
كنيسة الطاهرة الكبرى للسريان الكاثوليك في بغديدا (قره قوش)، وهي توثق لحظة تاريخية مؤثرة لأول قداس إلهي أقيم بعد طرد تنظيم داعش من البلدة في تشرين الاول أكتوبر 2016. ميزوبوتاميا للتراث. (2017). كنيسة الطاهرة في قره قوش. تصوير باسكال ماغيسيان. مسترجع من: mesopotamiaheritage.org
عشتارتيفي كوم – تاريخ وتراث
في قلب سهل نينوى، إلى الجنوب الشرقي من الموصل، تقف بغديدا، المعروفة أيضاً باسم قره قوش والحمدانية، شاهدةً على تاريخ طويل من الحضور المسيحي السرياني في بلاد ما بين النهرين. فمنذ قرون، ارتبط اسمها بالكنائس والأديرة واللغة السريانية والمخطوطات، كما ارتبط بتاريخ من الهجرات والاضطهادات ومحاولات إعادة بناء الحياة بعد الحروب.
ولا تقتصر أهمية بغديدا على كونها إحدى أبرز بلدات سهل نينوى المسيحية، بل تكمن أيضاً في إرثها الثقافي واللغوي والكنسي الذي حفظته أجيال متعاقبة، رغم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة.
أولاً: الاسم والجذور التاريخية
تُعرف البلدة بأسماء متعددة، أبرزها بغديدا وبخديدا وقره قوش والحمدانية. ويُستخدم اسم بغديدا على نطاق واسع بين أبنائها، فيما يُرجَّح أن اسم قره قوش ذو أصل تركي، ويعني «الطائر الأسود».
أما أصل اسم بغديدا ومعناه الدقيق، فهناك تفسيرات لغوية متعددة. ويربط أحد التفسيرات الاسم بصيغة سريانية قديمة هي «بيت خوديداد»، التي تُفسَّر بأنها «البيت الذي أعطاه الله»، إلا أن هذا التفسير ليس محل اتفاق نهائي بين الباحثين.
وتشير قاعدة بيانات اللهجات الآرامية الحديثة في جامعة كامبريدج إلى أن أقدم ذكر معروف للاسم القديم للبلدة ورد في مصدر سرياني يعود إلى القرن السابع الميلادي، بصيغة «بيت خوديداد». أما اسم قره قوش، فتشير الدراسة إلى أنه ظهر في المصادر ابتداءً من القرن السادس عشر، ويرجح ارتباط انتشاره بالحكم العثماني أو بالوجود التركماني في المنطقة.
ثانياً: دخول المسيحية وتحول بغديدا إلى مركز كنسي
لا يتفق الباحثون بصورة قاطعة على التاريخ الذي دخلت فيه المسيحية إلى بغديدا. فبحسب التقليد الكنسي، وصلت المسيحية إلى البلدة وسهل نينوى في أواخر القرن الرابع أو مطلع القرن الخامس، بينما ترجّح مصادر تاريخية أن عملية التنصير ترسخت خلال القرن السابع الميلادي.
وأصبحت بغديدا لاحقاً مركزاً مهماً للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وارتبطت بتاريخها الكنسي أسماء كنائس وأديرة وشخصيات دينية ساهمت في الحياة الروحية والثقافية للمنطقة.
وخلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر، شهدت البلدة وصول جماعات مسيحية من تكريت ومناطق أخرى في وسط العراق، في سياق التحولات التي تعرضت لها المراكز المسيحية القديمة. وأسهمت هذه الهجرات في تعزيز مكانة بغديدا بوصفها مركزاً للسكن والعبادة والثقافة السريانية.
وفي القرون اللاحقة، انتشر الانتماء إلى الكنيسة السريانية الكاثوليكية في البلدة، ولا سيما خلال القرن الثامن عشر، مع استمرار وجود الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وتراثها التاريخي.
ثالثاً: الكنائس القديمة.. ذاكرة البلدة الحجرية
تحتضن بغديدا مجموعة من الكنائس التاريخية التي تمثل سجلاً معمارياً وروحياً لتطور الحياة المسيحية فيها. ومن أبرزها كنيسة الطاهرة الكبرى، وكنيسة مار كوركيس، وكنيسة مار شموني، إلى جانب كنائس أخرى ارتبطت بأحياء البلدة وعائلاتها وتقاليدها الدينية.
وتُعد كنيسة مار كوركيس من المعالم المهمة في تاريخ بغديدا الكنسي. ووفقاً للمادة التاريخية التي نشرها مشروع تراث بلاد ما بين النهرين، يُنسب تأسيس الكنيسة القديمة إلى القرن السادس الميلادي، استناداً إلى دراسة للمطران بولس بهنام نُشرت عام 1949، كما ورد ذكرها في كتاب صلوات يعود إلى عام 1270.
وتُظهر هذه الشواهد أهمية الكنائس بوصفها أماكن للعبادة، وكذلك مراكز لحفظ الذاكرة الجماعية والتقاليد الدينية واللغة السريانية، التي ظلت حاضرة في الصلوات والطقوس والاحتفالات الكنسية.
رابعاً: اللغة السريانية والمخطوطات.. تراث يتجاوز حدود البلدة
تمثل اللغة السريانية أحد أبرز مكونات الهوية الثقافية لبغديدا. فقد حافظ سكان البلدة على لهجتهم الآرامية المحلية، المعروفة باسم السورث، إلى جانب حضور السريانية الفصحى في الطقوس الكنسية والأدب الديني.
