كثيراً ما نشنف آذاننا بالتصريحات الرسمية والندوات التي تنادي بضرورة "عودة المكون المسيحي" إلى ديارهم الأصيلة في نينوى. هي دعوات تبدو في ظاهرها وطنية بامتياز، لكنها حين تصطدم بصخرة الواقع، نجدها تفتقر إلى الأرجل التي تمشي عليها. فكيف نطالب إنساناً بالعودة إلى مكانٍ لا يزال يفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة؟
الواقع المزري: الفجوة بين "هلموا" و "ابقوا"
الحديث عن العودة لا يمكن أن يكون مجرد عاطفة، بل هو استحقاق مادي ومعنوي. الواقع اليوم في مناطق المكون المسيحي يشهد تحديات جسيمة تجعل من دعوات العودة نوعاً من "التمنيات" غير الواقعية:
- البيئة الخدمية المتهالكة: تعاني الكثير من القرى والبلدات من نقص حاد في الخدمات الأساسية؛ من كهرباء وماء وبنى تحتية مدمرة لم تجد طريقاً حقيقياً للإعمار الشامل.
- الجرح الأمني والنفسي: العودة لا تعني السكن في بيت فقط، بل الشعور بالأمان. لا يزال هناك نوع من القلق من التغييرات الديموغرافية والتدخلات التي تزعزع استقرار المنطقة.
هل تقدر حكومة نينوى على الإيفاء بالوعود؟
السؤال الجوهري ليس "هل تريد الحكومة؟" بل "هل تقدر؟". إن قدرة الحكومة المحلية في نينوى على استقطاب العائدين مرتبطة بركائز أساسية لا تقبل التأجيل:
- فرص العمل والتعيين: إن الشاب المسيحي الذي استقر في دول الاغتراب ، وبنى لنفسه مساراً مهنياً مستقراً، لن يفكر في العودة ليواجه شبح البطالة أو التهميش الوظيفي. إن غياب المصانع، وتراجع القطاع الزراعي، وضعف الاستثمارات في القطاع الخاص في نينوى، يجعل من شعار "العيش بكرامة" مجرد استهلاك إعلامي ما لم يقترن بـ توفير درجات وظيفية حقيقية (تعيينات) تضمن للخريجين والشباب دخلاً ثابتاً ومستقبلاً آمناً، وتُنهي سياسة الإقصاء غير المعلنة في بعض المؤسسات، ليشعر العائد بأنه مواطن فاعل وليس مجرد رقم عابر.
- استرداد الحقوق المسلوبة: هناك ملفات شائكة تتعلق بالأملاك والعقارات التي تم الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية. إن لم تضرب الدولة بيد من حديد لاستعادة كل شبر مسلوب، سيبقى المسيحي يشعر بأنه "غريب" في أرضه.
- المشاركة السياسية الحقيقية: لا يكفي أن يكون المكون موجوداً كعدد، بل يجب أن يكون فعالاً في صنع القرار في نينوى، ليشعر بأنه شريك في الأرض وليس مجرد ضيف يُطلب منه الحضور لإكمال اللوحة الفسيفسائية.
استرداد الكرامة قبل استرداد الأشخاص
إن المطالبة بالعودة دون توفير "حياة تليق بالإنسان" هي مطالبة مجحفة. العودة الحقيقية تبدأ بـ:
- توفير صندوق إعمار حقيقي مخصص لمناطق الأقليات.
- تفعيل قوانين صارمة تحمي الملكية الخاصة وتنهي ملف التجاوزات.
- خلق بيئة استثمارية تشجع المغتربين على نقل رؤوس أموالهم لفتح مشاريع في مناطقهم.
الخلاصة:
الوطن ليس جدرانًا متهالكة، بل هو شعور بالأمان والعدالة وتكافؤ الفرص. قبل أن تسألوا المسيحيين "لماذا لا تعودون؟"، اسألوا أنفسكم: "ماذا أعددنا لهم لكي يعيشوا بكرامة؟". إن استعادة المكون المسيحي لنينوى هي اختبار لمدى جدية الدولة في بناء مفهوم المواطنة الحقيقي، بعيداً عن لغة الأرقام والمجاملات السياسية.