
عشتارتيفي كوم- سيرياك نيوز/
حموث، سوريا، فيينا — حذّر أحد أبرز القادة المسيحيين في سوريا من العودة المبكرة للاجئين السوريين، مؤكداً أن تدهور الوضع الأمني، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الحريات الدينية، تجعل العودة الآمنة والكريمة إلى البلاد أمراً غير ممكن.
وخلال زيارة أجراها إلى فيينا، الثلاثاء، قال رئيس أساقفة حموث (حمص) للسريان الكاثوليك، جاك مراد، إنه لا ينصح السوريين الذين غادروا البلاد بالعودة في ظل الظروف الحالية، رغم التغيرات السياسية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد أواخر عام 2024.
وقال مراد: “اعتقدنا أننا حققنا الحرية أخيراً”، مستذكراً الأجواء التي سادت مدينة حموث في 8 كانون الأول 2024، يوم انتهى حكم الأسد، وأضاف: “في تلك الليلة، وللمرة الأولى منذ سنوات، نمت بسلام.”
إلا أن هذا الأمل، بحسب مراد، لم يدم طويلاً.
وأوضح: “بعد شهرين فقط، اندلعت اشتباكات مسلحة، وبدأت ميليشيات إسلامية بمهاجمة مدنيين علويين. عندها أدركت أننا لم نحصل بعد على الحرية، وأن معركتي من أجل الحرية بدأت من جديد.”
ووصف مراد، الذي نجا من الاحتجاز بعد اختطافه على يد تنظيم “داعش” عام 2015، سوريا اليوم بأنها دولة تعاني من انعدام الأمن، والعنف الطائفي، والانهيار الاقتصادي، منتقداً السلطات السورية الجديدة والمجتمع الدولي لعدم إعطاء الأولوية لرفاه السوريين وحماية حياتهم.
وقال مراد: “لا يبدو أن أحداً يهتم حقاً بالشعب السوري.”
وبحسب رئيس الأساقفة، فإن الهجمات الانتقامية ضد الأقليات الدينية أصبحت أكثر شيوعاً في الآونة الأخيرة. ورغم أن العلويين والدروز كانوا الهدف الرئيسي لهذه الاعتداءات، حذّر من أن المسيحيين يواجهون أيضاً حالة متزايدة من عدم اليقين، في ظل استمرار الجماعات المتطرفة في العمل بشكل علني.
وأضاف: “هؤلاء المتطرفون يكرهون العلويين والدروز أكثر حتى من كرههم للمسيحيين”، معتبراً أن اتهامات التعاون مع نظام الأسد السابق أصبحت ذريعة لتبرير أعمال العنف ذات الطابع الطائفي.
وأشار مراد إلى مقتل أم وطفليها مؤخراً بوصفه مثالاً آخر على التدهور المستمر في الوضع الأمني بالبلاد، مضيفاً أن مثل هذه الحوادث أصبحت تتكرر بوتيرة مقلقة.
وقال: “إن الحكومة إما غير قادرة أو غير راغبة في وقف أعمال العنف.” وحذّر رئيس الأساقفة من أن الوجود المسيحي في سوريا يقترب من نقطة تحول تاريخية خطيرة.
وأوضح أنه قبل اندلاع الحرب الأهلية كانت سوريا تضم نحو مليوني مسيحي، في حين يقدّر اليوم أن عددهم تراجع إلى ما بين 300 ألف و350 ألف فقط.
وأضاف: “إذا استمر هذا الوضع، فإن المسيحية ستختفي من هذه المنطقة.”
وأعرب مراد عن قلقه من أن سوريا، التي كانت تُعرف بطابعها العلماني النسبي وتنوعها الديني، باتت تتأثر بشكل متزايد بالأيديولوجيا الإسلامية. ورغم أن القيادة السورية الجديدة تقدم نفسها للمجتمع الدولي بوصفها قيادة معتدلة، فإنه شكك في مدى التزامها بالتعددية.
وأشار إلى تشكيلة البرلمان السوري الجديد، موضحاً أن المسيحيين يشغلون ستة مقاعد فقط، بينما لا يتجاوز عدد النساء خمس مقاعد.
