
كنيسة مار توما للسريان الكاثوليك في الموصل، التي كُرّست عام 1863، وتُعد من المعالم التاريخية البارزة للتراث السرياني الكاثوليكي في المدينة. حقوق الصورة: المصوّر Mar Sharb، عبر Wikimedia Commons، بترخيص Creative Commons Attribution 2.0 (CC BY 2.0).
تقرير تاريخي – عشتارتيفي كوم
تُعد كنيسة مار توما للسريان الكاثوليك في الموصل من المعالم الكنسية البارزة في المدينة القديمة، وشاهداً على تاريخ أبناء الكنيسة السريانية الكاثوليكية وإسهامهم في الحياة الدينية والثقافية والتعليمية في نينوى. وقد شُيّدت الكنيسة في القرن التاسع عشر، ثم تحولت إلى مركز رعوي وثقافي احتضن جماعة كهنة المسيح الملك ومجلة «الفكر المسيحي» ومركزاً لدراسات الكتاب المقدس ومتحفاً ومكتبة، قبل أن تتعرض لأضرار وانتهاكات خلال سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على الموصل.
الموقع وتاريخ التأسيس
تقع الكنيسة في المدينة القديمة من الموصل، على الضفة الغربية لنهر دجلة، ضمن المنطقة التاريخية التي احتضنت على مدى قرون مؤسسات وكنائس مسيحية متعددة.
وبحسب التوثيق التاريخي المنشور في موقع Mesopotamia Heritage، وُضع حجر الأساس للكنيسة في الأول من نيسان عام 1860، خلال عهد البطريرك أنطون الأول سمهرية، واستمر بناؤها ثلاث سنوات. واحتُفل بعيد الميلاد فيها قبل اكتمال أعمالها النهائية، ثم جرى تكريسها رسمياً في عيد البشارة، في 25 آذار 1863.
وجاء تشييد الكنيسة في مرحلة شهدت تنظيم العلاقة بين المؤسسات الكنسية السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية في الموصل، إذ كانت الطائفتان تتجهان إلى تثبيت مؤسساتهما وكنائسهما الخاصة. وأصبحت كنيسة مار توما إحدى العلامات البارزة للحضور السرياني الكاثوليكي في المدينة.
عمارة سريانية مميزة وباب ملكي من رخام الموصل
تُجسّد الكنيسة نموذجاً مميزاً للعمارة السريانية المقدسة، إذ يتألف بناؤها من ثلاثة أروقة، وتستند أقبيتها إلى أعمدة مثمنة الأضلاع. ومن أبرز عناصرها المعمارية الباب الملكي المصنوع من رخام الموصل، والمزيّن بنقوش حجرية دقيقة، فضلاً عن الأقواس والزخارف التي تعكس مهارة البنّائين والحرفيين المحليين.
وتضم الكنيسة زخارف كتابية باللغة العربية تتضمن آيات من الأناجيل، إلى جانب عناصر فنية ودينية تعبّر عن التقاليد الليتورجية السريانية. وقد تعرضت أجزاء من المذبح والديكورات الداخلية لأضرار كبيرة خلال فترة سيطرة داعش، فيما أصاب صاروخ سقف الكنيسة وألحق أضراراً بالقبو في أثناء معارك تحرير الموصل.
مركز رعوي وثقافي يتجاوز جدران الكنيسة
لم تكن كنيسة مار توما مكاناً لإقامة الصلوات والقداديس فحسب، بل تحولت خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى مركز مهم للنشاط الرعوي والثقافي في الموصل.
ففي عام 1962 تأسست فيها جماعة كهنة المسيح الملك، التي سعت إلى تكريس العمل الكهنوتي لخدمة المجتمع والشباب. وكان الأب بيوس عفّاس من أبرز الشخصيات المرتبطة بهذه الجماعة، إذ خدم راعياً للكنيسة من عام 1964 حتى عام 2014.
ومن أبرز المؤسسات التي ارتبطت بالكنيسة:
وقد جعلت هذه المؤسسات من الكنيسة مركزاً ثقافياً ومعرفياً، لا يقتصر تأثيره على أبناء الرعية، بل يمتد إلى الباحثين والمهتمين بتاريخ الموصل وتراثها المسيحي.
داعش ومحاولة تدمير الإرث الكنسي
مع سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على الموصل عام 2014، تعرضت الكنيسة ومرافقها الملحقة لاعتداءات وأضرار طالت المباني ومقتنياتها التراثية. وتشير الوثائق التي نشرها موقع Mesopotamia Heritage إلى أن التنظيم كان يخطط لتفجير الكنيسة، إذ وضع علامات على الأعمدة وفي منطقة المذبح لتحديد مواضع المتفجرات، لكنه لم ينفذ المخطط.
وتضررت أيضاً أجزاء من المباني الملحقة، فيما تعرضت المكتبة والمقتنيات التراثية للخسارة والنهب. وتذكر التوثيقات أن بعض السكان احتفظوا بكتب ووثائق عثروا عليها قرب الكنيسة، ثم أعادوها لاحقاً إلى القائمين عليها، في شهادة على أهمية حماية التراث المحلي حتى في أصعب الظروف.
وبعد تحرير الموصل في أواخر حزيران 2017، بدأت أعمال تنظيف الكنيسة وإعادة تأهيلها جزئياً، في مسعى للحفاظ على المبنى واستعادة مكانته في الحياة الدينية للمدينة. وفي 3 تموز 2018، أُقيم احتفال ديني في الكنيسة بمشاركة نحو مئة شخص، في مناسبة عكست عودة النشاط الكنسي إلى هذا الموقع التاريخي.
كنيسة مار توما وذاكرة مسيحيي الموصل
تكتسب كنيسة مار توما للسريان الكاثوليك أهميتها من اجتماع عدة عناصر فيها: تاريخ يمتد إلى القرن التاسع عشر، وعمارة سريانية مميزة، ومؤسسات رعوية وثقافية أسهمت في الحياة الفكرية للمسيحيين في العراق.
كما أن تاريخها يوضح أن الكنائس في الموصل لم تكن أماكن عبادة فقط، بل كانت مراكز للتعليم والنشر وحفظ المخطوطات وتوثيق الذاكرة الجماعية. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذا الصرح وإعادة تأهيل مرافقه ومقتنياته يمثلان جزءاً من الجهود الأوسع لصون التراث المسيحي في نينوى.
وتبقى كنيسة مار توما للسريان الكاثوليك شاهداً على تجذّر أبناء الكنيسة السريانية الكاثوليكية في الموصل، وعلى ما قدموه من إسهامات دينية وثقافية، وعلى أهمية حماية هذا الإرث للأجيال المقبلة.