العراق العباسي في قلب دراسة أكاديمية.. باحثة تبحث دور المثقفين السريان في نقل العلوم والفلسفة إلى العربية      توتر جديد في السقيلبية.. نقل موقوفين إلى قلعة المضيق يثير مخاوف المسيحيين في سوريا      من النصب إلى المناهج.. سيفو تدخل كتب التاريخ الهولندية      اللغة السريانية حاضرة في مدارس القامشلي وسط مطالب بتوسيع الاعتراف الرسمي بها في سوريا      المطران جورج أسادوريان: “لا يزال هناك الكثير من المعاناة والاضطهاد بحق المجتمع المسيحي في سوريا”      شبيبة بغداد الكاثوليكيّة... حبّة خردل تحرس الخليقة وتمجّد الخالق      مقتل قس و27 مسيحيًا خلال أسبوع من الهجمات في ولاية بلاتو بنيجيريا      بيان صادر عن المنظمة الآثورية الديمقراطية حول أحداث السقيلبية      أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط: خطاب الكراهية يبدأ فكرة وقد ينتهي عنفًا      قداسة البطريرك مار كيوركيس الثالث يونان يحتفل بالقداس الإلهي في لوس أنجلوس كاليفورنيا      دهوك يستضيف الزوراء في مواجهة مرتقبة بدوري نجوم العراق      موازنة العراق 2027 تفتح باب الخلاف مجدداً بين بغداد وأربيل.. خلاف على الحصة والنفط والرواتب      كندا تتجه إلى تركيا في زيارة تاريخية لتعزيز التجارة والطاقة والدفاع      موسيقي آشوري يستعد لحفله الثالث في دار أوبرا سيدني.. «Four Corners of the World» يحتفي بالتنوع الثقافي      العراق يقر خفض سعر صرف الدينار إلى 1520 مقابل الدولار      دراسة علمية: السكريات في أول 1000 يوم من حياة الطفل تهدد صحته العقلية      الغش بالذكاء الاصطناعي.. كلمة مخفية تكشف 60 طالبا      آخر رقصة لميسي.. هدف ودموع ورسالة مؤثرة هزت الأرجنتين      رونالدو يكسر صمته.. ويكشف كواليس ليلة الغضب      بعد 40 عاماً من لقاء أسيزي التاريخي.. البابا لاون الرابع عشر يجدد دعوة الأديان إلى السلام
| مشاهدات : 629 | مشاركات: 0 | 2026-09-09 12:50:13 |

محرقة الاحلام قصة واقعية

بولص الاشوري

 

لم تكن شميران تعرف، وهي طفلة تركض بين بيوت قريتنا في تل مساس، أن الحياة ستأخذها ذات يوم إلى أماكن بعيدة، وأن الحدود التي ستعبرها ستكون كثيرة، لكن أصعب الحدود التي ستواجهها لن تكون بين البلدان، بل داخل بيتها.

كانت قريتنا تقع في الجزيرة السورية، وكانت تُعرف باسم تل مساس، وهي قرية يسكنها أبناء قبيلتي البرور والنودس. كان بيتنا يُسمى «القُبّة»، لأنه كان مبنياً على شكل مخروط، من طابوق الطين والحصير. كان بيتاً بسيطاً، لكنه كان جميلاً ودافئاً، قائماً فوق التل المطل على نهر الخابور.

كان الخابور جزءاً من طفولتنا. فيه تعلمنا السباحة، وعلى ضفافه كنا نجد الفاكهة والثمار الطيبة. كانت أيامنا بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحياة.

ومع اقتراب عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة، كانت نساء القرية يستعددن لاستقبال العيد والضيوف. وكانت أمي تذهب معهن إلى الجبال لجلب الجص الأبيض لتبييض البيوت. يأخذن معهن الحمار الذي كان يتحمل بصبر أثقالهن وأحاديثهن وثرثرتهن طوال الطريق.

كانت تلك الرحلات جزءاً من حياة القرية، كما كانت المدرسة جزءاً من أحلامنا.

دخلنا المدرسة الاثورية الابتدائية للبنين والبنات في القرية، وكانت شميران من أنشط التلاميذ. كانت أكثر نشاطاً من شقيقها، وكانت محبة للتعلم، سريعة الحركة، حاضرة الذهن، وفي عينيها شيء من الطموح لا يستطيع الطفل أن يخفيه.

لكن خلف هذه الطفولة كانت ذاكرة ثقيلة يحملها الكبار.

كان والدي يحدثنا عن مذبحة سميل وما جرى للآشوريين في العراق، وعن السنوات العصيبة التي سبقت تهجير عائلات كثيرة إلى الجزيرة السورية. كان الآشوريون قد قدموا تضحيات كبيرة خلال الحرب العالمية الأولى، وكانوا يأملون بالحصول على منطقة آمنة يتمتعون فيها بشيء من الحكم الذاتي، لكن مطالبهم لم تلقَ الاستجابة التي كانوا يأملونها، وانتهت الأحداث بمأساة سالت فيها دماء الرجال والنساء والأطفال.

