
عشتارتيفي كوم- أبونا/
كشفت دراسة علمية جديدة نُشرت في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature عن تفاصيل غير مسبوقة حول الحمض النووي الموجود على كفن تورينو، أحد أكثر القطع الدينية إثارةً للجدل في العالم. إلا أن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تحسم الجدل القائم منذ عقود بشأن عمر الكفن أو أصله، بل ترسم صورةً أكثر تعقيدًا لتاريخه البيولوجي عبر القرون.
ويُعد كفن تورينو، الذي يحتفظ به في مدينة تورينو الإيطالية، من أكثر القطع الأثرية دراسةً في التاريخ. ويعتقد كثير من المؤمنين أنه الكفن الذي لُفّ فيه جسد السيد المسيح بعد الصلب، بينما يرى باحثون آخرون أنه يعود إلى العصور الوسطى، وهو نقاش لم يُحسم علميًا حتى اليوم.
وجاءت الدراسة ثمرة مشروع بحثي امتد بين أيلول 2022 وكانون الأول 2025، ونفذته جامعتا بادوفا وبافيا بالتعاون مع مؤسسات علمية وطنية ودولية. واستخدم الباحثون تقنية الميتاجينوميات، وهي منهج يسمح بتحليل جميع المواد الوراثية الموجودة في العينة، بدل البحث عن كائن حي واحد فقط، ما يتيح الكشف عن آثار وراثية تعود إلى البشر والحيوانات والنباتات والبكتيريا والفطريات في الوقت نفسه.
لكن الباحثين أوضحوا أن لهذه التقنية حدودًا أساسية، إذ إنها لا تستطيع تحديد عمر القطعة التي استُخرجت منها المادة الوراثية. فالحمض النووي الموجود على الكفن يمثل تراكمًا بيولوجيًا ناتجًا عن قرون من اللمس، والتعرض للعوامل البيئية، وأعمال الحفظ والترميم، ولا يشكل «ساعةً جزيئية» يمكنها تحديد تاريخ الكفن.
وأكد معدّو الدراسة صراحة أن نتائجهم لا تجيب عن السؤال المطروح منذ سنوات: هل يعود الكفن إلى نحو سبعمائة عام، أم إلى ألفي عام؟ فالمادة الوراثية المسجلة عليه تعكس تاريخًا طويلًا من التفاعل البشري والبيئي، ولا يمكن اعتبارها دليلًا مباشرًا على عمر النسيج.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الجدل حول نتائج فحص الكربون المشع الذي أُجري عام 1988 في مختبرات أكسفورد وتوسون وزيورخ، والذي خلص إلى أن الكفن يعود إلى الفترة الممتدة بين عامي 1260 و1390. وقد تعرضت تلك النتائج لاحقًا لانتقادات ودراسات مضادة، ولا سيما في عامي 2010 و2019، غير أن الدراسة الجينية الجديدة لم تُصمم أساسًا لإعادة تقييم تلك الاختبارات.
وأظهرت التحاليل وجود آثار وراثية تعود إلى البشر والحيوانات والنباتات والبكتيريا والفطريات، ما يعكس تاريخًا طويلًا من تعرض الكفن للبيئة ولمسه من قبل أعداد كبيرة من الأشخاص. ويرى الباحثون أن هذا التنوع الكبير يجعل من الصعب، بل من المستحيل في كثير من الحالات، عزل ما يمكن اعتباره «البصمة البيولوجية الأصلية» للنسيج.
وفي هذا السياق، أوضح البروفيسور أليساندرو أكيلي أنه جرى التعرف إلى سلالة وراثية ميتوكوندرية يغلب وجودها لدى اليهود الأشكناز، لكنه أشار أيضًا إلى أن السلالة نفسها تعود إلى البروفيسور بايما بولّوني، الذي شارك في أخذ العينات عام 1978. وأضاف أن تحليل البروتينات كشف وجود الكيراتين وبروتينات جلدية أخرى، ما يشير إلى أن إجراءات جمع العينات في ذلك الوقت لم تكن معقمة بالكامل، وربما أُجريت من دون استخدام قفازات.
