
لقطة جوية بانورامية قديمة تُظهر التكوين البيضاوي المتكامل لقلعة أربيل الأثرية المرتفعة وسط مركز المدينة قبل البدء بمراحل الترميم الموسعة وإخلاء المنازل المحيطة بها. الحقوق والترخيص: الصورة تقع تحت رخصة المشاع الإبداعي والمجال العام (Public Domain).
تقرير تاريخي – عشتارتيفي كوم
في قلب مدينة أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، ترتفع قلعة أربيل التاريخية شاهدةً على آلاف السنين من الاستقرار البشري والتحولات الحضارية. فمنذ نشوء المستوطنات القديمة في هذا الموقع، تعاقبت أجيال وحضارات على التل نفسه، فبنت بيوتها فوق بقايا الأبنية السابقة، لتتشكل مع مرور الزمن هذه المرتفعة الأثرية التي أصبحت أحد أبرز معالم تاريخ بلاد الرافدين.
ولا تقتصر أهمية القلعة على قدمها، بل تشمل قيمتها الأثرية والعمرانية، وما تحتفظ به من شواهد على تاريخ أربيل القديمة، المعروفة باسم أربيلّا في المصادر الآشورية، فضلاً عن طابعها المعماري الذي يعكس مراحل متعددة من تاريخ المدينة. وقد أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على لائحة التراث العالمي عام 2014.
أولاً: التل الأثري.. كيف تشكلت القلعة؟
تختلف قلعة أربيل عن القلاع التي شُيّدت في فترة تاريخية واحدة لأغراض عسكرية؛ فهي في جوهرها تل أثري متعدد الطبقات، تشكّل نتيجة إقامة الناس في الموقع وإعادة بناء منازلهم ومنشآتهم فوق الأنقاض التي خلّفتها الأجيال السابقة.
ومع تكرار عمليات البناء والهدم على مدى قرون طويلة، ارتفع مستوى التل تدريجياً عن الأراضي المحيطة، حتى أصبح معلماً واضحاً في وسط المدينة. وتشير وثائق اليونسكو إلى أن الرواسب الأثرية في الموقع تتجاوز ثلاثين متراً، وتحفظ طبقات تعود إلى بدايات التحضر في بلاد الرافدين.
وتُقدّر مدة الاستيطان في القلعة بنحو ستة آلاف عام أو أكثر، وهي من المواقع التي تُعد من أقدم التجمعات السكنية المستمرة في العالم. لكن هذا التقدير لا يعني أن جميع الأبنية القائمة اليوم تعود إلى ذلك الزمن؛ إذ إن معظم النسيج العمراني الظاهر تشكّل في مراحل تاريخية أحدث، ولا سيما خلال العهد العثماني والقرنين التاسع عشر والعشرين.
ثانياً: أربيل القديمة وعصر بلاد الرافدين
ترتبط قلعة أربيل بتاريخ مدينة أربيل القديمة، التي ورد اسمها بصيغ متعددة في المصادر التاريخية، منها «أوربيلوم» و«أربيلّا». وكانت أربيلّا مركزاً سياسياً ودينياً مهماً في التاريخ الآشوري، وارتبطت بتاريخ الممالك التي نشأت في شمال بلاد الرافدين.
وتشير المصادر التاريخية والأثرية إلى أن الموقع شهد مراحل استيطان متعاقبة في عصور قديمة، فيما تكشف الطبقات الأثرية عن عمق تاريخي يتجاوز حدود المباني التي يمكن رؤيتها اليوم. وقد ارتبطت أربيل القديمة أيضاً بالمعتقدات الدينية في بلاد الرافدين، بما في ذلك عبادة الإلهة عشتار، التي احتلت مكانة بارزة في الديانة الرافدينية.
ومن المهم التمييز بين تاريخ المدينة وتاريخ كل مبنى داخل القلعة؛ فوجود أربيل في النصوص القديمة لا يعني أن الأسوار والبيوت الحالية تعود إلى العصر الآشوري، بل إن الموقع شهد إعادة بناء متكررة عبر العصور.
ثالثاً: العصر الآشوري ومكانة أربيلّا
برزت أربيلّا في التاريخ الآشوري بوصفها مركزاً سياسياً ودينياً مهماً، واحتفظ اسم المدينة بصيغ متقاربة عبر فترات تاريخية مختلفة، وصولاً إلى اسم أربيل الحالي. وتكمن أهمية هذه الاستمرارية في أنها تربط المدينة بشبكة المدن والمراكز الحضارية التي أسهمت في تشكيل تاريخ شمال بلاد الرافدين.
ومع ذلك، فإن معرفة تاريخ أربيلّا لا تعني أن جميع أحداث التاريخ الآشوري وقعت داخل حدود القلعة الحالية؛ فالمدينة القديمة كانت أوسع من التل، وتساعد التنقيبات والمصادر المكتوبة على فهم العلاقة بين القلعة ومحيطها العمراني القديم.
