
قلعة أورارتية في موقع تشافوش تبه شرقي تركيا، صورة توضيحية للعمارة الدفاعية في مملكة أورارتو. حقوق الصورة: Martijn Munneke / Wikimedia Commons، مرخصة بموجب CC BY 2.0.
عشتارتيفي كوم/
موش – عشتارتيفي كوم: اكتشف علماء آثار قلعة ضخمة تعود إلى نحو 3 آلاف عام قرب قرية مسجيدلي في ولاية موش شرقي تركيا، تبلغ مساحتها نحو 120 ألف متر مربع، أي ما يعادل مساحة 17 ملعباً لكرة القدم، فيما تمتد تحصيناتها الحجرية لنحو 1.4 كيلومتر.
وتكتسب الاكتشافات أهمية خاصة بسبب احتمال ارتباط الموقع بمدينة أرزاشكون (Arzashkun)، العاصمة الملكية المبكرة لمملكة أورارتو، والتي لا يزال موقعها الدقيق مجهولاً حتى اليوم، فيما عُرفت تاريخياً من خلال السجلات الآشورية التي تحدثت عن حملة الملك الآشوري شلمنصر الثالث ضدها في القرن التاسع قبل الميلاد.
قلعة بحجم استثنائي
وبحسب تقرير Arkeonews المنشور في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، رصد عالم الآثار التركي مليك ميربي أومير أوغلو مؤشرات غير طبيعية في صور الأقمار الصناعية للمنطقة، قبل أن تكشف المعاينة الميدانية عن بقايا تحصينات ضخمة.
وأظهرت الدراسة الأولية جدراناً مبنية بأحجار كبيرة وفق تقنيات البناء الحجري المعروفة في مواقع من العصر الحديدي المبكر، فيما يصل ارتفاع بعض أجزاء الجدران الخارجية إلى نحو أربعة أمتار، وتصل مساحة الموقع المحصن إلى قرابة 120 ألف متر مربع.
كما عُثر داخل الموقع على آثار منشآت وبقايا أبنية، إلى جانب بنية دائرية كبيرة في القسم الجنوبي، يُعتقد أنها ربما كانت مرتبطة بإدارة المياه، لكن وظيفتها لم تُحسم بعد.
هل تكون أرزاشكون المفقودة؟
الجانب الأكثر إثارة في الاكتشاف هو احتمال ارتباط القلعة بمدينة أرزاشكون، التي كانت مركزاً ملكياً مبكراً للملك الأورارتي أرامي/أرَمُو.
ووفق دراسة أكاديمية منشورة عبر Cambridge University Press، فإن حملة شلمنصر الثالث عام 856 قبل الميلاد تُعد من أهم المصادر الآشورية لإعادة بناء جغرافية شرقي الأناضول في تلك الفترة، وقد ارتبطت بالحرب ضد أرامي ومملكة أورارتو.
وتؤكد قاعدة Open Richly Annotated Cuneiform Corpus (Oracc) التابعة لمشروعات الدراسات المسمارية بجامعة بنسلفانيا، أن نقوش شلمنصر الثالث الآشورية تسجل حملاته ضد مدن أرامي في أورارتو. كما تحفظ المصادر المسمارية الآشورية إشارات إلى مدينة أرزاشكون باعتبارها مدينة ملكية لأرامي.
السجل الآشوري يحفظ قصة المدينة
وتكتسب أرزاشكون أهمية خاصة في التاريخ الآشوري والأورارتي لأنها ظهرت في رواية الملك الآشوري شلمنصر الثالث عن حملته العسكرية.
وتشير النصوص الآشورية إلى أن شلمنصر وصل إلى أرزاشكون، ووصفها بأنها المدينة الملكية لأرامي، ثم أعلن الاستيلاء عليها وتدميرها خلال حملته في القرن التاسع قبل الميلاد. وتظهر هذه الحملة أيضاً في الدراسات الحديثة التي تعتمد على المصادر الآشورية لإعادة بناء جغرافية أورارتو المبكرة.
وبذلك، فإن أهمية الموقع المكتشف لا تكمن في كونه موقعاً آشورياً، بل في احتمال أن يساعد علماء الآثار على تحديد مدينة ورد اسمها في النصوص الملكية الآشورية، وتوفر معلومات جديدة عن المرحلة المبكرة من تاريخ أورارتو وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع آشور.
من أورارتو إلى وان
كانت أورارتو قوة إقليمية بارزة في شرقي الأناضول خلال العصر الحديدي، ودخلت في صراع متكرر مع الإمبراطورية الآشورية.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن أرزاشكون لم تُحدد بشكل نهائي حتى الآن، وأن انتقال مركز القوة الأورارتي لاحقاً إلى توشبا، قرب وان الحالية، يمثل مرحلة مهمة في تطور المملكة. لذلك فإن العثور على موقع يمكن أن يعود إلى هذه المرحلة المبكرة سيكون مهماً لفهم نشأة الدولة الأورارتية وتوسعها.
الحفريات المقبلة قد تحسم اللغز
ولا تزال فرضية كون الموقع المكتشف هو أرزاشكون غير مثبتة، إذ تحتاج إلى مزيد من الحفريات والتحليلات الأثرية.
ومن المنتظر أن تساعد دراسة الفخار، والطبقات الأثرية، والمواد العضوية، والفحوص العلمية في تحديد عمر الموقع ووظيفته بدقة أكبر. كما تقدم أي كتابة مسمارية أو نقش ملكي يُعثر عليه مستقبلاً فرصة استثنائية لتحديد هوية الموقع وربطه مباشرة بأحد حكام أورارتو.
وقد تقدم الباحث أومير أوغلو بطلب إلى المجلس الإقليمي لحماية التراث الثقافي في وان لتسجيل الموقع وحمايته رسمياً، بالتزامن مع استمرار العمل البحثي عليه.
ويفتح الاكتشاف، إذا أثبتت الأبحاث ارتباطه بأرزاشكون، نافذة جديدة على مرحلة مبكرة من تاريخ المنطقة، حين كانت أورارتو في طور تشكلها، وكانت السجلات الملكية الآشورية تسجل صراعاتها مع آشور وتوثق أسماء مدنها وملوكها.