
بقلم: أنور كاكو
"الكلمة صار جسداً وحل بيننا، ورأينا مجده مجداً كما الوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً". يوحنا 14:1. وذلك لأن طبيعتنا كانت مريضة، تطلب الشفاء، وتتوق إلى الخلاص من عثرتها وميتتها، تأمل ان تبعث حيّة لانها فقدت إمتلاكها للخير الذي ولدت فيه، فكان لابد من إعادته اليها. كنا غارقين في الظلمات وكان لا بد من رفعها إلى النور. كنا أسرى ننتظر مُخلصاً، وسجناء ننتظر عوناً، وعبيداً ننتظر محرراً. فهل كانت هذه الدواعي بدون اهمية؟ ألم تكن تستحق ان تحرك عطف الله إلى حد ان تنزله إلينا! إن خطة الله كانت: الكلمة صار جسداً مثلنا، لكي نعرف محبة الله. وبهذا ظهرت محبة الله فيما بيننا. أرسل الله ابنه الوحيد إلى العالم لنحيا به. إذ إن الله احب العالم هكذا حتى انه بذل إبنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له حياة ابدية، فأتخذ الله طبيعة بشرية لكي يحقق فيها خلاصنا، ولكي يجعلنا شركاء في الطبيعة الإلهية.
فبما ان الكلمة صار جسداً مُتخذاً ناسوتاً حقيقياً فإن جسد المسيح كان محدداً. ولهذا كان بالامكان (رسم) وجه يسوع البشري. وفي مجمع المسكوني السابع، اعترفت الكنيسة بأنه من الشرعي رسمه في صورٍ مقدسة. وفي الوقت نفسه هو أن جسد المسيح الذي (اصبح الله غير المنظور بطبيعته منظوراً لعيوننا) وهكذا فإن ميزات المسيح الفردية تعبر عن شخص ابن الله الإلهي. وهكذا اتخذ لذاته ملامح جسده البشري إلى حد انه إذا رُسمت هذه الملامح في صورة مقدسة، يمكن إكرامها، إذ إن المؤمن الذي يُكرم صورته يكرم فيها الشخص الذي رُسم فيها.
ومن اكثر الأيقونات شيوعاً، هي أيقونة ميلاد الرب يسوع التي لم تتغير في عدد شخوصها وملامحها إلا القليل. فنرى أغلب رسامي العالم يرسمون هذا الايقونة مقاربة للأيقونة الاصلية. لهذا نرى الرب يسوع في الأيقونة مضطجعاً في مذود. يمثل نزول الكلمة من السماء إلى الهاوية أو إلى ظلمة هذا العالم، ووجد النور في الظلمة معاً، وشمس البر التي أذابت ظلام الموت إلى الابدية، ولم يعد موت البشر موتاً أبدياً، بل حياة دائمة وفرح دائم معه. ونرى الطفل مقمطاً وفي بعض الاحيان يرسمونه مربوطاً برباط أبيض يلف جسده كله، يرمز إلى الاكفان التي سيكفن بها. فميلاده يُنبيء عن موته، ومرة أخرى نرى هذه الاقمطة أو الاكفان في قيامته من القبر، ومن بين الاموات.
مريم العذراء: ترسم مريم العذراء بثوبها الازرق، رمزاً للسماء الثانية الذي حل في بطنها، ابن الله الكلمة. وفي بعض الاحيان يرسم لون ثوبها بلون ابيض رمزاً للطهارة والنقاء. ويبين في أيقونة الميلاد سر اهتمام مريم العذراء بولدها إذ هو كائن يخصها وحدها، في نطاق الطبيعة البشرية، كما يخص أي طفل امه في اي زمن. غير ان هذه العلاقة البشرية تندرج في صميم علاقة إلهية، حيث ليس ابنها خاصتها وحدها. بل هو جوهرياً ابن الآب الأزلي، ولكن مع أن الله هذا لا يدين بابوية لأي كائن بشري، إلا أنه يمتلك بشريتنا جسداً وروحاً. وهذه البشرية يستمدها حصراً من امه مريم.
مار يوسف البتول: يُرسم مار يوسف في الجانب من الأيقونة، اي يبعد قليلاً عن المولد، وكأنه يتأمل في ميلاد الرب، وكان يفكر كيف اراد ان يخلي مريم سراً قبل ولادة الطفل بهذه الطريقة الإعجازية. وفي بعض أيقونات الميلاد نجد العذراء مريم تنظر نظرة عطف وحنان إلى خطيبها لأنه فكر في ان يخليها سراً.
المجوس: الكتاب المقدس لا يذكر عدد هؤلاء المجوس، لكن ذكر أنهم قدموا للمولود ثلاث هدايا. (ذهباً) رمز للمُلك، لان المولود ملك. و(لباناً) وهو البخور، لان المولود هو رئيس الكهنة وكهنوته دائم إلى الابد. و(مراً) رمز للعذاب والصلب الذي سيلقاه من جراء خطيئة البشر، وتخليصهم من نيرها. استناداً لذكر عدد الهدايا فان عدد المجوس ثلاث. وهنا تنبؤ بالقيامة من ببين الاموات بعد ثلاثة ايام. وبهذا صار سجود المجوس باكورة الامم الوثنية بخضوعهم للايمان بالمسيح.
الثور والحمار: الثور يرمز للأمة اليهودية. والحمار يرمز إلى الأمم غير اليهودية. الثور يغمض عينه ويلف الطاحون او الساقية منفذاً تماما ما يطلبه سيده منه. أي بمعنى إنه ينفذ الناموس تماماً من دون ان يعى كُنه ما يفعله. هذا ما تفعله اليهودية التي تنفذ الوصايا المكتوبة بلا معرفة، مقيدين بحرفية الوصية ومنفذيها، جاهلين جوهر وروحية الوصية. الحمار الذي يشير إلى الامم التي تحمل على كاهلها نير الوثنية الثقيل، ويسيروا بهذا الحمل الثقيل ولا يعرفوا كيف الخلاص منه. إذن وجود الثور والحمار معاً في أيقونة الميلاد يرمز للخليقة كلها بدون استثناء اليهودية وغير اليهودية. إذ المولود هو للكل. والتقليد يشير على ان مار يوسف حينما دخل الحظيرة كان معه حمارا تركب عليه خطيبته مريم، متعبة لتلد، ومن ثم انزل خطيبته لتستريح ولتلد ابنها. إن ربط الحمار بجوار الثور الموجود في الحظيرة، كما قال اشعيا 3:1 "الثور يعرف مقتنيه والحمار مَعلفَ صاحبه، اما بنو إسرائيل فلا يعرفون، شعبي لا يفهم شيئاً".
الخراف: الخراف هي النفوس التي تنتظر راعيها الحقيقي الذي يقودها إلى المرعى والامان من الذئاب الخاطفة.
الرعاة: في بعض الأيقونات يُرسم الرعاة، وفي بعضها لا يرسمون. في الأيقونات التي يُرسم فيها الرعاة ترمز إلى الشعب المتلهف لنزول الملك من السماء ويعتقهم من الموت والحياة الفانية إلى الحياة الابدية.