

إننا نعيش اليوم في أوضاع مادية اقتصادية صعبة من جرّاء الظروف التي تمرّ علينا ونمرّ بها، وبذلك أصبح الخبز اليومي شاغلاً يهيمن على أفكار الكثيرين واهتماماتهم وبقلق كبير.
فهناك الكثير من الأُسر تمرّ في الأزمة ولا تعرف كيف تخرج منها، لذلك نرى كثيرين ينحرفون إلى أمور أخرى وإلى انتهاج سبل أخرى وهي سبل الإنحراف والغش والنفاق والكذب. كما أن هناك الكثير مِمّن تركوا الأوطان بسبب ظروف الحياة والعيش ولقمتها.
ونحن كل يوم في صلاتنا والتي علّمها الرب يسوع لتلاميذه ولنا إذ قال:"إذا صلّيتم قولوا..... أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، لذلك نعرف أن قيمة الخبز كبيرة، فهل ينبغي الاهتمام به أم لا؟ إذ أن ما نراه وما نسمعه هو: ما قيمة الخبز"؟.
إننا أمناء للإنجيل، ويقتضي منّا كلّنا أن نقبل كل هذه المفارقات والمخالفات "ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله" (متى4:4)، والخلاص الذي بدونه يُضْحي سرّ المسيح بنياناً باطلاً وقوتاً لا يغذّي.
فقد وجد الخبز مراحل عديدة في حياة المسيح ومنها تكثير الخبز، وقد اشتدّ حماس الجماهير لما رأوا هذه الأعجوبة الباهرة، وظنّ الكثير من الناس أنه هو المرسَل من عند الله ليمسك بمصير الشعب وينقذه، فظنّوا أنه الملك المنتظر. بينما المسيح ينتظر تلاميذه ويوصيهم بالصعود إلى القارب ليكون هو في العزلة والصلاة، وبذلك يقود يسوع الجموع إلى العزلة وإلى الموضع القفر. فقد جمع هؤلاء الناس - الذين كانوا ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة وإلى مستويات دينية متفاوتة - حول طعام واحد. لذلك يعلن بنفسه للجموع الفرق بينه وبين موسى "لم يُعطِكُم موسى خُبزَ السَّماء" (يو32:6).
فيسوع يقدم ذاته كصانع للأعاجيب، لأن الأعجوبة لا تتدفق منه في كل حين وإنما هو الشفاء والإيمان. فالمسيح يندفع إلى صنع الأعجوبة حينما "يرى إيمانه" (مر5:2) و"يتحنن عليه" (متى34:20) لأن المسيح لا يحتمل أن يتألم الناس حوله، كما أنه كان يرمي إلى إثارة إيمان أعمق وأقوى، وهذا ما يجعل يسوع مضطرّاً إلى الإستجابة لذلك قال:"إِن كانَ لَكم مِنَ الإِيمانِ قَدْرُ حَبَّةِ خَردَل قُلتُم لِهذا الجَبَل: اِنتَقِلْ مِن هُنا إِلى هُناك، فيَنتَقِل" (متى20:17).
فيسوع لم يأتِ لكي يقلب نظام الطبيعة، فهو لا يريد تغيير الحياة بقوة الأعاجيب، لا له ولا لتلاميذه ولا لمستمعيه، وإنما يدعو إلى الثقة التامة التي نكون فيها تحت رحمة الذين يقتلون الجسد (متى26:10-32). فالمسيح في عمله أعجوبة تكثير الخبز قد رأى بداية الملكوت الذي كانوا ينتظرونه، فهو عالم بأن قدرة خارقة تجعلهم في حِمى من كل شرّ وأذى، فهو الحلم الأزلي الذي يراود الإنسان، لذلك يقول يسوع:"أَنتُم تَطلُبونَني، لا لِأَنَّكم رَأَيتُمُ الآيات: بلِ لِأَنَّكم أَكَلتُمُ الخُبزَ وشَبِعتُم" (يو26:6)، فهم لم يروا عمل الله وإنما رأوا الخبزات فقط، وبذلك لم ينتموا إلى الإيمان، فكان عمل الإنسان عوض الإستحواذ عليها لخدمة أحلامهم وامانيهم البشرية أن ينفتحوا لأفكاره ويستسلموا إلى مبادراته.
فتكثير الخبز هو حياة يسوع كلها، فهو يهتم بتغذية البشر وهذا واجب إنساني. فالمسيحي الذي يؤمن بالإنجيل يعتبر البشر والإعتناء بهم واجباً مسيحياً، وهكذا يكون المسيحي منفتحاً لجميع الشدائد التي تتعرض لها البشرية. فلا يحق له لكونه مسيحياً أن يطالب بامتيازات تُمنَح له بسهولة، فهو يجب أن يكون حساساً تجاه الفوضى والعنف السائدين في المجتمع، وأن تكون له الجرأة والثقة في العمل الإلهي الذي يدفعه إلى مبادرات منبثقة من روح التطويبات، وبذلك يسهم في المشاركة الأخوية التي تجعل القلوب تتفتح وتتلاقى فيما بينها.
ويبقى الإنجيل هو غذاء الإنسان للإعتناء بالإنسان، لكونه منفتحاً على الجميع. والخبز الذي يعطيه المسيح هو الإيمان والتحنن، وهذا هو خبزنا اليومي، إنه إنجيلنا. وبركة الرب تشملنا جميعاً.