

قراءة نقدية في تجربة الفنان التشكيلي اياد العبار .
قيمةُ
الفضاءِ لدى الفنان التشكيلي إياد العبار
تتيحُ للمتلقي الخروجَ بانطباعاتٍ مختلفةٍ عما هو يتوقع ان تصلَه من السّطح
البصري، ويتحقق هذا الاختلافُ في التلقي
نتيجة َالمساراتِ اللونيةِ والتعبيريةِ التي تمر بمراحلَ من التشكيلِ الرؤيوي
بعيداً عن المستوى الواقعي . هنا يخرجُ
العبار من اكتشافاتهِ الواقعيةِ ليعمقَ اسلوبيَتهُ الخارجة َفي طابعها السريالي ،الذي بقي متألفاً معهُ
ومتكاملاًَ مع استجاباتهِ الانسانية، التي
ترفض الانصياعَ للقيود .
رُغمَ
مرور الاعوامِ الطويلة ِعلى غربته في ايطاليا الاّ انه مازال متمسكاً باستجاباته
الميثولوجية والانسانية التي جاء منها . وكأنه في رحلته البعيدة ْ يسعى لاكتشاف
ذاتهِ الاولى التي تشكلت من فضاء بلاد مابين النهرين .إذ بقيت انطباعاتهُ
الانسانية بكل تشكيلاتها البصريةِ تنبني على شاعريةِ النظرةِ التي يتفرد بها الانسانُ الشرقيُ بكل قيمهِ
الروحية ، التي بَسَطتها الاشعارُ والاساطيرُ والحكايات، والتراجيديا الانسانية
التي تتوفرُ عليها بيئتهُ الملتهبةُ بالرمال ووالغزوات والحروب وقصص العشق المميت
.
إن في
نصوصِ العبار البصريةِ مَهارةٌ يتم استعراضُ امكاناتها بقصديةٍ واضحةٍ لغرض بناء ِفضاءه السريالي على
انقاض الاسسِ الواقعيةِ التي تأخذ حّيزها الواسع في الكتلِ والفراغاتِ والاشكال
المتحركةِ من انثيالات الزمن المرئي والمحسوس في لوحةِ المرصود امام العين .
حداثة
النص التشكيلي .
إنّ مُجملَ اعماله الفنية تضعنا امام
حداثوية النص التشكيلي المُعاصر الذي يعيد
انتاجَ العلاقة مابين العمل الفني والمتلقي بالشكل الذي يُعمّقُ الشراكة مابين
الاثنين في انتاج المعنى للنص ، مُزيحاً بذلك الصّياغة المُهيمنةَ التي تحتكرُ
الرؤيا في جُعبة الفنان وليبقى المعنى غَائباً ومُغيباً قصدياً في لوحات الفنان
إياد العبّار، يستلزِمُ استدعائَه قراءاتٍ متعدةٍ للمتلقي تستمدُّ اشاراتها من وحي اللحظةِ والتجربةِ
الذاتية للفنان والمتلقي في آنٍ واحد ، اذ
يحتفي النصُّ البصريُّ لديه بتراكيبَ
وجدانيةٍ تمتلكُ وتفرز دلالاتها الجمالية على السطحِ التصويري بأشاراتٍ إيحائيةٍ
يُنتجها عادةً رمزاً واقعيا مؤسلباً في مستوياتِ التقنية السريالية .
والمُلاحظ
على أعمالِ العبّار أنّها تحلّق في مستوياتٍ مُتراكبةٍ بين ثنايا الطقوسِ والرموزِ
التي إعتمَدها من كينونتهِ الرافدينية ، وكأنه يستنشقُ الهواءَ مِنها في مُحيط
الصمتِ والاغترابِ الذي بات يُثقل كيانهُ يوماً بعد آخر، فهو في تجربتهِ الجمالية
يستعيدُ ذاتهُ المفقودةَ في مرئياتِ المساحاتِ الغريبةِ التي احاطت به اعواماً
طويلةً ويعلن صوته بكل امتدادتهِ
العراقيةِ الحاضرةِ في غياباتهِ ، كما يسعى دائما في تجاربهِ التي تمتدُّ لاكثر من
اربعةِ عقود مَضت لِأنْ يحتوي جمالَ العالم ، مُدناً وحضارةً وانساناً وتاريخاً
وغداً أجمل .
الفن
والذائقة المؤلفة .
إن العمل
الفني بظواهرهِ التي يستفزُّ بها الذائقةَ المالوفةَ بكل تراكيبها المنغلقةِ على
حدودٍ صارمةٍ من القيمِ الفنيةِ ليس سوى نبوءةٍ تحتشدُ فيها الافكارُ والرؤى التي
تتصاعدُ في وعي الفنان ولاسبيل الى اظهارها سوى اللونِ والاشكالِ والسطوحِ ، فمن
خلالِها يُمسِكُ باستقلاليةِ وعيهِ أمام فوضى العالم وغموضهِ والتباساتهِ ،
والعبّار يستثيرُ المُتلقي بأحاسيس ومشاعر تعيدُ صلته الحيوية والآسرة بالانسان .
