
عشتار تيفي كوم - الفاتيكان نيوز/
اختتم قداسة البابا لاوُن الرابع عشر مساء السبت ٢٧ حزيران يونيو الكونسيستوار الاستثنائي الذي كان قد بدأ أمس الجمعة. وفي بداية مداخلته قال الأب الأقدس إنه يريد أولا الإعراب عن قربه وقرب مجمع الكرادلة بكامله من شعب فنزويلا المتضرر بشكل كبير من الزلزال العنيف، كما وأكد البابا صلاته من أجل الضحايا وعائلاتهم ومَن يعانون من تبعات هذه المأساة، وأضاف أنه يوكل إلى الرب جميع العاملين في الإغإثة ويسأل ألا يغيب تضامن الجماعة الدولية.
ثم تحدث البابا عن الكونسيستوار فأعرب عن امتنانه على الحرية والأخوّة والحس الكنسي التي شارك بها الكرادلة في أعمال الكونسيستوار. وأضاف أنه يحتفظ لا فقط بما تضمنته تأملاتهم بل أيضا بالخبرة التي جعلت هذه التأملات ممكنة، فقد بحثنا معا خلال هاذين اليومين عن مشيئة الله انطلاقا من الثقة بأن المسيح يواصل العمل في كنيسته، فهو مَن يسبقنا ويجمعنا ويتكلم من خلال الأخوة ويقودنا في الرسالة. ووصف البابا هنا بعلامة تعزية ورجاء رؤية كرادلة من كنائس وثقافات وأوضاع مختلفة يتبادلون الإصغاء ويبحثون معا عما يخدم بشكل أفضل الإنجيل.
وواصل البابا لاوُن الرابع عشر أننا قد بدأنا هاذين اليومين جاعلين صورة السامري الصالح تقودنا، أي شخص يتوقف أمام أخ جريح ويتأثر في أعماقه ويعتني بهذا الرجل. وأضاف الأب الأقدس أنه يريد الإشارة إلى أيقونة أخرى من الإنجيل، تلميذّي عماوس، فقد كانا هما أيضا يسيران في خوف ويأس إلا أن الرب قد رافقهما السير وأصغي إلى أسئلتهما، فسر لهما الكتب وأوقد قلبيهما وغيَّر مسارهما. وقال البابا لاوُن الرابع عشر أنه يعجبه التفكير في أن ما عشناه هاذين اليومين يحمل شيئا من هذه الخبرة، فقد سرنا معا وأصغينا بعضنا إلى بعض وتركنا فسحة للرب الذي أشعل في قلوبنا مجدَّدا الرجاء ويعيدنا الآن إلى كنائسنا لمواصلة السير بنظرة جديدة.
عاد قداسة البابا بعد ذلك إلى التأمل الختامي للمسيرة السينودسية فقال إنه قد ساعدنا على إعادة قراءة ما عشنا خلال هاذين اليومين، وأضاف إنه يرى أن السؤال حول السينودسية ليس مَن لديه سلطة القرار، بل هو سؤال أكثر عمقا، كيف يمكننا حراسة العطية التي أوكلها الله إلى كنيسته. وتابع أنه حين يصبح هذا السؤال محور تمييزنا فستجد حتى الأسئلة المتعلقة بالسلطة والمسؤولية والقرارات مكانها الصحيح تنيرها الرسالة والأمانة المشتركة للإنجيل.