وقال: “إن غالبية أعضاء البرلمان من الإسلاميين المتشددين”، مضيفاً أن كثيرين منهم ينحدرون من محافظة إدلب، التي عُرفت لسنوات بأنها معقل للفصائل الإسلامية.
اقتصاد على حافة الانهيار
إلى جانب المخاوف الأمنية، وصف مراد الاقتصاد السوري بأنه يقف على حافة الانهيار. وقال إن كثيراً من السوريين لم يعودوا قادرين على تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والرعاية الصحية والسكن، مشيراً إلى أن الخدمات الطبية لا تزال تعاني من تدهور حاد، فيما يدفع ارتفاع معدلات البطالة أعداداً متزايدة من الشباب إلى البحث عن فرص خارج البلاد.
وأضاف: “لا أحد يريد مغادرة وطنه، لكن الناس يُجبرون على الرحيل لأنهم لا يستطيعون العيش بكرامة أو في أمان.”
ودعا، بدلاً من تشجيع العودة المبكرة للاجئين، الحكومات والمنظمات الدولية إلى الاستثمار في إعادة إعمار سوريا من خلال دعم التعليم، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التنمية المستدامة.
وقال: “مستقبل سوريا يعتمد على مدارسها. فالشباب بحاجة إلى التعليم، لكنهم بحاجة أيضاً إلى وظائف.”
وتكتسب تحذيرات رئيس الأساقفة مراد أهمية خاصة بالنظر إلى تجربته الشخصية خلال أحلك سنوات الحرب في سوريا.
ففي عام 2015، اختطفه مسلحو تنظيم “داعش” من دير مار إليان قرب حموث حيث أمضى عدة أشهر في الأسر.
واستذكر تلك الفترة قائلاً: “قالوا لي: اعتنق الإسلام، وإلا سنقطع رأسك.”
وأضاف أن الصلاة كانت مصدر قوته طوال فترة احتجازه، وقال: “كلما غمرني الخوف، كنت أصلي المسبحة الوردية، فيزول خوفي ويتحول إلى شجاعة.”
وتمكن مراد في نهاية المطاف من الفرار بمساعدة مسلمين محليين نظموا عملية لإنقاذ عشرات الرهائن الذين كان يحتجزهم تنظيم “داعش”. إلا أن الأشخاص الذين شاركوا في عملية الإنقاذ أعدمهم التنظيم لاحقاً. ويروي مراد في مذكراته “راهب في الأسر” تفاصيل ما تعرض له من وحشية خلال فترة احتجازه، إلى جانب شجاعة المسلمين الذين خاطروا بحياتهم، وضحّى كثير منهم بها، لإنقاذ الآخرين.
ورغم التحديات الهائلة التي تواجه سوريا، شدد مراد على أن المصالحة تبقى ضرورة أساسية لمستقبل البلاد.
وينتمي مراد إلى رهبنة دير مار موسى، المعروفة دولياً بتعزيز الحوار الإسلامي–المسيحي، ويواصل الدعوة إلى التعايش بين مختلف المكونات الدينية والإثنية في سوريا.
وقال: “لطالما كانت حمص مدينة تعايشت فيها شعوب ومجتمعات مختلفة. نحن بحاجة إلى مساحات يلتقي فيها الناس بعيداً عن الانقسامات الدينية والطائفية.”
وأكد أن رسالة الكنيسة اليوم لا تقتصر على الوعظ، بل تشمل إطلاق مبادرات عملية تعزز الحوار والثقافة والتعليم والإبداع، باعتبارها ركائز أساسية لإعادة بناء المجتمع السوري.
واعتبر أن مستقبل سوريا لا يتوقف على إنهاء العنف فحسب، بل يعتمد أيضاً على استعادة الثقة بين أبنائها. واختتم بالقول: “رسالة المسيحيين اليوم هي الإصغاء إلى الناس، والسير معهم، والعمل معاً لبناء مستقبل يليق بجميع السوريين.”