
المقدمة: الشجرة العريقة بين الدجلة والفرات ونبض التاريخ
تظلّ مسألة "الهوية" لأبناء أرض الرافدين من الكلدان والسريان والأشوريين قضيةً تتجاوز حدود الجدال السياسي العابر، أو السجال اللغوي والنخبوي الضيق. إنها نداءُ أرضٍ شهدت فجر الحضارة الإنسانية الأولى، وصوتُ شعبٍ امتزجت دماؤه وترابه بعرق الآباء والأجداد عبر آلاف السنين. إن هويتنا ليست مجرد انتماءٍ جغرافي جامد، بل هي شجرةٌ مباركة ضربت جذورها في عمق تاريخ بابل وآشور ونينوى، وتظللت أغصانها بنسمات الروح القدس، لتغدو شاهدةً للحق، وللأمانة، وللإيمان العميق في قلب الشرق الأوسط.
حين نتأمل في واقعنا المعاصر، نرى لزاماً علينا أن نعود إلى الجذور، وأن نقرأ التاريخ بعين الفاحص الحكيم لا بعين المتحزب، لندرك أننا كنا وسنبقى أبناء أرومة واحدة، نبتت في بستان الفرات ودجلة، وترعرعت تحت سماء تاريخ عريق طالما أضاء العالم بالمعرفة والحضارة.
أولاً: البعد التاريخي والحضاري – وحدة الجذور ولسان النعمة
تؤكد الشواهد التاريخية والحضارية المتكاثرة أن المكونات (الكلدانية، السريانية، والآشورية) تشربت من نبعٍ حضاري ولغوي واحد، فمهما تباعدت العصور أو اختلفت الألقاب، فإن اللسان الآرامي والسرياني الذي يتكلمه هذا الشعب ليس مجرد أداة للتواصل اليومي البسيط، بل هو لسانٌ مبارك تَبَارَكَ وحَظِيَ بِقُدْسِيَّةٍ إِلهِيَّةٍ حين نطق به السيد المسيح له المجد، وحُفظت به أعمق النصوص اللاهوتية، والفلسفية، والعلمية، والأدبية التي أثرت الإنسانية جمعاء.
وفي هذا السياق، يشهد المؤرخ الكبير مار ميخائيل السرياني في سفره الخالد قائلاً:
"إن أبناء هذه الأرض، وإن اختلفت ألقابهم بمرور العصور وتغير الممالك، فإنهم يرجعون إلى أرومة واحدة، وسلسلة تاريخية لا تنقطع، جمعتهم اللغة والدم والرقعة الجغرافية الواحدة الممتدة من نينوى وبابل إلى الرها وتدمر."
إن التسميات المتعددة التي نراها اليوم لم تكن في أصلها تعبيراً عن تمايز في الجين القومي أو العرقي، بل كانت نتيجةً لتقلبات سياسية، وصراعات إمبراطوريات بائدة، وانقسامات كنسية وتاريخية جرت عبر القرون الوسطى. فالأصل جذرٌ واحد، والأرض واحدة، والتاريخ الحقيقي يجمع أكثر بكثير مما يفرق.
ثانياً: البعد الروحي والإيماني – الهوية العليا في المسيح
إذا كان التاريخ والجغرافيا يمنحاننا انتماءنا الترابي، فإن الروح القدس يمنحنا هويتنا السماوية والجامعة. لا يمكن قراءة هوية المسيحيين في الشرق بغير البعد الإيماني والكنسي العابر للحدود الضيقة؛ فالإيمان المسيحي لا يمحو الخصوصية الحضارية للشعوب، بل يرفعها ويقدسها ويصقلها بروح المحبة.
يقول قديس الأمم بولس الرسول بكلمات مقدسة توحد ولا تفرق:
﴿لأَنَّكُمْ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعاً وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ﴾ (غلاطية 3: 27-28).
فالمسيحية في جوهرها تجعل من المحبة والوحدة معياراً أساسياً للوجود والشهادة. وإن التعصب للتسميات الضيقة على حساب المحبة الأخوية ووحدة الكلمة، ينقض جوهر الرسالة التي استشهد من أجلها آلاف القديسين، والشهداء، والمعترفين على مر العصور في أرض الرافدين.
ويذكّرنا القديس مار أفرام السرياني، قيثارة الروح القدس، بحكمة بليغة:
"المحبة هي السور الحقيقي الذي لا ينهدم، وهي الرباط الإلهي الذي يجمع المتفرقين. بالحب نعرف أننا تلاميذه الحقيقيون، لا بكثرة الألقاب والانتساب إلى المظاهر الفارغة."