رغم ان
السريالية باتت فناً كلاسيكياً بالقياسِ الى ماجاءَ بعدها من تحديثاتٍ اسلوبيةٍ في
التعبير التشكيلي إلاّ أن إياد العبّار مازال يمنحُها هويتها المتجددةِ في
اعمالِهِ ،وثمّةَ انشغالٌ دائم في اعادة انتاج الِبنية التوليدية لذاكرةِ الفضاء السريالي ، وهي محاولةٌ منهٌ
للارتقاء بالتصوير النّصي لتجريداتهِ الذهنية التي تتخذُ من مُفردات الميراث
الرافديني وجسد المرأة وعالم الفرد المعاصر ، سعياً منهُ في ترحيلِ شفراتهِ المخادعةِ الى بناء
علاقات تصميمية تقتربُ في حضورها الدلالي من الامساكِ بطقوسيةِ اللحظةِ
الميثولجية .
إنَّ
الخطابَ الفني في لوحات العبّار يتعاطى بكل مفرداتهِ وسطوحهِ وكيفياتهِ مع
المُحفِّزات الانسانيةِ بعلاقاتها الخاصةِ والجدليةِ دون أن يتورّط في محاولةِ
تقديم ابعاد توضيحية لاسناد الرؤية وإيصالها ، فهو ليس مَعنيُّ بالاسهابِ بقدر
ماهو معنيُّ بتكثيف الرؤى الفلسفيةِ في تفاعلاتِ المفرداتِ التشخيصيةِ الانسانيةِ
على سطح اللوحةِ . فالفن بالنسبة له يبقى اشتغالا في ميدانِ التساؤلِ وحاجةً
انسانيةً داخليةً وليست ترفاً جماليا يتسيّجُُ ويتزوّق بالالوان انما هو استئثارٌّ
بالمعنى عبر طروحاتٍ شكليةٍ تستعرضهُ في مساحاتٍ لونيةٍ ومعمارية .
لم يكنْ
هاجسُ العبّار في اشتغالاتهِ اللونية الوصولَ الى تحقيقِ استثاراتٍ وانطباعاتٍ
عاطفيةٍ ينقلها الامتاعِ البَصَري الذي تتشكلُ مِنهُ السلعة الفنية انما كان يذهبُ
بكائناتهِ الى بُقعٍ ضوئيةٍ تغتسلُ بالصّمتِ
ليكتشفَ من خلالِها اغترابهُ في صَرامةِ هذا العالم الذي تنقّل بين اوهامهِ
واحلامهِ وأسْيِجَتِهِ شارداً من لحظاتِ العَتمَةِ التي كانت تُلاحقُ خطواته بكل
صخب .
إنّ
طبيعةَ العناصر المؤثرة في مسارهِ الفني والتي تستمدُّ صيروتَها من ذاكرةٍ خصبٍ
ومتجذرةٍ في ماضٍ بعيدٍ جداً طالما تعايشَ وتعاشقَ مع ذاتهِ في مدينتهِ الاولى
نينوى ، التي طالما وجَدَ فيها ــ مُنذ
بواكير وعيهِ ــ ان منحوتات اجدادهِ مِنَ الاشوريين إنّما تُعبِّرُ
عن مفاهيم واعتقاداتٍ فلسفيةٍ شَكّلتها مَلحميةُ المَسار الحياتي والانساني
التراجيدي الذي وجدوا أنفسهم فيهِ لذا كان لابُدّ أن ترتبط ذاكرتُهُ البَصَرية بما
كان ينبثقُ من تلك الارض من مظاهرَ تصويريةٍ تنتمي الى ذاتٍ جَماعيةٍ تحملُ في
تمظهُراتها فردانية الفنان التشكيلي الاشوري وهنا وجد العبّار نفسهُ وهو يتحرّك في
مساحة خاصة به ، لها فاعليتُها المحسوسة ُ، ومن خلالها يسعى لاستحضارِ ذاته
الغائبة / الحاضرة في تجلياتٍ انشائيةٍ تندرجُ في اطارِ البَحث عن الازاحات
البَصَرية التي لاتقبلُ التآلفَ والتجانسَ مع بِنية المرئي .
خطاب
واقعي مع بنية اجتماعية .
إنّ
صياغاتهِ البلاغية التي مرّت بتحولاتٍ ملموسةٍ منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي تعاملتْ
مع مفرداتِ الذائقةِ السائدةِ وفق معطياتِ القيم الجّماليةِ التي مَنحَها الفنُّ
المُعاصر بتشخيصاتهِ التي ابتعَدت مُغتربةً عن الخطاب الواقعي لتعكس اشراقاتِ وعيه
الذاتي في كشفِ متراكماتِ الزّمن في أبعادهِ الاجتماعية والتاريخية فكان نتاجهُ
تمريراً بلاغياً لحركةِ الافكارِ وصيرورتِها داخل ذاتهِ التي لم تتوقف عن التساؤل
لازاحة مايتلبسها من غموضٍ وقلقٍ لن
تُخطىء العين في الوصولِ الى تمظهُراتِهما على السّطح التصويري في لوحاته ِ .