رابعاً: العصور اللاحقة والمرحلة الإسلامية
شهدت أربيل تحولات سياسية ودينية بعد العصور القديمة، وأصبحت خلال مراحل من التاريخ الإسلامي مركزاً إدارياً وعمرانياً مهماً. وتذكر الدراسات الأكاديمية وجود مؤسسات إدارية وتعليمية ودينية في المدينة، ولا سيما خلال العصر الأتابكي في القرون الوسطى.
كما تكشف المصادر عن وجود منشآت دينية متعددة في القلعة ومحيطها، بما يعكس تنوع الحياة الاجتماعية والدينية في أربيل عبر التاريخ. ويشير بحث أكاديمي منشور في مستودع جامعة بغداد إلى أن دراسة القلعة تتطلب الجمع بين نتائج التنقيبات الأثرية وما ورد في المصادر التاريخية الإسلامية والقديمة، لفهم تطورها العمراني ووظائفها الدفاعية والدينية والإدارية.
خامساً: الغزو المغولي وتحولات القرن الثالث عشر
كان القرن الثالث عشر من الفترات المضطربة في تاريخ المنطقة، مع توسع المغول في بلاد الرافدين. وتشير دراسة تاريخية صادرة عن جامعة صلاح الدين – أربيل إلى أن المغول استولوا على القلعة عام 1258، وهو تطور ارتبط بتراجع أهمية المدينة في المرحلة اللاحقة.
وتوضح هذه المرحلة أن الموقع الاستراتيجي للقلعة لم يكن كافياً وحده لحمايتها من التحولات العسكرية والسياسية الكبرى؛ فقد تأثرت أربيل، مثل مدن أخرى في المنطقة، بتغير موازين القوى وطرق التجارة ومراكز الإدارة.
سادساً: العهد العثماني.. تشكل الملامح العمرانية المعروفة اليوم
يمثل العهد العثماني مرحلة محورية في تشكيل المظهر العمراني الذي نراه اليوم في قلعة أربيل. فبحسب ملف اليونسكو، تعود البنية الحضرية الواضحة للقلعة إلى حد كبير إلى الفترة العثمانية، ولا سيما شبكة الأزقة والممرات المتفرعة من المدخل الرئيس، والبيوت التقليدية التي تصطف واجهاتها على أطراف التل.
وكانت القلعة مقسمة تاريخياً إلى ثلاثة أحياء رئيسية:
ولم تكن هذه الأحياء مجرد تقسيمات عمرانية، بل ارتبطت بتوزيع المساكن والوظائف الاجتماعية والإدارية داخل القلعة. وعلى الرغم من اختلاف خصائصها، عاشت فيها جماعات سكانية متعددة.
وشهدت القلعة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تطورات معمارية متلاحقة، فيما أصبحت واجهات المنازل العالية المتصلة حول أطراف التل تشبه سوراً عمرانياً يحيط بالقلعة. ولذلك فإن الصورة الحالية للقلعة تجمع بين موقع أثري بالغ القدم ونسيج عمراني تعود أجزاء مهمة منه إلى القرون الأخيرة.
سابعاً: القرن العشرون.. تراجع السكن وتضرر النسيج التاريخي
شهدت قلعة أربيل تغيرات كبيرة خلال القرن العشرين، إذ أدت التوسعات العمرانية وتغير أنماط السكن إلى تراجع دورها بوصفها مركزاً سكنياً رئيسياً للمدينة.
ويشير ملف الترشيح المقدم إلى اليونسكو إلى أن عام 1937 شهد اعترافاً رسمياً بالقلعة موقعاً أثرياً بموجب قانون الآثار القديمة رقم 59 لسنة 1936. لكن هذا الاعتراف لم يمنع تضرر أجزاء من نسيجها العمراني، بما في ذلك عمليات هدم طالت مباني في أواخر خمسينيات القرن الماضي.
كما تسببت التغيرات السكانية في العقود اللاحقة، ثم تدهور عدد من المباني، في إضعاف استمرارية الحياة داخل القلعة. وبين عامي 1986 و2006، شهد الموقع مرحلة إشغال سكني مؤقت أسهمت في تراكم الأنقاض والنفايات وارتفاع مستويات بعض الأرضيات القديمة، الأمر الذي زاد من صعوبة أعمال الصيانة والترميم.
ثامناً: من مشروع الإحياء إلى لائحة التراث العالمي
تأسست الهيئة العليا لإحياء قلعة أربيل عام 2007 لتتولى الإشراف على أعمال الترميم وإعادة تأهيل الموقع. وبدأت مرحلة جديدة من العمل على حماية المباني التاريخية وتوثيقها، وإعداد خطط لإدارة القلعة ومحيطها، بالتعاون مع اليونسكو وجهات محلية ودولية.