وتابع البابا موكلا إلى الكرادلة مسيرة تطبيق السينودس سائلا إياهم مرافقة هذه المسيرة بتعزيز فهم حقيقي وتشجيع الجميع على المشاركة. وذكَّر قداسته بحديث الأمين العام للسينودس الكاردينال غريك عن أن السينودسية ليست مجموعة اجتماعات أو منهج عمل، بل هي أسلوب روحي ينبع من اللقاء وينمو في الإصغاء وينضج في التمييز. وذكَّر البابا بأن الكرادلة قد عرَّفوا في الجلسة الأولى، التي تمحورت حول كيفية إعلان الإنجيل في عالم اليوم، بالمعاناة الناتجة عن الحروب والعنف والفقر، وعبَّروا عن وعيهم بأن خلف هذه المآسي هناك معاناة أكبر، وتحدث قداسته عن الوحدة وأزمة العلاقات وفقدان الرجاء وصعوبة تبادل الاعتراف ببعضنا البعض كأخوة وأخوات. وأشار البابا بشكل خاص إلى حديث الكرادلة عن الشباب لامسين في تساؤلاتهم ومعاناتهم أحد أكبر جروح زمننا. وأضاف أن بحث الشباب عن علاقات حقيقية وذات معنى يُذكِّرنا بأن الإنجيل يواصل الإجابة على تطلعات أكثر عمقا للقلب البشري، ودعا البابا إلى الإصغاء إلى الشباب وعائلاتهم بتواضع. وفي حديثه عن العائلات قال الأب الأقدس إن العائلات حين يتم دعمها ومرافقتها تكبر مدرسة علاقات وتضامن ورجاء، وأشار إلى تبعات جرح العائلات وعزلها على المجتمع. وذكَّر في هذا السياق بالاستعداد للقاء في شهر تشرين الأول أكتوبر مع قادة الكنائس الشرقية ورؤساء مجالس الأساقفة لتقييم الخطوات التي تم القيام بها بعد الإرشاد الرسولي "فرح الحب"، وأضاف أن هذا اللقاء سيشهد مشاركة بعض العائلات لتقاسم خبراتها.
ثم انتقل الأب الأقدس إلى حديث الكرادلة خلال الجلسة الثانية للكونسيستوار، المخصصة لموضوع ثقافة القوة وحضارة المحبة، عن السلام، وقال إن هذه الحلسة قد جعلتنا نقوم بخطوة إضافية وأن الكرادلة قد استقبلوا بوضوح واحدة من أفكار الرسالة العامة "الإنسانية الرائعة". فالحرب ليست نزاع بين الدول بل هي تنشأ قبل ذلك من القوة التي تميز أسلوب تفكيرنا وعيش العلاقات وممارسة السلطة واستخدام الاقتصاد والتكنولوجيا، بل وحتى الدين. وأكد أن الرد على هذا يتطلب بناء ثقافة تعاون وحوار قادرة على منح قوة جديدة لتعددية الأطراف كي تتعلم الشعوب مجدَّدا البحث معا عن الخير العام للعائلة البشرية بكاملها. وسلط قداسته الضوء على أهمية دور المؤمنين العلمانيين العاملين في الحياة العامة والذين يحتاجون إلى قرب ودعم الجماعة الكنسية من أجل عيش "المحبة السياسية". وأشار قداسته إلى حديث بعض الكرادلة عن الإجابة غير العنيفة أمام أشكال العنف الكثيرة، وقال إن هذا شكل إنجيلي لسكن التاريخ هو ثمرة التأمل في أسلوب يسوع. وأضاف أن هذا أسلوب لا يتنازل عن الحق لكنه يرفض اعتبار الآخر عدوا، إنه أسلوب يبدأ بتجريد الذات من السلاح ما يكشف منطق الفصح الذي تظهر فيه المحبة أكثر قوة من الكراهية، وتزيل المغفرة دوامة الانتقام. هذه هي قوة المسيح المصلوب القائم من بين الأموات، قوة لا تدمر العدو بل تجعل من الممكن العثور على أخ.
هذا وتوقف البابا لاوُن الأربع عشر عند حديث بعض الكرادلة عن ضرورة التعمق في مفهوم الحرب العادلة، وهو ما يجب القيام به بحزم لاهوتي ورعوي. كما وأشار إلى اهتمام الكرادلة بالحديث عن العقيدة الاجتماعية للكنيسة والتي، وحسبما تابع الأب الأقدس، لا تقدم حلولا جاهزة بل تربي الكنيسة على أسلوب إنجيلي لعيش الواقع وتفسيره وتوجيه العمل بشكل مسؤول.
