

"دخان التطهير".. هكذا يطلق البعض على عملية إحراق العشب اليابس وبقايا المحاصيل، ظنًا منهم أنها الطريقة الأسرع والأقل كلفة لتنظيف الأرض واستقبال موسم جديد.
لكن في الحقيقة، هذا الدخان ليس سوى "ظاهرة سرطانية" صامتة تتسلل إلى رئتي المجتمع، وتتحول من مجرد ممارسة زراعية تقليدية إلى جريمة بيئية وصحية متكاملة الأركان. في هذا المقال، نتناول أبعاد هذه الأزمة الصامتة، ونطرح التساؤل الملحّ: أين الجهات الرقابية والصحية من هذا الخطر الداهم؟
محرقة النوايا الحسنة: ماذا يتنفس الناس فعليًا؟
حين تشتعل النيران في مساحات شاسعة من الأعشاب، لا ينتج عن ذلك مجرد "رماد"، بل تنطلق في الهواء ترسانة من الملوثات الكيميائية القاتلة. الدخان الناتج يحتوي على:
الفاتورة الصحية: أمراض لا ترحم
تتجاوز أضرار استنشاق هذا الدخان السعال العابر أو حرقان العين، لتصل إلى قائمة طويلة من الأمراض المزمنة والقاتلة:
أين وزارة الصحة والجهات المعنية؟
أمام هذا المشهد القاتم، يتطلع المواطن دائمًا إلى حائط الصد الأول: وزارة الصحة والبيئة. والسؤال هنا ليس من باب اللوم الفج، بل من باب المسؤولية المشتركة: ما هو دور الوزارة الفعلي في مواجهة هذه الظاهرة؟
إن المقاربة الحديثة لإدارة الأزمات الصحية تفرض ألا يقتصر دور الوزارة على "علاج الضحايا" داخل المستشفيات، بل يجب أن يمتد إلى الوقاية وبتر أصل المشكلة بالتعاون مع وزارتي الزراعة والبيئة عبر ثلاثة محاور أساسية:
تفتقر العديد من المناطق إلى منظومات ذكية لرصد جودة الهواء ونشر تحذيرات يومية للمواطنين، وخاصة الفئات الهشة (الأطفال والحوامل ومرضى الجهاز التنفسي) لتفادي الخروج في أيام الذروة.
الملف الصحي هنا مرتبط بالملف الأمني والزراعي. يجب أن تلعب وزارة الصحة دور المحرك الأساسي لفرض عقوبات صارمة على حرق الأعشاب والمخلفات، وتوفير بدائل تكنولوجية للمزارعين (مثل آلات كبس وتدوير المخلفات) بدلاً من تركهم للخيار الأسهل والأنكأ.
لم يعد "البوستر التوعوي" التقليدي كافيًا. تحتاج المؤسسات الصحية إلى النزول الميداني، واستخدام المنصات الرقمية الحديثة لشرح الرابط المباشر بين هذا الدخان وبين حالات السرطان والوفاة المبكرة التي تدق بيوت الكثيرين.
خلاصة القول
إن إحراق العشب ليس سلوكًا فرديًا ينتهي بانتهاء الحريق، بل هو استنزاف بطيء لسلامة المجتمع وبنيته الصحية. وزارة الصحة مدعوة اليوم لقيادة جبهة موحدة لإنهاء هذه "المحرقة الصامتة"، لأن كلفة الوقاية ومنع الحرق تظل دائمًا أقل بمليون مرة من كلفة علاج مريض سرطان واحد.