كان والدي يقول إن تلك المأساة لم تقتل الناس فقط، بل اقتلعتهم من أرضهم ودفعتهم إلى المجهول.

وهكذا وصلت عائلتنا، مع كثير من العائلات الآشورية، إلى الجزيرة السورية.

كانت الجزيرة في ذلك الوقت أرضاً قاسية، أقرب إلى الصحراء منها إلى الأرض الزراعية. لكن المهجرين لم يستسلموا. عملوا في الأرض، وحفروا القنوات، وزرعوا الحبوب، وبنوا البيوت، وحولوا الأرض القاحلة شيئاً فشيئاً إلى أرض خضراء.

كانوا يبنون حياة جديدة فوق أنقاض حياة قديمة.

وكان والدي يعمل مهندساً، وكان يؤمن بأن الجسور لا تُبنى فوق الأنهار فقط، بل يمكن أن تُبنى أيضاً بين البشر والبلدان. وفي خمسينيات القرن الماضي، كانت الحدود بين سوريا والعراق تُعبر بوسائل شاقة وسرية، بمساعدة المهربين.

استغرقت رحلة العودة إلى العراق نحو ثلاثة أسابيع.

وفي عام 1955 جاءت زوجة عمي هارون،  وارنصو، وكانت امرأة شجاعة، بسيارتها لنقل العائلات. كانت تنقلهم وكأنها تنقل سفرة عائلية عادية، بينما كانت في الحقيقة تساعدهم على العودة سراً إلى العراق.

عادت عائلتنا إلى العراق واستقرت في كركوك.

وهناك بدأت مرحلة جديدة في حياة شميران.

دخلت المدرسة  الاثورية  الأهلية، وأكملت دراستها الابتدائية. لكنها لم تتوقف عند حدود المدرسة. واصلت تعليمها بالمراسلة مع المعهد البريطاني، حتى حصلت على شهادة في التمريض بدرجة جيدة جداً.

كانت تلك الشهادة أكثر من ورقة بالنسبة إلى شميران. كانت مفتاحاً لباب جديد.

عملت في مستشفى K1 التابع لشركة النفط العراقية، وهناك عرفت معنى أن يكون الإنسان مهنياً وإنسانياً في الوقت نفسه. كان المرضى يذكرونها بالخير، ويتحدثون عن اهتمامها بهم وعنايتها بهم.

كانت شميران ممرضة تحب مهنتها.

كانت تؤمن بأن المريض لا يحتاج إلى الدواء وحده، بل يحتاج أيضاً إلى كلمة طيبة ووجه يطمئنه ويداً تساعده.

ثم جاء الزواج.

سافر زوجها إلى الكويت للعمل في شركة نفط الكويت بمجال الأجهزة الدقيقة وكان ناجحاً في عمله. أما شميران، فلم يُسمح لها بالاستمرار في ممارسة مهنتها.

كانت الحجة أن زوجها قادر على إعالتها وإعالة طفليها بصورة جيدة.

وهكذا، تركت المرأة التي تعلمت ومارست مهنة إنسانية عملها.

لم يكن أحد يومها يسألها ماذا تريد.

مرت السنوات.

وسافرت العائلة إلى لندن لزيارة ولديها اللذين كانا يدرسان هناك. لكن الأحداث السياسية قلبت حياتهم مرة أخرى.

احتل الجيش العراقي الكويت، ثم جاءت حرب التحرير والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج بوش الأب، وتغيرت أوضاع العائلة بصورة كاملة.

لم يعد بإمكانهم العودة إلى الكويت.

اضطروا إلى طلب اللجوء في الولايات المتحدة، وبمساعدة شقيق شميران الصغير قُبل طلبهم وسافروا إلى أمريكا.

في البداية أقاموا في بيت شقيقها، في الطابق السفلي.

كان يمكن أن تكون أمريكا بداية جديدة لشميران.

بلد يتحدث عن الحرية، وقوانين تحمي المرأة، ومجتمع يفتح أبوابه أمام الإنسان ليعمل ويثبت نفسه.

لكن الماضي كان قد سبقهم إلى هناك.

بعد أن حصل الزوج والأبناء على أعمالهم، انتقلت الأسرة إلى بيت جديد. وكانت شميران تتطلع، ربما في داخلها، إلى أن تستعيد شيئاً من حياتها القديمة، وأن تعود إلى مهنة التمريض التي أحبتها.

لكنها مُنعت مرة أخرى من العمل.

لم يكن المنع بسبب القانون، ولا بسبب عدم قدرتها، ولا بسبب نقص شهادتها أو خبرتها.