ثالثاً: مدرسة الآباء والقديسين – الشهادة والوحدة المصيرية
لقد قدّم هذا الشعب العظيم للعلامة الإنسانية أعمق فكر لاهوتي وروحاني عبر التاريخ من خلال مدارس نُصيبين، والرها، وسلوقية، ومدرسة المدائن. ولم يكن آباؤنا الأجلاء ينظرون إلى أنفسهم إلا كأعضاء فاعلين في جسد المسيح الحي الواحد.
يقول القديس مار يعقوب السروجي في تأملاته العميقة:
"إن الكنيسة ليست أحجاراً متفرقة بلا روح، بل هي حجارة حية تُبنى بالروح القدس والصلاة. من يزرع شقاقاً أو فرقة بلسانه، فإنه يهدم بيديه ما بناه الآباء والأجداد بدموع التوبة والتعب."
كما يعلمنا مار إسحق النينوي عن نقاوة القلب وشمولية الرحمة:
"ما هو القلب الرحوم؟ إنه احتراق القلب بأسره من أجل الخليقة كلها... من أجل البشر والطبيعة."
فكيف إذا كان هذا الاحتراق والرحمة موجهاً نحو الأخ في الإيمان والدم واللغة والهم التاريخي المشترك؟ إن أقوال الآباء توقظ فينا الوعي بأن قوتنا تكمن في وحدتنا، وأن الضعف والشتات هما الثمرة المرة لغلبة الذات والغرور على صوت الروح القدس.
رابعاً: البعد الأدبي والتجذر في الوطن والرجاء
إن هويتنا في أرض الرافدين ليست مجرد حنيناً عاطفياً إلى أمجاد الماضي البابلي أو الأشوري فحسب، بل هي فعل رجاء ومواطنة حية في الحاضر وصناعة للمستقبل. فبالرغم من كل المحن القاسية، والهجرات الموجعة، والتحديات الجسيمة التي واجهت هذا الشعب، يبقى البقاء والثبات في الوطن الأم — في عنكاوا الأبية، وسهل نينوى المبارك، وبغداد التاريخ، وكل شبر من أرض العراق الحبيب — هو السياج الحقيقي والسلاح الأبدي للحفاظ على الهوية من شبح الاندثار والنسيان.
وكما جاء في النبوءة الخالدة في سفر أشعياء النبي:
﴿فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَكُونُ سِكَّةٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى أَشُورَ... فَيَأْتِي أَشُورُ إِلَى مِصْرَ، وَمِصْرُ إِلَى أَشُورَ، وَيَعْبُدُ الْمِصْرِيُّونَ مَعَ الأَشُورِيِّينَ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ إِسْرَائِيلُ ثَالِثاً لِمِصْرَ وَلأَشُورَ، بَرَكَةً فِي وَسَطِ الأَرْضِ، بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُورُ، وَنَصِيبِي إِسْرَائِيلُ﴾ (أشعياء 19: 23-25).
هذه البركة الإلهية العظيمة تذكّرنا دائماً بأن لأبناء هذه الأرض رسالةً حضارية وإنسانية لم تنتهِ فصولها، وأن وجودهم المؤثر هو ملحٌ لهذه الأرض ونورٌ ساطع لخارطتها الوطنية والاجتماعية.
الخاتمة: نداء للوحدة، النور، والمسؤولية
إن هويتنا الجامعة (الكلدانية السريانية الآشورية) هي نسيجٌ مُذهب فريد، يجمع بين ثراء الحضارة، وقداسة الإيمان، وجمال اللغة، وعمق الانتماء الوطني.
إن نداء الساعة الموجه إلى كل صاحب ضمير حي، وإلى كل مثقف وغيور من أبناء جلدتنا، يدعونا إلى:
تجاوز الجدالات العقيمة: وترك الصراعات الاسمية جانباً، والتركيز على ما يجمع الشمل ويصلح بنيان المجتمع المسيحي والوطني.
التمسك بالأصول والتراث: وتعليم اللغات الأم ونقل القيم الروحية والأخلاقية بأمانة تامة إلى الأجيال الناشئة.
العيش برسالة المحبة والسلام: ليكون وجودنا في أرض الرافدين شهادة حية ومضيئة للمسيح وللإنسانية جمعاء.
فلنرفع قلوبنا معاً متضرعين بالكلمات المباركة: "يا رب السلام، اجعل إيماننا سياجاً يميناً وشمالاً، ومحبتنا وحدةً جامعة، وأرضنا مباركة بنورك الإلهي، لكي نكون حقاً نوراً للعالم وملحاً لهذه الأرض الطيبة."
ولإلهنا القدوس كل المجد والكرامة والسلطان، من الآن وإلى الأبد. آمين.