

يُقصد بمصطلح " لَبْنَنَة العراق" محاولة جعل الحالة العراقيّة بعد العام 2003 مُشابهة للحالة اللبنانيّة المعقّدة والقائمة منذ ثمانينيّات القرن الماضي وحتّى الساعة!
والسؤال هنا: هل نجحت الجماعات الشرّيرة في سياسة " لَبْنَنَة العراق"؟
إنّ الجواب يَفرض علينا بداية تحديد مخاطر القضيّة، ومنها وجوب عدم الخوض بأوحال التقسيم الطائفيّ للسلطة، والأزمات المفتعلة من القوى المالكة للسلاح وارتباطاتها الخارجيّة، وتعدّد مراكز القوّة، وجميع هذه العوامل قادت لضعف الدولة المركزيّة وتهشيم القرار السياسيّ والسياديّ، وتقسيم عموم المجتمع طائفيًّا بالعراق ولبنان!
واقعيًّا مَن يُتابع المشهدين العراقيّ واللبنانيّ يَجد أنّ الفرق واسع بينهما، وبالذات خلال الأيّام الأخيرة، وقرار حكومة محمد شياع السوداني ببغداد يوم 19 آذار/ مارس 2026 بمساندة الحشد الشعبيّ ومنحهم حقّ التصدّي للضربات "الإسرائيليّة" والأمريكيّة، بينما نجد أنّ الرئيس اللبنانيّ "جوزيف عون" شدّد، يوم 24 آذار/ مارس 2026، على مبدأ "حصريّة السلاح بيد المؤسّسات الشرعيّة"، وأنّ "لبنان لا يُمكنه خوض حروب الآخرين على أرضه"، وهذا الموقف العراقيّ يعطي حُقنة رسميّة داعمة للحشد خلافًا للموقف الرسميّ اللبنانيّ الحاليّ المعارض لحزب الله!
وأقلّ تبعات القرار العراقيّ، الذي سيُحقق أطماع الغرباء بعيدًا عن مصلحة البلاد وأهلها، حزمة عقوبات أمريكيّة قاتلة للوطن والناس!
ونلاحظ، كذلك، بأنّ الحشد متغوّل بكافّة مدن العراق عدا إقليم كردستان، ومتغلغل بجميع مؤسّسات الدولة، بينما حزب الله اللبنانيّ متواجد حصريّا بالجنوب، وبنفوذ محدود ببقيّة مفاصل الدولة!
أما دبلوماسيًّا فقد استدعى العراق، قبل أسبوعين، السفير الإيرانيّ والقائم بأعمال السفارة الأمريكيّة ببغداد وسلّمهما مذكّرتي احتجاج لاستهداف مقارّ الحشد وحرس إقليم كردستان، وبالمقابل أمهلت الدولة اللبنانيّة السفير الإيرانيّ بضعة أيّام لمغادرة البلاد خلافًا لرغبة حزب الله لانتهاك بلاده أعراف التعامل الدبلوماسيّ، وهنا يظهر الفرق بين الحالة العراقيّة المتراخية والحالة اللبنانيّة الحازمة!
ورصدنا، كذلك، بأنّ حزب الله لم يَقرّ بأنّه استهدف الدولة اللبنانيّة، رغم أنّ حرب العام 2006 مع "إسرائيل" تسبّبت بدمار واسع وخسائر اقتصاديّة كبيرة، وبالمقابل نلاحظ أنّ الحشد أعلن، وبوضوح، استهدافه للمواقع الدبلوماسيّة والأمنيّة والمصالح الوطنيّة ببغداد والبصرة وإقليم كردستان وغيرها!
وبالملفّ السياسيّ نلاحظ أنّ كلًّا من الحشد العراقيّ وحزب الله يمثّلان حالة سياسيّة متقاربة والمتمثّلة بالربع المعطِّل داخل البرلمان في العراق ولبنان!
وأخيرًا تابعنا، السبت الماضي، دخول أرتال من الحشد لإيران بمعيَّة مساعدات ماليّة ضخمة، وبعدها بساعات أحرقت صواريخهم طائرة عراقيّة بمطار بغداد وغيرها من الهجمات المعادية للعراق!
