
"لَكِنَّ وَاحِداً مِنَ العَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ" (يوحنا 19: 34)
تجلس البشرية اليوم على مفترق طرق بين القلق والبحث عن الأمان، وبين الشعور بالثقل الخطيئة والرغبة في الحرية الروحية. في وسط هذا العالم المجهد، تأتي رسالة "الرحمة الإلهية" لتعلن وُجود ملجأ أخير وأبدي للإنسان: قلب يسوع المطعون بالحربة، الذي فاض منه الدم والماء ليرويا جفاف العالم.
ليس هذا الرمز المذكور في إنجيل يوحنا مجرد حادثة تاريخية مرّت على جبل الجمجمة، بل هو "مان فستو" الخلاص الإلهي، والرؤية اللاهوتية التي تجسدت بأبهى صورها في يوميات القديسة البولندية ماريا فاستينا كوفالسكا (رسولة الرحمة الإلهية).
أولاً: الرمزية اللاهوتية لخروج الدم والماء من جنب المسيح
عندما طُعن جنب المسيح بالحربة على الصليب وهو ميت، ظهرت معجزة الخلاص: تدفق الدم والماء. في اللاهوت المسيحي، لم يكن هذا الحدث مجرد دليل طبي على موت المسيح، بل كان إعلاناً عن ولادة الكنيسة وانبثاق الأسرار المقدسة:
ثانياً: رؤيا القديسة فاستينا وسر الشعاعين
في 22 شباط/فبراير 1931، حظيت القديسة فاستينا برؤية غيّرت تاريخ التعبد الكنسي؛ حيث ظهر لها المسيح يرتدي ثوباً أبيض، ومن صدره المفتوح يخرج شعاعان كبيران: أحدهما أحمر والآخر أبيض (أو شفاف).
عندما سألت فاستينا عن معنى هذين الشعاعين، جاء الجواب الإلهي مدوّناً في دفترها (الفقرة 299):
وقد قال لها يسوع:
"هذان الشعاعان نبعا من أعماق رحمتي عندما انفتح قلبي المطعون بالحربة على الصليب... طوبى لمن يستظل بهما، لأن يد العدل الإلهي لن تطاله."
إن الصورة التي أُمِرت فاستينا برسمها، والتي تحمل في أسفلها العبارة الشهيرة: "يا يسوع، أنا أثق بك" (Jezu, ufam Tobie)، ليست لوحة فنية للتزيين، بل هي "وعاء النعمة" الذي يغرف منه المؤمن الثقة والسلام. إن الشعاعين يمتدان من القلب إلى الخارج باتجاه العالم أجمع، وكأنهما يدين إلهيتين تمتدان لتحتضنا البشرية جمعاء.
ثالثاً: لاهوت الرحمة والعدل في يوميات فاستينا
تُقدم يوميات القديسة فاستينا ("الدفتر") صياغة لاهوتية عميقة لعلاقة الرحمة بالعدل الإلهي، وتتضح هذه العلاقة من خلال النقاط التالية:
"قبل أن آتي كقاضٍ عادل، أفتح أولاً أبواب أشرعة رحمتي واسعة. ومَن يرفض المرور عبر باب رحمتي، يتوجّب عليه المرور عبر باب عدلي." العصر الحالي هو "وقت مستقطع من النعمة"، حيث يحث الله البشرية على التوبة والالتجاء إلى الرحمة قبل انقضاء الزمن.
رابعاً: الصلوات الموحاة وخلاص المتألمين والمحتضرين
لم تتركنا رسالة الرحمة الإلهية أمام أفكار نظرية فقط، بل قدمت لنا ممارسات روحية وصلوات أملاها المسيح بنفسه لنجدة النفوس المتألمة:
صلاة تُتلى باستخدام حبات الوردية، وتعتمد على تقديم ذبيحة المسيح الخلاصية إلى الآب الأزلي:
في يومياتها، تُشدد فاستينا على أن تلاوة هذه المسبحة بجانب الشخص الذي يخوض نزاع الموت تُعد من أعظم أعمال الرحمة الروحية. كتبت في الفقرة 687:
"عندما يُتلى هذه المسبحة إلى جانب شخص يحتضر، أقفُ أنا بين الآب والنفس المحتضرة، ليس كقاضٍ عادل، بل كمخلصٍ رحيم."
إن الصلاة من أجل المتألمين تفتح أبواب الرجاء حتى للنفوس التي يئست من الخلاص، وتنزع الخوف والاضطراب من قلب المحتضر في ساعاته الأخيرة.
خادمة الرحمة ومسؤوليتنا اليوم
يا أخي ويا أختي المشارك في التأمل بهذه الكلمات، إن إعلان الرحمة الإلهية ليس مجرد تعبد فردي، بل هو دعوة لممارسة الرحمة مع الآخرين. ففي الفقرة 742، تُذكرنا فاستينا بالطرق الثلاث لممارسة الرحمة: بالعمل، بالكلمة، وبالصلاة.
لننظر إلى صليب ربنا يسوع المسيح، ونرتوي من ذلك الماء والدم الخارجيْن من جنبه الشريف. دعونا نردد بثقة وثبات، في صلب محننا وآلامنا:
"يا دم وماء، يا من فاضا من قلب يسوع كينبوع رحمة لنا، إننا نثق بكما. يا يسوع، نحن نثق بك."
آمين