البطريرك مار بولس الثالث نونا…لا يزال كثيرون يتذكرون بوضوح تصاعد اضطهاد تنظيم داعش الإرهابي، حين كانت الموصل من أكثر المدن تضررًا      قداسة البطريرك مار افرام الثاني يشارك في حفل الاستقبال بمناسبة مرور ١٧٠ عام على تأسيس منظمة Oeuvre d’Orient - باريس      محافظ نينوى يلتقي عميد ومدير معهد دراسة الحضارات القديمة في جامعة شيكاغو الأمريكية ورئيس غرفة التجارة الآشورية الأمريكية في الولايات المتحدة      المعاون البطريركي يجتمع بكهنة بغداد للتحضير لتنصيب البطريرك نونا      خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الامريكية.. محافظ نينوى يحل ضيفاً على مؤسسة الجالية الكلدانية في ميشيغان      غبطة البطريرك نونا يفتتح أول بودكاست كلداني في استراليا      أسوة بالمرسوم 13 الخاص بالكورد.. سريان قامشلو يطالبون باعتراف رسمي بلغتهم الأم      العثور على ورشة عمل لألواح مسمارية في نينوى القديمة      بتوجيهات مباشرة من معالي رئيس الديوان.. متابعات ميدانية لإعمار كنيسة "مسكنتة" للكلدان      غطاء رأس بطاركة كنيسة المشرق وأساقفتها… مسيرةُ تَطوُّر جَمعت التقليد والرمزيّة      دراسة حديثة.. عدد السكان تجاوز قدرة الأرض على استيعابهم      مراجعة علمية تشكك.. الابتعاد عن وسائل التواصل لا يحسن النفسية      اختُتام دوري الرجاء لكرة القدم للمرحلة الإعدادية للتعليم المسيحي ومدارس الإيبارشية الكلدانية      البابا يستقبل أعضاء مؤسسة Edith Wagner Haberland      إيران تلوح بسحب منتخبها من مونديال 2026 بسبب مخاوف أمنية      نابولي… مدينة الألف كنيسة والإيمان الشعبيّ العريق      مسرور بارزاني يرسم ملامح مرحلة جديدة: أربيل وأنقرة من الدبلوماسية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة      العراق.. الصدر يدعو لتحويل الفصائل المسلحة إلى "جند الشعائر"      مع اشتباكات في الخليج.. لا مؤشر على نهاية وشيكة لحرب إيران      منظمة الصحة العالمية: 6 إصابات مؤكدة حتى الآن بفيروس "هانتا"
| مشاهدات : 318 | مشاركات: 0 | 2026-05-10 06:35:14 |

«الجحيم هو الآخرون»

نشوان عزيز عمانوئيل
 
 
 
 
 
الجحيم هو الآخرون... جملة قصيرة قالها الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر في مسرحية "الأبواب المغلقة" والتي تبدو كشقٍّ عميق في جدار الوعي، تدخل منه أسئلة لا تنتهي. ليست صرخة كراهية للناس بقدر ما هي اعتراف مرير بطبيعة العلاقة بيننا وبين أعين الآخرين. حين قالها الفيلسوف الفذ جان بول سارتر، لم يكن يقصد أن البشر جحيمٌ بطبيعتهم، بل أن نظراتهم—تلك المرايا القاسية—قد تتحول إلى سجنٍ لا نرى أنفسنا خارجه.
 
نحن لا نعيش وحدنا، حتى حين نكون وحدنا. هناك دائمًا “آخر” يسكننا: صورةٌ متخيّلة عن كيف يرانا الآخرون، كيف يحكمون علينا، كيف يقيسوننا بمعاييرهم. هذا “الآخر” يلاحقنا في قراراتنا الصغيرة والكبيرة، في ارتباكنا ونحن نتحدث، في صمتنا حين نخشى أن نُساء فهماً، في تلك اللحظة التي نعيد فيها صياغة جملة قلناها منذ ساعات لأننا نخاف أنها لم تكن كافية، أو كانت أكثر مما ينبغي. هنا يبدأ الجحيم: حين نفقد سيادتنا على ذواتنا، ونصبح رهائن لنظرة لا نملكها.
 
الإنسان، في عمقه، كائنٌ يتوق إلى أن يُرى… لكن لا يُختزل. أن يُفهم… لكن لا يُحاكم. غير أن التناقض المؤلم هو أن كل نظرة من الآخر تحمل في طياتها احتمال الاختزال. حين ينظر إليك شخص ما، فإنه لا يرى كل تاريخك، ولا كل احتمالاتك، بل يراك في لحظة، في إطار، في حكمٍ سريع قد يلتصق بك طويلاً. وهنا، تبدأ الهوة بين “من أنا” و”كيف يرونني”. هذه الهوة هي مسرح القلق الوجودي.
 
نرتدي الأقنعة لأننا نعرف أن العالم لا يرحم الوجوه العارية. نبتسم حين يجب، نصمت حين ينبغي، نوافق حين لا نقتنع. نفعل ذلك ليس دائمًا خوفًا من العقاب، بل خوفًا من الانكشاف. فالآخرون لا يؤذوننا دائمًا بأفعالهم، بل أحيانًا بمجرد وجودهم، بكونهم شهودًا على هشاشتنا. أن تكون مرئيًا يعني أنك قابل لأن تُفسَّر، وأن تُفسَّر يعني أنك قد تُساء قراءتك، وأن تُساء قراءتك يعني أنك تفقد شيئًا من حقيقتك.
 
لكن، هل الجحيم حقًا هو الآخرون؟ أم أن الجحيم هو تلك اللحظة التي نسمح فيها لنظرتهم أن تصبح قانونًا داخليًا؟ ربما المشكلة ليست في “الآخر” ذاته، بل في تلك السلطة التي نمنحها له دون وعي. نحن من نُدخل القاضي إلى داخلنا، نحن من نُحوّل النظرة إلى حكم، والحكم إلى هوية.
 
