

لم يَعُد سجلّ تركيا في مجال حقوق الإنسان مجرد مصدرٍ للقلق، بل أصبح نموذجًا يصعب تبريره أو الدفاع عنه. فخلف شعارات مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي، تتكشف حملة ممنهجة أضعفت سيادة القانون، وجرّمت المعارضة، وحرمت مئات الآلاف من أبسط حقوقهم وحرياتهم الأساسية.
في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016، شرع الرئيس التركي أردوغان في عملية واسعة لتركيز السلطة، سرعان ما تمددت وتحولت إلى واحدة من أوسع الاعتداءات نطاقًا على حقوق الإنسان في العصر الحديث. فما بدأ تحت ذريعة حكم الطوارئ، تطور إلى بُنية دائمة من القمع، استهدفت القضاة، والصحفيين، والمعارضين السياسيين، والأقليات، والمجتمع المدني. وكانت النتيجة التراكمية لذلك تفريغ المؤسسات الديمقراطية من مضمونها، وتحويل المواطنة نفسها إلى وضع مشروط، يتوقف على الولاء للنظام.
وبالتوازي مع هذا الترسّخ السلطوي، تعمّد أردوغان دمج الهوية الإسلامية بسياسات الدولة، مما أدى تدريجيًا إلى تقويض الأسس العلمانية للجمهورية. ومن خلال تقديم نفسه بوصفه مدافعًا عن العالم الإسلامي السنّي، وزعيمًا فعليًا له، فإنه يؤطر سياساته الداخلية والخارجية بعبارات شبه دينية، توحي بوجود تفويض أخلاقي أعلى. وهذا الخلط بين الإيمان والحكم يثبّط المعارضة، ويضفي على السلطة السياسية هالة إلهية من الشرعية.
الاحتجاز التعسفي وعمليات التطهير الجماعي
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 160 ألف شخص اعتُقلوا، وأن 152 ألف موظف حكومي أُقيلوا خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى من حكم الطوارئ الذي أعقب محاولة الانقلاب العسكري عام 2016، غالبًا من دون أدلة فردية أو إجراءات قانونية سليمة. وقد شملت عمليات التطهير العاجلة معلمين، وقضاة، ومدعين عامين، ورجال شرطة، وضباطًا في الجيش، ففقدوا دخلهم، ومساكنهم، ومزاياهم الاجتماعية بين ليلة وضحاها.
سمحت مراسيم الطوارئ التي أصدرها أردوغان باعتقال كل من تُنسب إليهم “روابط” أو “صلات” بمنظمات إرهابية، من دون تحديد المقصود بهذه “الروابط”، مما أتاح قيام نظام غامض من العقاب الجماعي. وبذلك رسّخ السلطوية مؤسسيًا، وجعل الحرية مشروطة بالولاء السياسي، لا بالحقوق الكونية.
التعذيب، وسوء المعاملة، والوفيات المشبوهة
توثّق تقارير الأمم المتحدة تفاصيل انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، شملت الضرب، والاعتداء الجنسي، والصعق بالكهرباء، والتعذيب بالإيهام بالغرق أثناء الاحتجاز لدى الشرطة وأماكن الاحتجاز السابق للمحاكمة، بما يرقى إلى مستوى التعذيب الممنهج. كما شملت أنماط سوء المعاملة المتكررة إجبار المحتجزين على أوضاع جسدية مؤلمة، وحرمانهم من النوم، وتهديد عائلاتهم، إلى جانب تسجيل العديد من الوفيات المشبوهة أثناء الاحتجاز.
إن هذا النفي الصارخ للكرامة الإنسانية، الذي جرى تبريره في تركيا ما بعد الانقلاب، حيث تدّعي الدولة لنفسها حق إيقاع الألم خارج أي قيد قانوني أو أخلاقي، يدمّر فكرة سيادة القانون من أساسها.
القضاء المسيّس وتقويض سيادة القانون
يصف مراقبون دوليون ما جرى بأنه “انهيار” في استقلال القضاء، بعد إقالة آلاف القضاة والمدعين العامين أو ملاحقتهم قضائيًا، ثم استبدالهم بموالين للنظام. وقد أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أحكامًا مفصلية خلصت إلى وجود انتهاكات ممنهجة، شملت المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، وانتهاك الحق في المحاكمة العادلة.