وفي عام 2014، أدرجت لجنة التراث العالمي في اليونسكو قلعة أربيل على لائحة التراث العالمي، وفق المعيار الرابع، تقديراً لقيمتها بوصفها مثالاً بارزاً على تل أثري متعدد الطبقات، وبنيتها العمرانية التي لا تزال تحتفظ بملامح واضحة من التخطيط العثماني.
وتبلغ مساحة الموقع المسجل نحو 15.6 هكتاراً، فيما تبلغ مساحة المنطقة العازلة المحيطة به نحو 268.34 هكتاراً. ويهدف هذا التحديد إلى حماية القلعة، مع مراعاة أهمية محيطها العمراني والتاريخي.
وفي كانون الأول 2020، أُعيد فتح القلعة أمام الزوار بعد إغلاقها خلال إجراءات جائحة كوفيد-19، ضمن مشروع دعم سبل العيش من خلال تنمية التراث الثقافي، الممول من الاتحاد الأوروبي والمنفذ بالتعاون بين اليونسكو والهيئة العليا لإحياء القلعة.
تاسعاً: أعمال الترميم والتطوير في السنوات الأخيرة
تواصلت مشاريع ترميم القلعة في السنوات الأخيرة، وشملت صيانة البيوت التاريخية، وتأهيل الأزقة، وترميم الحمام التاريخي، وتحسين البنية التحتية للزيارة، مع السعي إلى إعادة الحياة الثقافية والاجتماعية إلى الموقع.
وفي آب 2025، أعلنت حكومة إقليم كوردستان استمرار أعمال ترميم القلعة، بما في ذلك تبليط الشوارع والممرات بالحجر، وترميم المسجد التاريخي، وتثبيت الأجزاء المعرضة للتدهور، وتحسين الإنارة والاستعداد لافتتاح متحف مخصص للأطفال. كما تناولت الخطط تطوير مرافق للزوار، مثل المقاهي والمطاعم ومرافق الضيافة، مع الحفاظ على الطابع التاريخي للموقع.
وفي حزيران 2026، أعلنت اليونسكو عن مشروع جديد لإحياء موقع قلعة أربيل، بتمويل يبلغ 10 ملايين دولار من شركة KAR New Ventures Limited، وبالتعاون مع الهيئة العليا لإحياء القلعة. ويستمر المشروع أربع سنوات، ويركز على صيانة المباني المعرضة للخطر، وتأهيل البيوت التاريخية، وتوظيف بعض المباني لأغراض ثقافية وبحثية، وتطوير المسارات السياحية والأنشطة الاقتصادية بما يعود بالنفع على المجتمع المحلي.
عاشراً: قلعة أربيل اليوم.. تراث حي ومسؤولية مشتركة
لم تعد قلعة أربيل مجرد بقايا حصن قديم أو مجموعة من البيوت التراثية؛ فهي سجل عمراني وأثري تتقاطع فيه طبقات التاريخ، من بدايات الاستيطان في بلاد الرافدين إلى المدينة العثمانية، وصولاً إلى جهود الحماية والترميم المعاصرة.
وتتمثل أهمية الحفاظ عليها في صون المباني التاريخية، وفي الوقت نفسه حماية الطبقات الأثرية الموجودة تحتها، وتنظيم الأنشطة الحديثة بحيث لا تضر بأصالتها. كما يتطلب إحياؤها إيجاد توازن بين استقبال الزوار والسياحة الثقافية من جهة، والحفاظ على قيمتها التاريخية وارتباط سكان أربيل بها من جهة أخرى.
وبحسب اليونسكو، فإن المرحلة الجديدة من إحياء القلعة تستهدف تعزيز دورها بوصفها فضاءً ثقافياً واجتماعياً حياً، وتوسيع مشاركة المجتمع المحلي في إدارة التراث والاستفادة من الفرص الاقتصادية المرتبطة به.
خلاصة
إن قلعة أربيل ليست شاهداً على عصر واحد، بل نتاج آلاف السنين من البناء وإعادة البناء والتفاعل الحضاري. فمن أربيلّا القديمة إلى الأحياء العثمانية، ومن التراجع العمراني في القرن العشرين إلى إدراجها على لائحة التراث العالمي عام 2014، ظلت القلعة علامة بارزة في هوية المدينة وتاريخها.
أما التحدي اليوم، فيتمثل في ضمان ألا تقتصر أعمال الإحياء على ترميم الجدران والمباني، بل أن تحافظ أيضاً على القيمة الأثرية للموقع، وأن تعيد إليه مكانته مركزاً للثقافة والمعرفة والحياة الاجتماعية، بما يضمن انتقال هذا الإرث إلى الأجيال المقبلة.
المصادر الأساسية