
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
كل أسبوعين، تختفي لغة أخرى من العالم. ولطالما حذّر علماء اللغات من أن العديد من لغات الأقليات تواجه مستقبلاً غامضاً في ظل تسارع وتيرة العولمة والهجرة والاندماج الثقافي. ومن بين اللغات التي تراجع استخدامها اليومي تدريجياً عبر الأجيال، تبرز اللغة السريانية، إحدى أقدم اللغات الأدبية في العالم، والمنحدرة مباشرة من الآرامية، اللغة التي ارتبطت تقليدياً بالسيد المسيح.
وبالنسبة للجاليات السريانية في المهجر، لم يعد الحفاظ على اللغة مجرد مسألة تتعلق بالكلمات، بل أصبح قضية ترتبط بصون التاريخ والإيمان والثقافة والهوية.
وفي بلجيكا، حيث استقرت على مدى العقود الماضية نحو 20 ألف أسرة سريانية، يرى عدد من التربويين وقادة المجتمع أن المدرسة قد تكون المكان الأكثر تأثيراً لضمان بقاء هذا الإرث العريق حياً.
وجاءت استجابتهم عبر مشروع مدرسة يشوع، وهو مشروع تعليمي طموح يهدف إلى أن يصبح أول مدرسة في بلجيكا تدمج اللغة السريانية ضمن منهج رباعي اللغات، إلى جانب الهولندية والفرنسية والإنجليزية. ومن المقرر افتتاح المدرسة في ضواحي بروكسل في أيلول 2029، لتكون مؤسسة لا تقتصر مهمتها على تعليم الأطفال، بل تسعى أيضاً إلى الحفاظ على الصوت الحي لحضارة عريقة.
وتقود هذه المبادرة لينا أورس، عالمة الآثار ومؤسسة مدرسة يشوع، التي كرّست حياتها المهنية لدراسة الماضي، فيما تتمثل رسالتها اليوم في المساهمة بحماية مستقبله.
وقالت أورس في حديث السيرياك برس: “وُلدت الفكرة من واقعين. فبلجيكا تضم نحو 20 ألف أسرة سريانية، ومع ذلك لا توجد أي مدرسة تُدرّس اللغة السريانية. وفي الوقت نفسه، بدأت الأجيال الشابة تفقد لغتها الأم تدريجياً. لذلك أردنا الاستجابة لهذين التحديين من خلال إنشاء مدرسة مسيحية يسهل الوصول إليها، يحصل فيها الأطفال على تعليم متميز، مع الحفاظ في الوقت ذاته على لغتهم وتراثهم.”
لغة تمتد جذورها إلى ما قبل نشوء الدول
قبل ظهور العديد من الدول الحديثة بقرون طويلة، كانت اللغة السريانية إحدى اللغات الرئيسة للمسيحية في بلاد ما بين النهرين والشرق الأدنى. وقد أصبحت لغةً للاهوت والفلسفة والعلوم والأدب، وحملت المعرفة بين الحضارات عبر قرون من الترجمة والبحث العلمي.
أما اليوم، فلم يعد التحدي يتمثل في إنتاج الأدب، بل في ضمان استمرار الأطفال في التحدث بهذه اللغة من الأساس.
وفي مختلف أنحاء أوروبا، تعتمد العائلات السريانية غالباً على الكنائس والمنظمات التطوعية لتعليم اللغة لأبنائها بعد انتهاء الدوام المدرسي الرسمي. فيقضي الأطفال يومهم في المدارس العامة، ثم ينتقلون عدة أمسيات أسبوعياً إلى صفوف كنسية لتلقي دروس اللغة السريانية، وهو ما يشكل عبئاً على كل من الأهالي والطلاب.
وتسعى مدرسة يشوع إلى تغيير هذا الواقع. فبدلاً من فصل اللغة عن العملية التعليمية، ستصبح السريانية جزءاً من الحياة المدرسية اليومية، بدءاً من مرحلة رياض الأطفال وحتى نهاية المرحلة الابتدائية.
وقالت أورس: “لا ينبغي أن تظل اللغة حبيسة الكنائس فقط، بل تستحق أن يكون لها مكان داخل الصفوف الدراسية، حيث ينشأ الأطفال وهم يستخدمونها بصورة طبيعية.”