وبدلًا من أن تلتزم المحاكم التركية بسيادة القانون وتحترم حقوق المواطنين، تحولت إلى أدوات لتنفيذ إرادة السلطة التنفيذية. وهذا يقوّض الفكرة القائلة إن سلطة الدولة لا تكتسب مشروعيتها إلا من احترامها للحقوق الأساسية للناس.
تجريم المعارضة السياسية
لقد جرّم أردوغان المعارضة، من خلال اعتقال وسجن العشرات من أعضاء حزب الشعب الجمهوري المعارض، بمن فيهم رئيس بلدية إسطنبول، بتهم واهية يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها خطوة محسوبة لإقصاء منافس قوي في الانتخابات المقبلة. وتكشف هذه الممارسات بوضوح استعداد النظام لتحويل القضاء إلى سلاح من أجل البقاء السياسي.
ومن خلال مساواة المعارضة بالإرهاب، أفرغ أردوغان المجال العام من أي تنافس سياسي مشروع، وحرم المواطنين من أي صوت سياسي ذي معنى.
قمع الأكراد والعقاب الجماعي العسكري
منذ عام 2016، تعرّض ما لا يقل عن 4,920 عضوًا من حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، بمن فيهم نواب ورؤساء بلديات، لاتهامات كاذبة، وسُجنوا على خلفية تُهَم مرتبطة بالإرهاب.. ويصف تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حالات قتل، وتعذيب، وتدميرًا للمساكن والتراث الثقافي، وقيودًا مشددة على الحركة في مناطق الجنوب الشرقي ذات الأغلبية الكردية. كما أدت العمليات العسكرية إلى تدمير أحياء كاملة، وتهجير أعداد كبيرة من السكان، وقمع التمثيل السياسي الكردي المشروع، بما في ذلك تعطيل حكم حزب الشعوب الديمقراطي في البلديات.
ويجسّد العقاب الجماعي للأكراد شكلًا من أشكال التمييز البنيوي: إذ تُطبّق الحقوق بصورة متفاوتة تبعًا للانتماء العرقي والتعاطف السياسي المفترض. وحين يُحرم شعب بأكمله من حقه في العضوية المتساوية داخل الدولة، فإن ذلك يناقض أي تصور للعدالة بوصفها إنصافًا، حيث يجب ضمان الحريات الأساسية للجميع على قدم المساواة.
قمع حرية الإعلام والتعبير
لقد سجن أردوغان عشرات الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، في الوقت الذي أغلق فيه أو استولى على عدد كبير من المؤسسات الإعلامية، وحجب أكثر من مليون موقع إلكتروني. وتُستخدم تهم فضفاضة مثل “إهانة الرئيس” و”نشر دعاية إرهابية” بصورة روتينية لملاحقة الصحفيين، والأكاديميين، ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
إن حرية التعبير ليست مجرد حق آخر؛ بل هي أساس البحث عن الحقيقة ومحاسبة السلطة. وقد خلّف القمع المنهجي الذي يمارسه أردوغان أثرًا متسلسلًا؛ إذ تبقى الانتهاكات مخفية، ويُستبدل النقاش العام بالدعاية، ويفقد المواطنون قدرتهم على الحكم المستقل. وبذلك تتقوض التصورات الليبرالية والبنّاءة للديمقراطية المشروعة.
انتهاكات حقوق النساء ومجتمع الميم
أدى انسحاب تركيا من اتفاقية إسطنبول عام 2022 إلى إزالة ضمانة إقليمية أساسية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل تصاعد جرائم قتل النساء وتزايد المخاوف من الإفلات من العقاب. وقد تركت هذه الإجراءات النساء والفتيات أكثر عرضة للعنف، مع تراجع الحماية، وتصاعد الخوف، وتقلص فرص الوصول إلى العدالة.
وفي الوقت نفسه، شجعت السلطات خطابًا معاديًا للمثلية، واستهدفت الطلاب والناشطين من مجتمع الميم، واستخدمت القوة الشرطية ضد فعاليات الفخر ومسيرات النساء.
وتتصادم هذه الاعتداءات على حقوق النساء ومجتمع الميم مع احترام الحقوق الأساسية، كما تكسر الوعد الدستوري الحديث بأن تحمي الدولة الناس من العنف الخاص والعام.
استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، والأكاديميين، والمجتمع المدني
سُجن مدافعون بارزون عن حقوق الإنسان بتهم ملفقة، رغم صدور أحكام دولية مُلزِمة تطالب بالإفراج عنهم، كما في حالة الناشط المعروف عثمان كافالا. كما واجه أكاديميون وقّعوا عرائض سلام، أو انتقدوا السياسات الأمنية، الملاحقة القضائية، والفصل من العمل، وحظر السفر، مما أدى إلى تقليص مساحة البحث الأكاديمي المستقل والمناصرة الحقوقية.
ويُعدّ المجتمع المدني، والمثقفون المستقلون، والفاعلون الذين تحركهم الضمائر، عناصر أساسية في تحويل المعاناة الاجتماعية إلى مطالب عامة. أما ملاحقتهم قضائيًا، فهي تشويه للحوار الهادف؛ لأنها تضمن بقاء الهيمنة بلا مساءلة، وتمنع الحياة اليومية من مقاومة السيطرة الممنهجة.
انتهاكات بحق اللاجئين، والإعادة القسرية، والعنف على الحدود
تستضيف تركيا نحو 3.2 مليون لاجئ سوري، إضافة إلى أعداد كبيرة من الأفغان وغيرهم، غير أن التقارير توثق عمليات صدّ على الحدود، وإعادة قسرية إلى مناطق غير آمنة في سوريا، واستخدام العنف من قبل قوات الأمن ووكلاء محليين. وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان عمليات الترحيل ومخططات “العودة الطوعية” القسرية، باعتبارها انتهاكًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية.
يشغل اللاجئون وضعًا انتقاليًا: فهم حاضرون داخل المجتمع، لكنهم ليسوا أعضاء كاملين فيه، مما يجعلهم عرضة بصورة خاصة لأن يُستخدموا كأدوات. وفي تركيا، تُقيّد حريتهم في الحركة وفرصهم في العمل، فيعيشون حياة هشّة وغير مستقرة. إن إساءة معاملة اللاجئين تكشف الفجوة بين حقوق الإنسان الكونية المعلنة، وبين اعتماد هذه الحقوق فعليًا على رحمة الدولة المضيفة.
الاختفاء القسري والاختطاف خارج الحدود
جرى تنسيق عمليات تسليم قسري خارج الحدود بمساعدة دول أخرى. فبين عامي 2016 و2019 وحدهما، اختطفت تركيا وأعادت إلى أراضيها ما لا يقل عن 100 شخص من المشتبه بانتمائهم إلى حركة غولن من خارج البلاد. وقد وقعت حالات الاختفاء القسري وعمليات التسليم السرية هذه في دول مثل باكستان وأذربيجان.
وغالبًا ما يُقبض على الضحايا من دون أي مسار قانوني، ثم يُنقلون إلى تركيا، ويُحتجزون في أماكن سرية، ويتعرضون للتعذيب لانتزاع اعترافات أو إجبارهم على التعاون. وتمدد مثل هذه الممارسات السلطة السلطوية إلى ما وراء الحدود الإقليمية، وتقوّض جوهر فكرة النظام الإنساني الكوني، الذي يفترض أن ترافق الحقوق الفردية الإنسان عبر الحدود.
إجراءات لوقف انتهاكات أردوغان الجسيمة لحقوق الإنسان
تجنّب حلف الناتو والاتحاد الأوروبي مواجهة انتهاكات تركيا الواسعة لحقوق الإنسان، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الأهمية الاستراتيجية لأنقرة واعتبارات الطاقة. غير أنه، حفاظًا على شرعيتهما، يتعين عليهما تبني إجراءات ملموسة، دبلوماسية واقتصادية وقانونية، للحد من انتهاكات أردوغان الجسيمة لحقوق الإنسان ومحاسبته عليها.
إن مسار تركيا ليس مجرد مأساة داخلية؛ بل هو اعتداء مباشر على سلامة المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. فعندما تتمكن دولة من تحدي المعايير القانونية والأحكام الملزمة بهذه الجرأة، ومن دون أي عواقب، فإنها تنخر الأسس ذاتها التي وُضعت لحماية الكرامة الإنسانية في كل مكان.
وفي حين يبدو من غير الواقعي توقّع تحرك ذي معنى من الولايات المتحدة في عهد ترامب، فإن الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، والأمم المتحدة، يستطيعون، بل يجب عليهم، أن يتحركوا بحزم، وإلا فإنهم يخاطرون بتفريغ قيمهم المعلنة من مضمونها.