
طفل سوري في أحد مراكز إيواء النازحين بمنطقة جبرين قرب حلب، خلال شتاء عام 2016، بعدما فقد والديه في الصراع، في مشهد يعكس قسوة الظروف الإنسانية التي واجهها الأطفال السوريون. حقوق الصورة: UNICEF Syrian Arab Republic/2016/Al-Issa – منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
هيئة الاهتمام المسيحي الدولي تحذّر من استغلال الفقر وشحّ الموارد لتأجيج التوترات الدينية في باكستان، ومن تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة والمعيشة في قدرة المسيحيين في لبنان وسوريا على البقاء وإعادة بناء حياتهم.
عشتارتيفي كوم – دولي
حذّرت منظمة «هيئة الاهتمام المسيحي الدولي» (International Christian Concern – ICC) من أن الأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتكاليف المعيشة باتت عوامل تضاعف معاناة المسيحيين في عدد من البلدان، وتزيد هشاشة المجتمعات التي تعاني أصلاً من الاضطهاد والتمييز والنزاعات.
وجاء ذلك في الجزأين الثالث والرابع من سلسلة تقارير بعنوان «تأجيج الاضطهاد» (Fueling Persecution)، اللذين نشرتهما المنظمة في 5 تشرين الثاني 2026، بقلم الباحثة ليزا نافاريت (Lisa Navarrette).
ويتناول الجزء الثالث، بعنوان «عندما يحتاج شحّ الموارد إلى شخص يُلقى عليه اللوم»، أوضاع المسيحيين في باكستان، وكيف يمكن للأزمات المعيشية أن تزيد التوترات الاجتماعية والدينية، فيما يركز الجزء الرابع، بعنوان «عندما تكمل الضغوط الاقتصادية ما بدأه الاضطهاد»، على تأثير الأزمات الاقتصادية في المسيحيين في لبنان وسوريا، وما تفرضه من تحديات على استمرارهم في أوطانهم.
باكستان.. شحّ الموارد قد يتحول إلى ذريعة لاستهداف الأقليات
يسلط الجزء الثالث الضوء على أوضاع المسيحيين في باكستان، من خلال قصة صاحب متجر مسيحي في إقليم البنجاب يُدعى صموئيل، اضطر إلى تغيير أسعار السلع في متجره الصغير ثلاث مرات خلال شهر واحد، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود والنقل وأسعار الجملة.
ويبيع المتجر مواد أساسية، بينها الأرز وزيت الطهي والطحين والصابون والمشروبات وبعض الاحتياجات المنزلية، ويخدم عائلات مسيحية ومسلمة من الحي نفسه. لكن ارتفاع الأسعار أدى إلى تزايد شكاوى الزبائن، وطلب بعضهم شراء المواد بالدين، فيما اتهم آخرون أصحاب المتاجر باستغلال الأزمة.
وتوضح المنظمة أن الخلافات الاقتصادية العادية قد تصبح أكثر خطورة عندما تقع في بيئة تعاني أصلاً من التمييز الديني وضعف الحماية القانونية، إذ يمكن استغلال النزاعات الشخصية والمالية لإثارة اتهامات دينية أو التحريض ضد الأقليات.
ويشير التقرير إلى أن قطاعات من المسيحيين في باكستان تعمل في مهن منخفضة الأجور وشاقة، مثل أعمال الصرف الصحي وتنظيف المجاري والعمل في أفران الطوب، ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما في ظل محدودية فرص العمل والحماية الاجتماعية.
قوانين التجديف ومخاطر تحويل الخلافات إلى اتهامات دينية
ويتناول التقرير خطورة قوانين التجديف في باكستان، مشيراً إلى أن بعض الاتهامات قد تنشأ في سياق خلافات شخصية أو نزاعات عادية، ثم تتطور إلى اعتقالات وأعمال عنف جماعي وتهديدات تستهدف الأفراد وممتلكاتهم.
ويستحضر التقرير الهجمات التي شهدتها مدينة جارانوالا في آب 2023، عقب اتهامات بالتجديف ضد مسيحيين، والتي استهدفت كنائس ومنازل وممتلكات للمجتمع المسيحي.
كما يشير إلى حالات مسيحيين تعرضوا للاعتقال بسبب اتهامات بالتجديف، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية، حتى بعد الإفراج عن المتهمين أو تبرئتهم.
ويحذّر من أن الفقر وارتفاع الأسعار لا يؤديان تلقائياً إلى الاضطهاد الديني، لكنهما قد يضاعفان التوترات القائمة، ويوفران بيئة يستغلها المتطرفون أو أصحاب المصالح لتوجيه الغضب نحو الأقليات الدينية.
لبنان.. الأزمات المعيشية تضع العائلات أمام خيار الهجرة
أما الجزء الرابع، فينتقل إلى لبنان، حيث يعرض التقرير قصة أب مسيحي يُدعى فادي، تعيش عائلته في البلدة نفسها منذ أجيال، وترتبط بها ذكريات عائلية ودينية واجتماعية عميقة.