كان بسبب أفكار قديمة حملها زوجها معه، أفكار لم تستطع المسافة بين العراق وأمريكا أن تغيرها.

وهنا بدأت مأساة شميران الحقيقية.

لقد استطاعت أن تعبر الحدود، لكنها لم تستطع عبور الجدار الذي بُني داخل بيتها.

كانت تربيتها الاثورية  قد علمتها الصبر وتحمل المسؤولية واحترام الأسرة. ولذلك لم تتمرد على واقعها بسهولة، ولم تكن تريد أن تهدم بيتها أو تواجه زوجها بالصدام.

صمتت.

وتحملت.

ومع مرور السنوات، أصبحت حياتها أكثر ضيقاً.

حتى عندما اشتد عليها المرض، لم تجد من يساندها كما كانت تستحق.

كان ابنها الصغير  الاستثناء الأكبر في حياتها. وقف إلى جانبها، وخدمها في مرضها، وضحى بجزء كبير من حياته من أجلها، حتى إنه تخلى عن الزواج في تلك الفترة ليبقى قريباً من والدته.

أما شميران، فكانت تزداد ضعفاً يوماً بعد يوم.

وصلت القيود إلى الهاتف أيضاً.

لم يكن يُسمح لها أحياناً بالرد على المتصلين، بحجة أن الاتصال قد يكون لأغراض إعلانية، أو أن المتصل يجب أن يعرف أولاً مع من يتحدث. حتى الهاتف، الذي اخترعه الإنسان ليقرب المسافات، أصبح وسيلة أخرى لعزلها.

وكان للأخوين هاتفان خاصان بالعمل.

أما شميران، فكانت تعيش في عالم يضيق حولها يوماً بعد يوم.

ثم جاء المرض الأخير.

أصيبت بمرض في الدم، وأصبحت بحاجة إلى العلاج مرتين في الأسبوع. كانت تذهب للعلاج، ثم تعود إلى البيت، وتكرر الرحلة مرة بعد أخرى.

كانت تقاوم.

وكأنها طوال حياتها كانت تتدرب على المقاومة.

قاومت التهجير.

قاومت الغربة.

قاومت الحرمان من مهنتها.

قاومت سنوات الصمت.

والآن كانت تقاوم المرض.

لكن المرض كان أقوى.

وفي إحدى الليالي، رن هاتف شقيقها في كندا.

كان الاتصال من ابن شميران.

قال له إن شقيقته قد توفيت، بعد معاناة قاسية وطويلة مع المرض.

وهكذا انتهت حياة شميران.

امرأة ولدت في قرية صغيرة فوق تل يطل على الخابور، وتعلمت في مدرسة آشورية، وحملت شهادة التمريض، وخدمت المرضى في كركوك، وعاشت في الكويت، ثم وصلت إلى أمريكا.

قطعت آلاف الأميال.

عبرت حدوداً كثيرة.

لكنها لم تستطع أن تتحرر من حدود الفكر الذي قيد حياتها.

إن قصة شميران ليست قصة امرأة واحدة.

إنها قصة جيل حمل معه جراح الحروب والتهجير، ثم حمل معه أيضاً بعض الأفكار التي كان يجب أن يموت بعضها في الماضي، لا أن تنتقل إلى المستقبل.

المأساة ليست في أن يعيش الإنسان في بلد فقير أو غني، ولا في أن ينتقل من الشرق إلى الغرب.

المأساة الحقيقية أن ينتقل الإنسان بجسده إلى بلد جديد، بينما تبقى أفكاره القديمة سجناً له ولمن حوله.

شميران كانت تستطيع أن تكون ممرضة ناجحة حتى آخر عمرها.

كانت تستطيع أن تخدم الناس، وتعيش باستقلال وكرامة، وأن تكون مثالاً للمرأة الآشورية التي شقت طريقها بالعلم والعمل.

لكنها حُرمت من ذلك.

والأكثر إيلاماً أن هذا الفكر لم يؤذِ شميران وحدها؛ فقد امتد أثره إلى آخرين من الأسرة، وألحق الأذى بزوجاتهم وأبنائهم، وانتهى الأمر بمآسٍ كان يمكن تجنبها لو انتصرت الرحمة والعقل على السيطرة والتخلف.

لقد رحلت شميران، لكن سؤالها بقي:

ما فائدة أن نعبر الحدود بين البلدان، إذا بقيت الحدود داخل عقولنا؟

وربما كانت حياتها كلها تقول لنا إن تحرير الإنسان لا يبدأ من تغيير المكان، بل من تغيير الفكر.

رحم الله شميران.

ورحم كل امرأة عاشت حياتها وهي تعطي الآخرين حقهم في الحياة، بينما حُرمت هي من حقها في أن تعيش كما تريد…..؟









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6715 ثانية