وتوضح هذه الملاحظة إحدى أبرز الصعوبات التي تواجه تفسير الحمض النووي الموجود على الكفن، إذ قد تكون بعض الآثار الوراثية عائدة إلى علماء وباحثين أو أشخاص لمسوا الكفن خلال الدراسات العلمية، أو أثناء أعمال الحفظ والترميم، أو حتى خلال قرون من التبجيل الديني، في حين ترجع آثار أخرى إلى البيئة التي تعرض لها النسيج عبر الزمن.
كما كشفت الدراسة عن وجود سلالات وراثية مرتبطة بسكان أوراسيا الغربية والشرق الأوسط، بما في ذلك مجموعات جينية موجودة لدى الدروز. وتتوافق هذه النتائج مع دراسة أقدم نُشرت عام 2015 بقيادة البروفيسور جياني باركاتشيا، والتي بينت أن أكثر من 55 في المئة من تسلسلات الحمض النووي البشري التي جرى تحليلها تنتمي إلى سلالات شرق أوسطية، بينما تقل السلالات المرتبطة بأوروبا الغربية عن 6 في المئة، في حين تعود نحو 39 في المئة إلى سلالات هندية، ربما نتيجة استيراد الكتان تاريخيًا من منطقة وادي السند.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تتوافق مع احتمال أن يكون للكفن تاريخ طويل من الاتصال بالشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، كما تنسجم مع الروايات التاريخية التي تتحدث عن وجوده في الأراضي المقدسة وشرق المتوسط قبل ظهوره في أوروبا الغربية بعد الحملة الصليبية الرابعة وسقوط القسطنطينية عام 1204. إلا أنهم يؤكدون أن هذا التوافق لا يرقى إلى مستوى الإثبات العلمي.
وتحذر الدراسة من ربط أي أثر وراثي منفرد بموقع جغرافي محدد أو بحدث تاريخي معين، مؤكدة أن الأدلة الجينية ينبغي أن تُقرأ إلى جانب الأدلة التاريخية، والجنائية، وتحاليل الكربون المشع، لا أن تحل محلها.
وكشفت الدراسة أيضًا عن وجود بكتيريا تعيش في البيئات شديدة الملوحة، إضافة إلى آثار بيولوجية مرتبطة بالمرجان الأحمر وبعض الحيوانات الأليفة والماشية، وهي مؤشرات قد تنسجم مع تعرض الكفن لبيئات متوسطية أو شرق أوسطية، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة رسم مسار انتقاله عبر التاريخ.
كما أسهمت النتائج في توضيح بعض جوانب تاريخ حفظ الكفن، إذ تناولت الخيوط المستخدمة في أعمال الترميم التي أُجريت بعد الحريق المعروف الذي أصاب الكفن عام 1532، ثم خلال عمليات الترميم اللاحقة في عامي 1534 و1694، ما يساعد الباحثين على فهم أفضل لتاريخ المحافظة على النسيج.
ويرى معدو الدراسة أن قيمة هذا البحث تكمن في فتح الباب أمام دراسات مستقبلية تستخدم كميات ضئيلة جدًا من المادة البيولوجية، بما قد يتيح فهمًا أعمق لتاريخ الكفن وتركيبه وأساليب حفظه وربما أصوله، شرط أن تُجرى التحاليل في ظروف علمية أكثر إحكامًا.
ويخلص الباحثون إلى أن أي تحليل جيني لا يستطيع، بالنسبة إلى المؤمنين، أن يحدد المعنى الإيماني لصورة الكفن، كما أن أي تسلسل وراثي منفرد لا يمكنه، بالنسبة إلى المشككين، أن يحسم الجدل التاريخي. فالدراسة لا تثبت أن كفن تورينو هو الكفن الذي لُفّ فيه جسد السيد المسيح، كما لا تثبت أنه مصنوع في العصور الوسطى، لكنها تؤكد أن هذه القطعة تحمل تاريخًا بيولوجيًا معقدًا تشكل عبر قرون من التبجيل، والبحث العلمي، والتعرض للعوامل البيئية، وأعمال الحفظ والترميم.
وبذلك، يبقى اللغز التاريخي لكفن تورينو مفتوحًا، فيما تؤكد أحدث الدراسات أن هذا الأثر الفريد لا يزال يحمل الكثير من الأسرار التي تنتظر مزيدًا من البحث العلمي.