ويعكس اسم المدرسة نفسه هذه الفلسفة؛ فكلمة “يشوع” هي الاسم الآرامي للسيد المسيح، لتجسد بذلك الركيزتين الأساسيتين للمشروع: الإيمان المسيحي واللغة السريانية.
تعليم مصمم ليلائم احتياجات الأسر العصرية
تقدم مدرسة يشوع نموذجاً تعليمياً نادراً في بلجيكا. إذ تستقبل الأطفال يومياً اعتباراً من الساعة 7:30 صباحاً مع وجبة إفطار، قبل انطلاق الدروس الرسمية عند الساعة 9:00 صباحاً. كما تُقدم المدرسة وجبة غداء ساخنة يومياً، فيما تجمع الأنشطة المسائية بين الدراسة الأكاديمية ونحو 30 نشاطاً لا منهجياً، تشمل كرة القدم، والموسيقى، والمسرح، والبستنة، والطهي، والفنون.
وتظل المدرسة مفتوحة حتى الساعة السادسة مساءً، لتوفر للأسر العاملة بيئة تعليمية متكاملة تمتد طوال اليوم.
وقالت أورس: “نريد أن تشعر الأسر بالاطمئنان إلى أن أطفالها يحظون بالترحيب والرعاية والتغذية الجيدة والإلهام منذ الصباح وحتى المساء.”
وتتميز المدرسة أيضاً بفلسفتها التعليمية، إذ تستند إلى منهج فريينيه الذي وضعه المربي الفرنسي سيليستان فريينيه، مع الاستفادة من مبادئ منهج مونتيسوري. ويركز هذا النهج على التعلم التعاوني، والإبداع، وتنمية التفكير النقدي، والتعليم الفردي، بدلاً من الحفظ والتلقين أو أساليب العقاب التقليدية.
كما تعتمد المدرسة على صفوف دراسية مرنة، والتعلم بين الأقران، وأساليب تدريس دامجة، بما يتيح لكل طفل فرصة النمو والتطور وفقاً لقدراته ونقاط قوته. غير أن النجاح الأكاديمي ليس سوى جزء من رؤية المدرسة.
وأضافت أورس: “نريد لتلاميذنا أن يصبحوا شباباً متوازنين وواثقين من هويتهم، متمسكين بقيمهم، ومنفتحين في الوقت ذاته على العالم.”
أربع لغات… وهوية واحدة
على خلاف العديد من المدارس متعددة اللغات التي تركز حصراً على تعزيز القدرة التنافسية في البيئة الدولية، تؤدي كل لغة في مدرسة يشوع دوراً محدداً. فالهولندية تُعدّ التلاميذ للحياة في إقليم فلاندرز، والفرنسية تربطهم بمدينة بروكسل المجاورة، والإنجليزية تؤهلهم لعالم يزداد ترابطاً، فيما تحافظ السريانية على هويتهم الثقافية. ويؤمن مؤسسو المدرسة بأن هذه اللغات الأربع تتكامل فيما بينها، بدلاً من أن تتنافس.
ولا يقتصر تعليم السريانية على دروس اللغة، بل سيتعرف الطلاب أيضاً إلى التاريخ السرياني وتاريخ بلاد ما بين النهرين من خلال الموسيقى، والاحتفالات الثقافية، والأنشطة المجتمعية.
وإلى جانب المشروع التعليمي، تأمل أورس في تأسيس مركز سرياني للبحوث اللغوية يُعنى بدراسة اللغة السريانية والحفاظ عليها وتطويرها، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال المقبلة.
حراك دولي متسارع
ولا يأتي مشروع مدرسة يشوع بمعزل عن الجهود الأخرى. ففي مختلف أنحاء المهجر السرياني، اتجه التربويون بصورة متزايدة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على تعليم اللغة السريانية.