ومع ذلك، لا يمكن الهروب من الآخرين. العزلة ليست خلاصًا دائمًا، بل قد تتحول إلى شكل آخر من الجحيم: جحيم الصمت، وجحيم الفراغ، وجحيم عدم الانعكاس. فالإنسان يحتاج إلى الآخر ليعرف نفسه، كما تحتاج المرآة إلى وجه. لكن الفرق يكمن في أن نستخدم المرآة دون أن نذوب فيها، أن نرى انعكاسنا دون أن نصدّقه بالكامل.
 
ربما تكمن الحرية في أن نتعلم العيش بين نظرات الآخرين دون أن نصبح أسرى لها. أن نقبل أننا سنُساء فهماً أحيانًا، وسنُختزل، وسنُحاكم، لكن ذلك لا يختصرنا. أن نمتلك شجاعة أن نكون، حتى حين لا يُعجب ذلك أحدًا. أن نُدرك أن الآخر ليس جحيمًا دائمًا، بل قد يكون نافذة… إذا لم نحوله نحن إلى قيد.
 
في النهاية، الجحيم ليس في وجود الآخرين، بل في فقداننا القدرة على أن نكون أنفسنا في حضورهم. حين نعيش فقط لنُرى كما يريدون، لا كما نحن، نصبح غرباء عن ذواتنا. وهناك، في تلك الغربة الداخلية، يبدأ الجحيم الحقيقي… لا في عيونهم، بل في عجزنا عن النظر إلى أنفسنا دون خوف.
ولعلّ أقسى ما في هذا الجحيم، أنه صامت. لا صراخ فيه، ولا نيران تُرى، بل احتراق بطيء تحت جلد الوعي. إنّه ذلك التآكل الخفيّ الذي يصيب الإنسان حين يبدأ بتعديل نفسه ليتناسب مع توقّعات الآخرين، حتى يفقد تدريجيًا ملامحه الأصلية. لا يحدث هذا فجأة، بل على شكل تنازلات صغيرة: كلمة تُحذف، فكرة تُؤجَّل، موقف يُخفَّف، حتى يصبح الإنسان نسخة مُهذّبة من ذاته… نسخة لا تُزعج أحدًا، لكنها أيضًا لا تعبّر عنه.
 
هنا، يتحول الوجود إلى عرضٍ دائم. كأننا على خشبة مسرح لا تُطفأ أضواؤه، والجمهور لا يغادر أبدًا. نراقب أنفسنا ونحن نعيش، نصحّح حركاتنا، نُراقب نبرة أصواتنا، ونزن مشاعرنا قبل أن نُظهرها. وفي لحظة ما، تختلط الأدوار: لا نعود نعرف إن كنا نعيش حقًا، أم نمثّل الحياة كما يليق بها أن تُرى.
 
هذا ما لمّح إليه Jean-Paul Sartre حين جعل من “النظرة” مركزًا للتجربة الإنسانية. فبمجرد أن يشعر الإنسان بأنه موضوعٌ لوعيٍ آخر، يتحول من ذاتٍ حرة إلى شيءٍ منظور، مُعرَّف من الخارج. هذه اللحظة—لحظة الوعي بأننا مرئيون—تسلبنا جزءًا من حريتنا، لأننا ندخل في شبكة من التوقّعات والأحكام التي لم نخترها.
 
ومع ذلك، لا يمكن اختزال العلاقة مع الآخر في هذا البعد القاتم فقط. فكما أن الآخر قد يكون مصدر قيد، يمكن أن يكون أيضًا مصدر كشف. أحيانًا، لا نرى أنفسنا بوضوح إلا من خلال انعكاسنا في عيون من يفهموننا حقًا، لا من يحاكموننا. هناك فرق شاسع بين نظرة تُشيّئك، ونظرة تُنصت إليك. بين عينٍ تُغلقك في تعريف، وعينٍ تفتحك على احتمالاتك.
 
إذن، المسألة ليست في وجود الآخر، بل في نوع العلاقة التي نقيمها معه… وفي نوع العلاقة التي نقيمها مع أنفسنا في حضوره. إنّ التحرر الحقيقي لا يعني أن نعيش دون الآخرين، بل أن نعيش بينهم دون أن نفقد مركزنا الداخلي. أن نسمح لأنفسنا بأن نُرى، دون أن نتحول إلى ما يُرضي الرؤية فقط.
 
ربما النضج الإنساني يبدأ من هذه النقطة: أن نُدرك أن سوء الفهم جزء من التجربة، وأن قبول الآخر لنا ليس شرطًا لوجودنا. أن نتحمّل قلق الحرية بدل أن نهرب منه إلى رضا الآخرين. فالثمن الذي ندفعه لنكون مقبولين دائمًا، هو أن نصبح غير حقيقيين.
 
وفي لحظة صفاء نادرة، قد نصل إلى مصالحة دقيقة: أن نكون مع الآخرين، لا ضدهم ولا ذائبين فيهم. أن نرى فيهم مرايا متعددة، لا محاكم نهائية. أن نستمع، دون أن نتنازل عن صوتنا. أن نُحب، دون أن نفقد أنفسنا.
 
عندها فقط، يتغير معنى الجحيم. لا يعود الآخرون نارًا نُلقى فيها، بل يصبحون اختبارًا دائمًا لقدرتنا على أن نكون… رغم كل شيء. وربما، في هذا “رغم”، تكمن الحرية التي كان يبحث عنها سارتر: حرية أن نختار ذواتنا، حتى ونحن محاطون بعيون لا تنام.









h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.7418 ثانية