

إنّ وجود من ينطق بالطورويو عوض السوريث في العراق، هي حقيقة غير معروفة للكثير من أبناء شعبنا، وربما حتى لدى المستشرقين المهتمين بلغتنا القومية، المحكية بخاصة، وإنْ كانت هذه الحقيقة لا تعد خرقاً للتصنيف الجغرافي الذي وضعه اللغويون عندما اعتبروا نهر دجلة الخالد، حداً لغوياً فاصلاً لتأصيل وتشطير محكيتنا على ضفتيه، حيث ولدت السوريث في شرقيه، ونبعت الطورويو في غربيه. علماً أنّ السوريث والطورويو تمثلان مجموعة واحدة من بين اللهجات الآرامية المحكية في شمال وشرق بلاد بين النهرين (المجموعة الغربية ـ لهجة معلولا، والجنوبية ـ لهجة الاهواز المندائية).
تتميز الطورويو بلفظ السقاف الشرقي السوريثي مضموماً بدلاً من مد الاطلاق الطويل، ولا تزال تحكى على العموم من قبل الآشوريين السريان في شمال وغرب بين النهرين وما يشكل اليوم جنوب شرقي تركيا وشمال سوريا، وفي العقود الأخيرة في الشتات أيضاً وبالاخص في شمال وغرب أوربا. أما في العراق وشمال غرب ايران والاتحاد السوفييتي السابق فإن الآشوريين وبمختلف تسمياتهم الأخرى وبمعظم إنتماءاتهم الكنسية يتكلمون بلهجة أخرى من لهجات الآرامية الحديثة التى تسمى شعبياً بالسوريث الأوسع إنتشاراً من بين جميع اللهجات الآرامية ذات التأثير الأكدي، والتي غدت لغة قائمة بذاتها منذ إخضاعها إلى التدوين. وعليه، نرى أنّ الطورويو والسوريث اللتان تنتميان إلى أصول لغوية مشتركة، قد تطورتا بعد إختلاط اللغتين العريقتين: الأكدية والآرامية في الآمبراطورية الآشورية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وغدت تحكى في المنطقة منذ أيام نينوى وبابل ولحد اليوم[1].
بقي نهر دجلة حتى إنهيار الامبراطورية العثمانية في اعقاب الحرب العالمية الاولى، هو الخط الحدودي الطبيعي الفاصل بين المحكيتين، مع خروقات بيّنة على جانبي النهر. فساكنو شرقي دجلة يتكلمون السوريث حتى الذين ينتمون مذهبياً إلى كنائس السريان المغاربة، والتي لغتها الليتورجية هي السريانية الكلاسيكية الغربية، كما هو الحال عند سريان بغديدا وبرطله وغيرها[2]. وايضاً كان لكنيسة المشرق (النسطورية) إمتداد كثيف في مناطق تقع غربي دجلة، في نصيبين ودارا وماردين والقرى الكثيرة المحيطة بهم، حيث كانت نصيبين مثلاً أبرشية تابعة إلى البطريركية الشمعونية حتى القرن السادس عشر حسب الخوري المطران بطرس نصري[3]. ويبدو أنه كان للسوريث المحكية شرقي دجلة، تأثير على الطورويو المحكية في الجهة الثانية حيث منطقة نفوذ كنيسة المشرق، بدليل أنّ بعض القرى تنطق الباء المركخة واواً مثل المشارقة (فيقولون زونا عوضاً عن زفنا، ويقولون ساوا عوضاً عن سافا، كثاوا وليس كتافا. وكذا الحال مع (p) السوريثية تلفظ عينها في طورويو المنطقة، فيقولون (بوثو) بدلاً من (فوثو) الطورانية، وغيرها) [4]. لكنهم يلفظون الخاء (حاءاً) كما هي القاعدة غربي دجلة، ويبدو أنّ بعض قرى سهل سليفاني الواقعة شرقي دجلة قد تأثرت بالفونيم الغربي فتلفظ الخاء (حاءاً) مثلهم، كما هو الحال في قرية ديرابون على سبيل المثال.
وعليه، فإن العراق الذي كان مقفلاً على السوريث، ولم يكن ثمة وجود للطورويو في ربوعه حسب الإعتقاد السائد، لم يعد كذلك بعد أنْ وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وبات الحكم للحدود السياسية التي تتمفصل حول تحديد مسارها، عوامل خارجية وداخلية. فالحدود السياسية هي التي جاءت بالطورويو إلى العراق، حيث يوجد اليوم بحدود (50) عائلة سريانية في منطقة سنجار (غربي دجلة) يتكلمون فيما بينهم بالطورويو، وهم بالأصل نزحوا من مناطق طور عابدين التركية، ومن الناجين من مذابح المسيحيين التي اقترفتها الايدي الحاكمة في السلطنة العثمانية في ربيع العام 1915، والتي طالت أكثر من مليون مواطن مسيحي من الأرمن والسريان الآشوريين[5]. وسنجار الناطقة الوحيدة بالطورويو في العراق، والتي تعد في الوقت الحاضر من معاقل الايزيدية، كانت مقراً لكرسي مطرانية تابع إلى كنيسة المشرق حتى القرن السابع عشر، ولا زالت فيها آثار تثبت مسيحيتها، فجبلها المعروف بإسمها (جبل سنجار) متخم بالأديار، وتوجد في الجهة الغربية منه آثار جدران دير " برطورا ".