وفي السويد، أصبحت مدرسة إيديسا في هالوندا-نورشبوري أول مدرسة سريانية في أوروبا عند افتتاحها عام 2008، حيث جمعت بين المنهاج الوطني السويدي وتعليم اللغة السريانية والموسيقى السريانية. ورأى مؤسسوها أن التعليم يمثل الركيزة الأساسية لمنع اندماج الأجيال الشابة لغوياً وفقدان لغتها الأم.
وفي الولايات المتحدة، أدخلت عدة مدارس في ولاية إلينوي اللغة السريانية إلى مناهجها الدراسية، في خطوة تعكس تزايد الوعي بأهمية الحفاظ على واحدة من أقدم اللغات الحية في التراث المسيحي.
أما في أستراليا، فتواصل مدرسة القديس هرمزد الابتدائية الآشورية، التي تأسست عام 2002، وكلية مار نرساي المسيحية، التي افتتحت عام 2006، تلبية الاحتياجات التعليمية لمئات الأطفال من أبناء المجتمع السرياني.
وترى أورس أن هذه التطورات تؤكد أن الحفاظ على اللغة السريانية يتطلب إنشاء مؤسسات تعليمية راسخة وطويلة الأمد، بدلاً من الاكتفاء بالمبادرات المؤقتة.
ثقة المجتمع
لعل أقوى دليل على الدعم الذي يحظى به مشروع مدرسة يشوع جاء من العائلات نفسها. فقد أظهر استطلاع أُجري عام 2023 وشمل 260 أسرة سريانية أن 97% منها تؤيد إنشاء مدرسة سريانية تعتمد نظاماً تعليمياً رباعي اللغات.
واليوم، سُجِّل أكثر من 200 طفل مسبقاً للالتحاق بالمدرسة، رغم أنها لم تفتح أبوابها بعد.
وقالت أورس: “أكثر ما يلامس مشاعرنا هو سماع الآباء والأجداد يقولون إن أبناءهم سيتعلمون أخيراً، في المدرسة، اللغة التي لم يعرفوها هم أنفسهم إلا في المنزل أو الكنيسة. وكثيرون يقولون لنا: ‘أخيراً، مدرسة تعكس هويتنا’.”
ويتوقع مؤسسو المدرسة استقبال 484 تلميذاً خلال المرحلة الأولى من افتتاحها، على أن يتوسع المشروع لاحقاً ليضم أكثر من ألف طالب مع إضافة المرحلة الثانوية.
بناء المستقبل
غير أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع لا يزال يمثل تحدياً كبيراً. وتُقدَّر الكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 9 ملايين يورو، تشمل شراء مبنى قائم وتجديده، إلى جانب توفير التجهيزات اللازمة لإنشاء حرم تعليمي حديث.
وفي حال موافقة حكومة إقليم فلاندرز على تقديم دعم للبنية التحتية، سيظل على المنظمة غير الربحية المشرفة على المشروع جمع نحو 2.67 مليون يورو. وحتى الآن، جرى تأمين نحو 200 ألف يورو، معظمها من مساهمات عائلات المؤسسين والداعمين الأوائل. لكن أورس ترى أن جمع التمويل ليس سوى جزء من مهمة أكبر بكثير.
وقالت: “بوصفي عالمة آثار، أدرك أن اللغة هي ذاكرة الحضارة. فاللغة التي لم تعد تُعلَّم هي لغة تموت، ومعها تختفي قرون من التاريخ والإيمان والثقافة. أما كل طفل يتعلم السريانية، فإنه يمنح هذا الإرث مستقبلاً.”
ويبقى أن نرى ما إذا كانت مدرسة يشوع ستظل مشروعاً تعليمياً واحداً في ضواحي بروكسل، أم ستصبح نموذجاً يُلهم إنشاء مؤسسات مماثلة في أنحاء أوروبا.
لكن بالنسبة إلى مئات العائلات التي وضعت ثقتها بالفعل في هذا المشروع، فإن هدفه يتجاوز حدود التعليم؛ فهو استثمار في الهوية، والتزام بالحفاظ على التراث، وربما قبل كل شيء، وعدٌ بأن تظل إحدى أقدم لغات البشرية حية ومتداولة، ليس فقط في الكنائس أو داخل المنازل، بل أيضاً في الصفوف الدراسية التي يملؤها صوت جيل جديد.