وهكذا يظهر أنّ الحالة العراقيّة متقدّمة على الحالة اللبنانيّة بوضوح، وعلانية، وبدليل منشورات قادة الفصائل المهدّدة للحكومة، وآخرها منشورات الحشد يوم 28 آذار/ مارس 2026 التي تَوعّدت بالتجمّع في اليوم التالي لاختيار رئيس للوزراء كفوء ونزيه، ويعمل ضدّ "إسرائيل وأمريكا وعملائهم الخونة"!
ولاحقًا تلاشت أيّ تداعيات للدعوة؛ وكأنّها مُجرّد بالون اختبار ردود الفعل الحكوميّة على "مُخططاتهم الآنيّة والمستقبليّة"!
والحقيقة فإنّ اتّفاق حكومة السوداني مع التحالف الدوليّ، الجمعة الماضية، على مواجهة المليشيات، قد يدفع المليشيات لجعل السوداني بخانة الخونة، خصوصًا وأنّ الاتفاق يتزامن مع الانتشار الأمريكيّ بالمنطقة، واحتماليّة تفعيل "حالة الطوارئ الأمريكيّة بخصوص العراق"، وحينها ستنقلب المعادلة العراقيّة الداخليّة بشكل مُرْعِب!
وهكذا، ونتيجة لهذه الفوضى، صار العراق ساحة حرب مُتداخلة، وتوجّه إليه ضربات مركّبة من الفصائل المسلّحة وإيران و"إسرائيل" وأمريكا، ويقال بأنّ دولة عربيّة هي التي ضربت اجتماع الحشد بمحافظة الأنبار يوم 24 آذار/ مارس 2026، وبالتالي هنالك خمسة أطراف توجّه ضرباتها للعراق، دون أن تستطيع الحكومة حماية سماء العراق وجيشه، وحتّى الحشد!
وهذه العشوائيّة الإداريّة دفعت دول الخليج الستّ والأردنّ ببيانها المشترك الصادر يوم 25 آذار/ مارس 2026 لدعوة حكومة العراق " لاتّخاذ الإجراءات الفوريّة لوقف الهجمات التي تنطلق من أراضيه تجاه دول الخليج".
وبعدها بيومين قالت الحكومة الأردّنيّة بأنّ" ميليشيات موالية لإيران تستخدم أراضي العراق لمهاجمة جيرانه"!
وآخر جرائم المليشيات وقعت الثلاثاء الماضي ببغداد وتمثّلت باختطاف عناصر حزب الله العراقيّ للصحفيّة الأمريكيّة "شيلي كيتلسون" وهم اليوم يُفاوضون الحكومة لإطلاق سراحها!
والغريب أنّ اعتقال حكومة محافظة نينوى لأربعة من منفّذي الهجوم على قاعدة سورية بالحسكة يوم 23 آذار/ مارس 2026 بعد الهجوم بساعات أوقع القضاء العراقيّ بمأزق قانونيّ، وأثار حفيظة شركاء الحكومة، الذين تساءلوا: لماذا لم تعتقل الحكومة الذين نفّذوا بقيّة الهجمات؟
وبالعودة للتساؤل الرئيسيّ: هل نجحت سياسة " لَبْنَنَة العراق"؟
يمكن القول، وفقًا لما سبق وغيره، بأنّ الحالة العراقيّة متقدّمة على الحالة اللبنانيّة من حيث قُدرات القوى المالكة للسلاح، وبمباركة حكوميّة، على نشر الهشاشة المركزيّة، والتلاعب بالقرارات السياديّة والسياسيّة والأمنيّة والمجتمعيّة!
أعتقد أنّ مَن يُريدون " لَبْنَنَة العراق" يسعون لتعويم قراره السياسيّ والعسكريّ، وسحق اللُّحمة المجتمعيّة، وجعل العراق ميدانًا للغرباء!
مشكلة العراق المركزيّة لا تَرتبط باللَّبْنَنَة، ولا بالأَيرْنَة (نسبة لإيران) وإنّما المشكلة الجوهريّة والجادّة أنّ العراق اليوم بلا قيادة نقيّة وصارمة مع الخارجين عن القانون!
@dr_jasemj67