إذن، تمسك سريان سنجار بالحدود الجغرافية الطبيعية التي وضعها اللغويون، وخالفوا الحدود العراقية التي وضعها السياسيون منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فلا زالوا متشبثين باللغة المحكية غربي دجلة أي الطورويو!، مخترقين الرأي القائل بأن السوريث هي المحكية الوحيدة بين الآشوريين السريان في العراق. وعليه، فإن الحد الجغرافي اللغوي الفاصل منذ آلاف السنين ظل دقيقاً وصحيحاً من الناحية العلمية، حيث أن منطقة سنجار المحكية بالطورويو تقع غربي دجلة فعلاً، وهي تشكل اليوم البقعة الوحيدة في العراق التي لا تتكلم بالسوريث.
كان سكان سنجار في 2010 حوالي 22000 ألف نسمة، وكان عدد المسيحيين من الأرمن والسريان (الأرثوذكس والكاثوليك) يقدر بـ (250) عائلة في بداية السبعينيات. أمّا اليوم فتتوزع العوائل السريانية في مركز القضاء، في خنصور (مجمع التأميم)، وفي سنوني (ناحية الشمال). خدم فيها كهنة عديدون، منهم: القس منصور داود ككي (1939 – 1954)، الأب بهنام سوني للفترة من 1968 – 1969، وبرصوم يشوع الذي خدم منذ 1966 وحتى بداية الحرب العراقية الايرانية، والأب شمعون خضر كنه (1988 – 2007)، ومنذ عام 2007 يخدمهم الأب حنا بهنام ولم يزل. توجد في سنجار ثلاث كنائس موزعة بين السريان الكاثوليك بإسم يسوع الملك (بنيت في العام 1928)، والأرمن الكاثوليك، والسريان الارثوذكس بإسم كنيسة مريم العذراء التي بنيت في العام 1929[6]. القس شمعون خضر كنا يقول: السريان يتكلمون بالطورويو والعربية والكردية، ليس لهم نشاط اجتماعي أو ثقافي يذكر غير الكنيسة، ولا يوجد بينهم من يقرأ ويكتب بالسريانية والجيل الجديد لا يعرف الطورويو. يعمل اكثرهم في تربية النحل (نحالة)، والبقية موظفين في دوائر الدولة، وهم الذين ادخلوا الحرف اليدوية الى مدينة سنجار كالحدادة والنجارة وغيرها من الحرف والمهن.
المراجع:
ـ مقابلات شخصية مع الأبوين شمعون خضر كنه وحنا بهنام .
[1] للمزيد حول هذا الموضوع، راجع مساهمتنا " السوريث ( الأدبية) والسوريث (المحكية) "، في الحلقة الدراسية الثانية حول اللغة السريانية التي عقدتها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية (دورة توما اودو) في القوش للفترة من 9- 10 كانون الأوّل 2011.
[2] كنيسة المشرق لم تستطع أن تؤسس لها أبرشية في الجانب المسيحي من الصراع الروماني البيزنطي من جهة، والفارسي من جهة أخرى، لكن السريان المغاربة استطاعوا أن يؤسسوا كنيسة لهم في الجانب الفارسي (تكريت، وبغديدا وبرطله وبحزاني وغيرها)، وعليه فإن كنيسة المشرق تعد أول مؤسسة مسيحية في بقعة خاضعة لسلطة غير مسيحية.
[3] الخوري بطرس نصري، تقويم قديم للكنيسة الكلدانية النسطورية، بيروت: المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين، 1909: ص 18-22. كان لكنيسة المشرق، أتباع كثر في المناطق الواقعة غربي دجلة، حيث يؤكد نصري: " ففي ماردين مثلاً، كان يوجد أسقف واحد، يدير 700 بيت في داخل المدينة، و1110 بيت خارجها، وذلك سنة 1400. في مدينة دارا، أسقف واحد، يدير ثلاث كنائس داخل البلدة، عدد المؤمنين 2200 بيت سنة 1550. في الرها، أسقف واحد يشرف على 2100 بيت في سنة 1650. في نصيبين، مطرافوليط واحد تحت يده أربعة أساقفة، يديرون سبع كنائس، عدد المؤمنين 7000 آلاف بيت في سنة 1570 ".
[4]راجع بحث د. شابو تالاي (بالانكليزية)، المنشور في كتاب: مؤتمر اللغة السريانية الرابع، إعداد روبين بيت شموئيل، دهوك 2009، ص 23-33.
[5] كان (حمّو شرّو) زعيم الطائفة الايزيدية في جبل سنجار قد حماهم من بطش الدولة العثمانية ابان مذابح المسيحيين الآرمن والسريان، وعندما زال النظام السياسي العثماني من الوجود رفضوا مغادرة سنجار التي آوتهم واحتضنتهم اثناء سنوات الصعاب والاضطهاد. للمزيد حول دور هذا الرجل في حماية المسيحيين، احيل القاريء الكريم الى كتاب المرحوم عبد المسيح قره باشي بالسريانية الفصيحة "دمِأ زلتحِا، سوتدن 1997"، الذي ترجمه الى العربية مؤخراً المطران جورج صليبا بعنوان " الدم المسفوك "، جبل لبنان 2005.
[6] كتب عن هذه الكنيسة المرحوم المطران بولص بهنام " نبذة عن كنيسة العذراء "، مجلة لسان المشرق، العدد الأوّل، الموصل 1949.