

لا يحتاج العراقي إلى أن يسأل عن حالة الكهرباء، فصوت "المولدات" يجيبه قبل أن ينظر إلى المصابيح، ذلك الهدير الذي يملأ الأزقة منذ سنوات لم يعد مجرد ضجيج، بل أصبح جزءاً من ذاكرة المدن، وعلامةً يعرف بها الناس أن الكهرباء الوطنية قد غادرت من جديد.
في العراق، نشأت جمهورية موازية لا حدود لها ولا دستور، لكنها تمتلك نظاماً ثابتاً يعرفه الجميع، إنها "جمهورية المولدات"، جمهورية لا ترفع علماً، ولا تعقد مؤتمرات، لكنها تحضر في كل حي، وتفتح أبوابها كلما أغلقت الشبكة الوطنية أبوابها.
قد يختلف الناس في تقييمها، لكنها نجحت فيما عجزت عنه مؤسسات كثيرة؛ فهي لا تقدم وعوداً، بل تقدم تياراً كهربائياً، وإن كان محدوداً، لا تصدر بيانات صحفية، ولا تعلن عن خطط خمسية، لكنها تعمل بمجرد أن ينقطع التيار، وكأنها تقول للمواطن: "لن أتركك في الظلام."
وليس المقصود هنا تمجيد "المولدات"، فهي ليست حلاً مثالياً، بل حلاً اضطرارياً فرضته الحاجة، ضجيجها لا يتوقف، ودخانها يلوث الهواء، واستهلاكها للوقود يرهق الاقتصاد، وأجورها تستنزف دخل العائلات، لكنها مع ذلك أصبحت شريان الحياة الذي يعتمد عليه المواطن في أشد أيام الصيف حرارة.
لقد اعتاد العراقي أن يبدأ يومه بسؤال واحد: "هل شغّل ابو المولدة؟" ولم يعد يستغرب أن ترتبط حياة البيوت، والمحال، والعيادات، وحتى المناسبات الاجتماعية، بجدول تشغيل المولدات أكثر من ارتباطها بجدول الكهرباء الوطنية.
المفارقة أن المولدات وُلدت لتكون حلاً مؤقتاً، لكنها كبرت حتى أصبحت مؤسسة اجتماعية واقتصادية كاملة، أصبح لها أصحاب، وعمال صيانة، وسائقو وقود، وفنيون، وحتى زبائن ينتظرونها كما ينتظر المسافر موعد قطاره، وكأن الزمن قرر أن يمنح المؤقت صفة الدائم.
وإذا كانت الدول تقاس بقوة بنيتها التحتية، فإن العراق يقدم نموذجاً فريداً؛ إذ تحمل المواطن بنفسه جزءاً من عبء توفير الطاقة، دفع ثمن المولدات، ثم دفع اشتراكها الشهري، ثم اشترى أجهزة حماية من تقلبات التيار، ثم تحمل أعطال الأجهزة المنزلية، وكأنه يموّل أزمةً لم يكن سبباً في وجودها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن أصحاب المولدات، في كثير من المناطق، أصبحوا شركاء في تخفيف معاناة الناس، فحين تتجاوز درجات الحرارة الخمسين مئوية، لا يعود صوت المولدة مجرد ضجيج مزعج، بل يتحول إلى صوت يحمل معه نسمة أمل، لأن تشغيل مروحة أو جهاز تبريد قد يصنع فرقاً بين الراحة والمشقة، بل بين الحياة والخطر بالنسبة لبعض المرضى وكبار السن.
غير أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود المولدات، وإنما في أن تتحول من حل استثنائي إلى ركن أساسي في حياة العراقيين. فكلما طال عمر الأزمة، ترسخت القناعة بأن المولدات قدر لا يمكن تجاوزه، بينما الأصل أن تكون مجرد وسيلة احتياطية لا أكثر.
إن العراقي لا يكره صوت المولدات بقدر ما يكره أن يضطر إلى سماعه كل يوم، ولا يعترض على وجودها، بل يعترض على أن تصبح البديل الدائم عن شبكة كهرباء وطنية يفترض أن تكون هي الأساس.
لقد آن الأوان لأن تستعيد الكهرباء الوطنية مكانها الطبيعي، وأن تعود المولدات إلى دورها الحقيقي بوصفها سنداً عند الطوارئ، لا بديلاً دائماً للدولة، فالأوطان لا تُقاس بعدد المولدات التي تملأ شوارعها، بل بقدرتها على أن تجعل هذه المولدات صامتة، لأنها لم تعد مطلوبة إلا في الحالات الاستثنائية.
ويبقى الأمل قائماً بأن يأتي يوم يستيقظ فيه العراقي على صمتٍ جميل، صمتٍ لا يعني انقطاع الكهرباء، بل يعني أن المولدات أخيراً قد ارتاحت، لأن الدولة أدت واجبها.