ورغم صمود مشروعه التجاري الصغير أمام الاضطرابات السياسية والانهيار الاقتصادي وانفجار مرفأ بيروت وجولات الصراع الإقليمي، فإن ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتكاليف النقل والكهرباء بدأ يغيّر حسابات العائلة بشأن مستقبلها.
وتشير القصة إلى أن ابنته الكبرى حصلت على قبول جامعي في الخارج، فيما بدأ ابنه الأصغر يتحدث عن البحث عن فرصة عمل في أوروبا، الأمر الذي وضع الأسرة أمام خيار صعب بين البقاء في وطنها الذي يحمل تاريخها وجذورها، أو الهجرة بحثاً عن الاستقرار وفرص أفضل لأبنائها.
ويؤكد التقرير أن هجرة العائلات المسيحية في لبنان لا ترتبط بسبب واحد، بل تتشكل نتيجة تراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والصراعات الإقليمية، بما يضعف قدرة المجتمع على الحفاظ على استمراريته.
سوريا.. العودة بعد الحرب لا تضمن الاستقرار
ويتناول التقرير أيضاً أوضاع العائلات السورية التي تحاول العودة إلى مناطقها بعد سنوات الحرب والنزوح، مشيراً إلى أن العودة إلى المنزل لا تعني بالضرورة القدرة على بناء حياة مستقرة.
ويورد التقرير بيانات تفيد بعودة نحو 1.67 مليون لاجئ سوري و1.9 مليون نازح داخلي منذ كانون الأول 2024 وحتى عام 2026، لكنه يشير إلى استمرار عقبات كبيرة، من بينها تضرر المساكن، ومحدودية فرص العمل، وضعف البنية التحتية، والفقر، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
ويشرح التقرير أن ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء والنقل والمواد الغذائية يجعل إعادة تشغيل المشروعات الصغيرة وإصلاح المنازل وإعادة الأطفال إلى المدارس أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى العائلات التي تمكنت من العودة إلى بلداتها.
وتبرز هذه التحديات بصورة خاصة لدى العائلات التي فقدت مصادر دخلها أو ممتلكاتها خلال الحرب، ولم تعد تمتلك مدخرات كافية لمواجهة تكاليف الحياة وإعادة بناء أعمالها.
ارتفاع أسعار الطاقة يضاعف أعباء المساعدات الإنسانية
ويربط التقرير بين ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد تكاليف إيصال المساعدات الإنسانية إلى العائلات المتضررة، موضحاً أن زيادة أسعار الوقود تؤثر في نقل المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء، وفي قدرة المنظمات على الوصول إلى القرى والمناطق البعيدة.
وتشير المنظمة إلى أن ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل قد يفرض على الجهات الإنسانية تقليل عدد الرحلات أو خفض حجم المساعدات أو تأجيل الوصول إلى بعض المجتمعات، في وقت لا تزال فيه عائلات كثيرة تعتمد على هذه المساعدات لتلبية احتياجاتها الأساسية.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا يعرقل الإغاثة الطارئة فحسب، بل يجعل مشروعات التعافي الاقتصادي وإعادة بناء مصادر الدخل أكثر كلفة وصعوبة.
الهجرة تهدد استمرارية المجتمعات المسيحية
ويحذّر التقرير من أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يؤدي إلى تداعيات ديموغرافية واجتماعية تتجاوز مستوى العائلات الفردية.
فعندما تغادر العائلات الشابة بلدانها، تخسر الكنائس أبناءها، وتتراجع أعداد الطلاب في المدارس المسيحية، وتغلق المشروعات التجارية، ويقل عدد الشباب القادرين على تأسيس عائلات جديدة والمساهمة في بناء المؤسسات المحلية.
وبمرور الوقت، تتحول القرارات الاقتصادية الفردية إلى عامل يؤثر في استمرارية المجتمعات المسيحية وهويتها الثقافية والدينية في المنطقة.
معالجة الاضطهاد تتطلب حماية اقتصادية واجتماعية
وتخلص المنظمة إلى أن الأزمات الاقتصادية لا تنشئ الاضطهاد الديني بالضرورة، لكنها قد تضاعف آثاره وتطيل أمده، عندما تجد العائلات التي نجت من العنف والتهجير نفسها عاجزة عن تحمل تكاليف إعادة بناء حياتها.
وتشدد على أهمية الجمع بين الحماية الأمنية وحرية الدين والمعتقد، وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية، ودعم المشروعات الصغيرة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز قدرة العائلات على استعادة مصادر دخلها.
وتؤكد أن مساعدة المسيحيين المتضررين لا ينبغي أن تقتصر على الإغاثة العاجلة، بل يجب أن تشمل برامج مستدامة تساعدهم على العمل والاستقرار وتربية أبنائهم والحفاظ على كنائسهم ومؤسساتهم في أوطانهم.