
كاتدرائية مار كيوركيس الكلدانية الكاثوليكية في بلدة ألقوش بمحافظة نينوى، العراق، إحدى الكنائس التاريخية التي تجسد عراقة الحضور المسيحي الكلداني في بلاد ما بين النهرين. حقوق الصورة: Levi Clancy – Wikimedia Commons، رخصة CC0 1.0 (الملكية العامة)
تقرير لمجلة «يو إس كاثوليك» يسلّط الضوء على التحديات التي تواجه الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأبناءها في العراق، في ظل تراجع أعداد المسيحيين والنزوح والضغوط الاقتصادية والتوترات الأمنية، متسائلاً عن إمكانية استمرار الوجود المسيحي في أرضه التاريخية.
عشتارتيفي كوم –
سلّطت مجلة U.S. Catholic الأمريكية الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجه أبناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق، في تقرير بعنوان «في العراق، يواجه المجتمع الكلداني الكاثوليكي حالة من عدم اليقين»، تناول مستقبل الوجود المسيحي في البلاد، والظروف التي تدفع العائلات المسيحية إلى التفكير بالهجرة ومغادرة موطنها التاريخي.
وأشار التقرير إلى أن السؤال الأساسي الذي يواجه المسيحيين الكلدان اليوم يتمثل في مدى قدرتهم على تصور مستقبل لهم في أرض أجدادهم، في ظل التحولات التي شهدها العراق خلال العقدين الماضيين، وما رافقها من عنف وتهجير ونقص في الموارد وتراجع في أعداد السكان المسيحيين.
ونقل التقرير عن المركز الأوروبي للقانون والعدالة تقديره تراجع عدد المسيحيين في العراق من نحو 1.5 مليون عام 2003 إلى قرابة 150 ألفاً، عازياً ذلك إلى استمرار أعمال العنف ونقص الموارد.
الكنيسة الكلدانية وإرثها التاريخي في بلاد ما بين النهرين
وتناول التقرير الجذور التاريخية للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، بوصفها واحدة من أقدم التقاليد المسيحية في العالم، مشيراً إلى امتداد جذورها إلى القرون المسيحية الأولى في بلاد ما بين النهرين، وارتباط تاريخ انتشار المسيحية في المنطقة برسالة مار توما الرسول وتلاميذه مار أداي ومار ماري.
وأوضح أن الكنيسة الكلدانية تعود في تاريخها المؤسسي الحديث إلى القرن السادس عشر، عندما انتُخب الراهب يوحنا سولاقا بطريركاً، فيما شهد القرن التاسع عشر اعتراف روما بالبطريرك يوحنا الثامن هرمز بطريركاً لبابل على الكلدان.
وأشار التقرير إلى أن الكنيسة الكلدانية تحتفظ بتراثها الطقسي والروحي السرياني الشرقي، وتتمتع بالشركة الكنسية مع الكرسي الرسولي في الفاتيكان، وهي واحدة من الكنائس الكاثوليكية الشرقية.
انتخاب البطريرك مار بولس الثالث نونا وأمل تجديد دور الكنيسة
وتوقف التقرير عند انتخاب غبطة البطريرك مار بولس الثالث نونا بطريركاً للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في بغداد في نيسان 2026، معتبراً أن انتخاب قيادة روحية جديدة يمثل فرصة لتعزيز دور الكنيسة في الحوار المجتمعي، ودعم المكونات التي تعرضت للاضطهاد، والعمل على المصالحة وترميم العلاقات داخل العراق وإقليم كوردستان.
ونقل التقرير موقف الرئيس مسعود بارزاني، الذي أكد بمناسبة انتخاب البطريرك أن إقليم كوردستان سيبقى ملاذاً آمناً لجميع المكونات الدينية والقومية، مجدداً دعم الإقليم للمواطنين المسيحيين في حماية حقوقهم وهويتهم وتاريخهم العريق في كوردستان والعراق.
ولفت إلى أن هذه العلاقة اكتسبت أهمية خاصة بعد موجات النزوح التي تعرض لها المسيحيون إبان اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة من العراق عام 2014، مشيراً إلى أن البطريرك مار بولس الثالث نونا كان من بين عشرات الآلاف الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم خلال تلك المرحلة.
التوترات الإقليمية تزيد مخاوف المسيحيين
وحذر التقرير من أن اتساع رقعة التوترات الإقليمية والصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل يضع العراق وإقليم كوردستان أمام تحديات أمنية جديدة، في ظل وجود قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية، وما قد يترتب على ذلك من هجمات متبادلة وتداعيات أمنية.
وأشار إلى أن المسيحيين، الذين عانوا أصلاً من الاضطهاد والنزوح والهجرة، يواجهون مخاوف متجددة بشأن مستقبلهم في ظل استمرار عدم الاستقرار.
وتطرق التقرير إلى الأحداث الأمنية التي شهدتها عنكاوا في آذار 2026، وما رافقها من انفجارات وأضرار طالت دير راهبات بنات مريم الكلدانيات وعدداً من الشقق العائدة إلى أبرشية أربيل الكلدانية، بسبب وقوعها ضمن منطقة النزاع.
ونقل عن رئيس أساقفة أربيل المطران بشار متي وردة، في تصريح لمنظمة «عون الكنيسة المتألمة» (ACN)، تعبيره عن القلق الذي يعيشه المسيحيون، قائلاً: «عندما تندلع الحرب في الشرق الأوسط، نواجه تآكلاً جديداً، سريعاً كان أم بطيئاً. هل نبقى؟ وهل سيكون لأطفالنا مستقبل؟».
واعتبر التقرير أن استمرار عدم الاستقرار من شأنه تسريع هجرة المسيحيين من العراق، وتعميق التحديات التي تواجه بقاءهم في مناطقهم التاريخية.
دعوات إلى السلام والحوار ومنع اتساع الصراع
كما أشار التقرير إلى تحذيرات البطريرك الكلداني السابق الكاردينال لويس روفائيل ساكو من المخاطر التي قد يتعرض لها العراق في حال اتساع الصراع الإقليمي، وما يمكن أن يسببه ذلك من تعميق الانقسامات الداخلية، مؤكداً أهمية اعتماد الدبلوماسية طريقاً لحل النزاعات.
وكان ساكو قد دعا إلى الصلاة من أجل السلام خلال القداديس، وحث القيادات الإسلامية على استخدام صوتها لتعزيز الأخوة والتضامن مع المسيحيين.
الحفاظ على الوجود المسيحي مسؤولية مشتركة
وأكد التقرير أن الكنيسة الكلدانية لا تزال تؤدي دوراً مهماً في حياة المسيحيين في العراق وإقليم كوردستان، وأن المناسبات الدينية المشتركة، ومنها عيد الصليب المقدس، تعكس تمسك أبناء الكنائس المسيحية بإيمانهم وتقاليدهم.
كما شدد على أهمية تعريف المجتمعات الكاثوليكية في الولايات المتحدة بتاريخ الكنيسة الكلدانية وتراثها، ولا سيما أن الجاليات الكلدانية في الولايات المتحدة تمثل امتداداً لأبناء الكنيسة في العراق وبلاد ما بين النهرين.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن مساندة الكلدان الكاثوليك الذين يسعون إلى الحفاظ على وجودهم في الشرق الأوسط ليست مجرد اهتمام بمجتمع بعيد جغرافياً، بل تعبير عن التضامن الكنسي والإنساني، وعن أهمية حماية التنوع الديني والثقافي والحضاري في العراق.