وتوثّق قاعدة بيانات جامعة كامبريدج اللهجة المحلية في بغديدا ضمن لهجات الآرامية الحديثة الشمالية الشرقية.
ولم يقتصر الإرث الثقافي على اللغة المنطوقة، بل شمل أيضاً المخطوطات والكتب الكنسية والنصوص السريانية والكرشونية، وهي نصوص عربية مكتوبة بالحرف السرياني. وقد شكّلت هذه المواد سجلاً لتاريخ المجتمع وحياته الدينية والتعليمية وصلاته بالمراكز السريانية الأخرى.
ومن الدراسات التي توثق هذا الجانب كتاب الباحث بهنام سوني، «بغديدا في نصوص سريانية وكرشونية وعربية وأجنبية: من بداية القرن السابع إلى نهاية القرن التاسع عشر»، الصادر عن وزارة الثقافة والشباب العراقية عام 2011. ويجمع الكتاب مواد تاريخية متنوعة تسهم في دراسة البلدة وتطورها عبر القرون.
خامساً: غزوات وحروب تركت آثارها في الذاكرة
لم يكن تاريخ بغديدا خالياً من المحن. فقد تعرضت البلدة ومحيطها في فترات مختلفة لهجمات واضطرابات أثرت في سكانها ومؤسساتها الدينية.
ومن أبرز المحطات غزو نادر شاه للمنطقة عام 1743، عندما تعرضت بغديدا للنهب والتخريب وأُحرقت كنائس فيها. وتشير الروايات التاريخية التي وثقها مشروع تراث بلاد ما بين النهرين إلى أن عدداً من السكان فروا إلى الموصل، وشاركوا في الدفاع عنها خلال الهجوم.
وفي القرون التالية، استمرت التحولات السياسية والاقتصادية في التأثير في البلدة، بما في ذلك المجاعة والهجرة والنزاعات على الأراضي. وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، خاض سكان بغديدا نزاعاً قضائياً طويلاً بشأن ملكية أراضي البلدة، انتهى بإصدار أحكام قضائية لصالح الأهالي في خمسينيات القرن العشرين، وفق الروايات التاريخية المنشورة عن البلدة.
سادساً: احتلال داعش عام 2014.. نزوح جماعي وتدمير للتراث
شكّل تقدم تنظيم داعش نحو سهل نينوى في صيف عام 2014 إحدى أكثر المحطات قسوة في تاريخ بغديدا الحديث. ففي أغسطس من ذلك العام، فرّ معظم السكان من البلدة مع اقتراب التنظيم، في موجة نزوح واسعة شملت بلدات مسيحية أخرى في المنطقة.
وخلال فترة الاحتلال، تعرضت الكنائس والممتلكات والمنازل للتدنيس والنهب والحرق والتخريب. كما اضطر السكان إلى مغادرة بيوتهم، وتوزع كثيرون منهم بين إقليم كوردستان ومناطق أخرى داخل العراق وخارجه.
وأشارت تقارير صحفية ودولية إلى أن بغديدا، التي كانت تضم عشرات الآلاف من المسيحيين قبل الهجوم، أصبحت شبه خالية من سكانها بعد نزوحهم الجماعي. وقد خلّفت هذه الأحداث خسائر مادية وإنسانية عميقة، وأثارت مخاوف بشأن مستقبل الوجود المسيحي التاريخي في سهل نينوى.
سابعاً: التحرير وإعادة الإعمار وزيارة البابا فرنسيس
بعد تحرير بغديدا من تنظيم داعش في عام 2016، بدأت مرحلة صعبة لإصلاح المنازل والكنائس وإعادة الخدمات وتشجيع السكان على العودة. ولم تكن إعادة الإعمار مجرد ترميم للمباني، بل محاولة لإحياء مجتمع تضررت روابطه بفعل النزوح وفقدان الممتلكات والهجرة.
وفي مارس 2021، زار البابا فرنسيس بغديدا خلال رحلته التاريخية إلى العراق، وتوقف في كنيسة الطاهرة الكبرى، حيث التقى رجال الدين وأبناء المجتمع المسيحي. وقد حملت الزيارة دلالة رمزية كبيرة بالنسبة إلى السكان، إذ جاءت بعد سنوات من الاحتلال والتدمير، وسلّطت الضوء على ضرورة حماية التنوع الديني والثقافي في العراق.
وذكرت صحيفة الغارديان أن الزيارة جاءت في سياق دعوة البابا إلى المصالحة وإعادة بناء المجتمعات التي تضررت من العنف، مع تأكيد أهمية عودة المسيحيين إلى مناطقهم التاريخية.
بغديدا.. تاريخ حيّ ومسؤولية الحفاظ على الذاكرة
إن تاريخ بغديدا ليس مجرد سرد لأسماء الكنائس أو تواريخ الغزوات، بل هو قصة مجتمع حافظ على لغته وطقوسه وذاكرته عبر قرون من التحولات. وتكشف شواهدها الكنسية ومخطوطاتها ولهجتها المحلية عن مكانة البلدة في التاريخ الثقافي للمسيحيين السريان في بلاد ما بين النهرين.
واليوم، تظل حماية كنائس بغديدا ومخطوطاتها، وتوثيق لهجتها وتراثها الشفهي، ودعم عودة سكانها واستقرارهم، عناصر أساسية للحفاظ على هذا الإرث. فصون بغديدا يعني الحفاظ على جزء مهم من تاريخ العراق المتعدد الثقافات والأديان، وعلى ذاكرة حيّة لا تزال تتناقلها الأجيال.
المصادر والمراجع