وفي حديثه عن أعمال الكونسيستوار فيما يتعلق بالموضوع الثالث، أي بناء الخير العام، سلط البابا لاوُن الرابع عشر الضوء على أن الكثير من الكرادلة قد أشاروا إلى أن الخير العام اليوم ليس مجرد هدف نسعى لبلوغه، بل هو واقع يجب إعادة اكتشافه معا. وأضاف أننا نعيش زمنا يصبح فيه من الصعب حتى التعرف على ما هو بالفعل خير للجميع، وبالتالي فإن الكنيسة، متجذرة في المسيح، هي مدعوة إلى حماية أماكن اللقاء والإصغاء والحوار التي يمكن فيها أن تنمو ثقافة خير عام متجددة. ويتطلب هذا عملا تربويا صبورا يساعد على الاعتراف بالكرامة التي لا يمكن المساس بها لكل شخص، ومسؤوليتنا بعضنا إزاء البعض. وقال البابا في هذا السياق إن الفقراء ليسوا فقط مَن تُوجَّه إليهم عنايتنا بل هم أبطال رجاء الله الذي يواصل الرب تحفيزه في التاريخ.
ثم أشار البابا إلى أمر آخر برز خلال جلسات الكونسيستوار ألا وهو أن الكرادلة، وبينما كنا نتساءل حول مسؤولية الكنيسة في عالم اليوم، قد أشاروا إلى أهمية الشهادة والقرب وتكوين الضمائر وتأسيس جماعات أخوية وصادقة. وقال البابا إن هذه الشهادة تولد من اللقاء بالمسيح، من كلمته ومن الأسرار، وأضاف أن الكنيسة مدعوة إلى أن تكون بشكل أكبر دائما ما تعلنه، وعلى هذا الأساس يجب أن تأتي بثمارها أيضا الإصلاحات الضرورية للبنى والمؤسسات والمسيرات.
أكد البابا لاوُن الرابع عشر بعدى ذلك أن هاذين اليومين قد قويا رجاءه، وذلك لا فقط انطلاقا مما تقاسمناه، قال قداسته، بل بالطريقة التي حققنا بها هذا، وأضاف أنه في زمن يطبعه الاستقطاب فإن الأسلوب الذي به تصغي الكنيسة وتتحاور يصبح جزءً من إعلانها. وأكد البابا ثقته في أنه في حال عرفنا أن نواصل البحث معا عن إرادة الرب، جاعلين الروح القس يقودنا، فستصبح شركتنا أكثر خصوبة لرسالة الكنيسة ولخدمة العائلة البشرية كلها. وأضاف الأب الأقدس أنه يرى أننا خطوة تلو الأخرى نعيد اكتشاف معنى الكونسيستوار، أي اجتماع مجمع الكرادلة حول خليفة القديس بطرس كي يساعد الروح القدس البابا في قيادة الكنيسة من خلال الإصغاء المتبادل والتمييز المشترك. وقال البابا إننا لا نتحدث عن برلمان تسود فيه الآراء والمصالح، بل عن خبرة شركة في خدمة الرسالة. وأكد البابا أن ما نتعلم عيشه هذه الأيام لا يتعلق فقط بمجمع الكرادلة، بل هو أسلوب نحن مدعوون إلى تعزيزه في الكنيسة كلها من أجل أن يشارك كل معمَّد حسب دعوته ومسؤوليته في بناء حضارة المحبة وخدمة الخير العام. وأضاف الأب الأقدس أنه ينوي مواصلة هذا اللقاء السنوي بدءً من السنة القادمة وقال إنه لم يتحدد التاريخ بعد وسيطلع عليه الكرادلة قبل نهاية العام.
وفي ختام كلمته قال البابا لاوُن الرابع عشر إن هذا الكونسيستوار كان لحظة ثمينة لكن لا يجوز أن يظل حدثا منعزلا، وشدد على الرغبة في تعزيز فسحات في الكنيسة كلها يمكمن فيها لشعب الله تبادل الإصغاء والصلاة والتمييز والسير معا. وهذه هي روح تطبيق السينودس، أضاف البابا.
هذا وأراد قداسة البابا تبني نداء وُجه بالإجماع خلال الكونسيستوار، بل ويريد أن نوجه هذا النداء معا، قال الأب الأقدس وأضاف: فلنقل هذا لأخوتنا الأساقفة والكنائس الموكلة إلى خدمتنا وإلى كل شعوب الأرض، الله يريد السلام لكل أمة ولكل شعب. ولهذا لا يمكننا الاستسلام أمام العنف، لن تكون للعنف الكلمة الأخيرة. وأضاف البابا أن الله يواصل فتح مسارات مصالحة وسلام في التاريخ، وعلينا مسؤولية السير على هذه المسارات بشجاعة ومساعدة العالم على التعرف عليها.