بل يعني إعادة تعريف آليات الحماية الذاتية ومنح العطاء حجمه الطبيعي دون الانهيار عند نقطة النهاية المتوقعة.

   إن معرفتك المسبقة بتاريخ صلاحية الوعود وخلفياتها النفعية ليست خذلاناً يسقطك في الفجيعة، بل هي ذروة النضج والاستنارة. فالأقوياء وحدهم هم من يملكون شجاعة العطاء والتعامل في سوقٍ يعلمون سلفاً أن كل بضائعها العاطفية معروضة للبيع، وأن المشهد الأخير في مسرحية العلاقات قد كُتبت خطوطه الأولى منذ اللحظة التي دُقّت فيها طبول الحاجة.

بقي شيء...

   ينقلنا هذا الفهم من خانة "الضحية المنكسرة" إلى خانة "المراقب الواعي". فعندما نتقبل حقيقة أن الاستهلاك أصبح جزءاً من نسيج العلاقات الحديثة، نتحرر من صدمة الفقد، ونستطيع تقديم الحب والدعم بذواتنا ولأجل قيمة العطاء ذاتها، لا انتصاراً لرهان الأبدية الزائف، بل استمتاعاً باللحظة الحاضرة مع إبقاء أقدامنا ثابتة على أرض الواقع الصلبة.









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6800 ثانية