
كنيسة والدة الإله (العذراء مريم) الواقعة في قرية حاح (أنطلي) في قضاء مديات التابعة لولاية ماردين التاريخية. الصورة بواسطة: Dosseman، مأخوذة من ويكيميديا كومنز، ومتاحة تحت رخصة المشاع الإبداعي (CC BY-SA 4.0).
عشتارتيفي كوم- اليونسكو/
تُعد منطقة طور عابدين في جنوب شرقي تركيا واحدة من أبرز المراكز التاريخية للوجود السرياني، لما تضمه من عشرات القرى والكنائس والأديرة التي تعكس قرونًا من التاريخ الديني والمعماري والثقافي السرياني. وقد أدرجت تركيا المنطقة ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو في 15 نيسان/أبريل 2021، تحت اسم «كنائس وأديرة العصور القديمة المتأخرة والعصور الوسطى في مديات والمنطقة المحيطة بها (طور عابدين)».
وتقع المنطقة حول مدينة مديات في محافظة ماردين، فوق هضبة من الحجر الجيري تمتد لنحو 120 كيلومترًا من الشرق إلى الغرب ونحو 50 كيلومترًا من الشمال إلى الجنوب، وتحدها مناطق دجلة وبلاد الرافدين وماردين. وتضم المنطقة، وفق ملف اليونسكو، نحو 80 قرية وحوالي 100 كنيسة و70 ديرًا، فيما يرتبط جانب كبير من هذا التراث بالجماعة السريانية الأرثوذكسية.
جذور تعود إلى العصر الآشوري
ويشير ملف اليونسكو إلى أن طور عابدين كانت مأهولة منذ العصر الآشوري، قبل أن تتحول بصورة خاصة منذ القرن السادس الميلادي إلى مركز ديني مهم للسريان الأرثوذكس.
وجاء هذا التحول في سياق الخلافات اللاهوتية التي أعقبت مجمع خلقيدونية عام 451م، إذ أصبحت المنطقة ملجأ للرهبان السريان، وبدأت فيها عملية واسعة لبناء الكنائس والأديرة في المناطق الريفية والمنعزلة.
وتشير اليونسكو إلى أن بعض الأديرة استفادت في فترات مختلفة من الرعاية الإمبراطورية البيزنطية، ومن بينها دير مار جبرائيل الذي ارتبط بدعم الإمبراطور أناستاسيوس، فيما تحمل عمارة دير الزعفران أيضًا مؤشرات على تأثير الرعاية الإمبراطورية.
ازدهار العمارة السريانية بعد مجيء العربي
بعد المجيء العربي للمنطقة عام 640م، استمر السريان الأرثوذكس في بناء الكنائس والأديرة، وشهدت المنطقة ازدهارًا ملحوظًا في تشييد المباني الدينية خلال القرنين الأولين من الحكم العربي.
ويلفت ملف اليونسكو إلى أن أبرز ما يميز هذا التراث هو استمراريته المعمارية، إذ حافظت الكنائس الرهبانية على نمط القاعة المستعرضة، بينما اتبعت كنائس القرى نمط القاعة.
كما استمرت التقاليد الفنية القديمة في المنطقة، ومنها النحت الكلاسيكي الذي يعود إلى القرن السادس، قبل أن تظهر خلال القرن الثامن أشكال أكثر تبسيطًا منه.
أما القرن الثاني عشر، فيصفه الملف بأنه فترة «النهضة السريانية» في مجال الإنتاج الأدبي، مع استمرار بناء الكنائس والأديرة ووجود نقوش توثق العلاقات بين الجماعة السريانية والحكام الأرتقيين.
السريانية القديمة و«تورويو».. لغة حية تواجه خطر الاندثار
ولا تقتصر أهمية طور عابدين على العمارة، إذ ما تزال الطقوس في كنائسها وأديرتها تُقام باللغة السريانية القديمة، وهي لهجة الرها من الآرامية.
ويشير ملف اليونسكو إلى أن السريانية أدت تاريخيًا دور لغة جسر بين اليونانية والعربية في حركات الترجمة، فيما لا تزال لهجة آرامية حديثة تعرف باسم «تورويو» (Turoyo) متداولة في المنطقة.
ويصنف أطلس اليونسكو للغات العالم المهددة بالاندثار هذه اللهجة على أنها مهددة بشدة.
تسعة مواقع دينية ضمن ملف الترشيح
ورغم العدد الكبير من الكنائس والأديرة الموجودة في طور عابدين، فإن الملف التمهيدي يركز على تسعة مكونات تمثل ثمانية مكونات متسلسلة، هي:
كنيسة مار صابا في حاح.
كنيسة يولدات ألوهو «السيدة العذراء» في حاح.
دير الزعفران.
دير مار جبرائيل.
دير مار أباي قرب قلّيث.
دير مار لوزور قرب حبسيناس.
دير مار يعقوب في صالح/بارش تبه.
كنيسة مار قرياقوس في أوردنوس.
كنيسة مار أزوزئيل في كفرزي.
وتعود غالبية العناصر المعمارية المختارة إلى الفترة الممتدة بين القرنين السادس والثامن الميلاديين، وتقدم، بحسب الملف، صورة عن التطور المعماري والديني في المنطقة.
دير الزعفران ومار جبرائيل.. أبرز المعالم
ومن بين المواقع المختارة دير الزعفران، الذي كان مقرًا للبطريرك السرياني الأرثوذكسي بين عامي 1293 و1932. وتعود كنيسته وحجرة الدفن فيه إلى القرن السادس، ما يجعله من أقدم الكنائس الرهبانية الباقية التي لا تزال مستخدمة.
أما دير مار جبرائيل، فتذكر المصادر النصية أنه تأسس عام 397م، رغم أن معظم مبانيه الحالية تعود إلى القرن السادس. وتضم كنيسته الرئيسية أرضية من تقنية Opus sectile وفسيفساء جدارية تحمل نقشًا يونانيًا، ما يعكس التفاعل الثقافي والفني الذي شهدته المنطقة في العصر البيزنطي.
تراث معماري يجمع التأثيرات البيزنطية والأرمنية والجورجية
وتبرز اليونسكو في ملفها الطابع المعماري الفريد لطور عابدين، حيث تتقاطع فيها عناصر بيزنطية وأرمنية وجورجية ومحلية.
وتقدم كنيسة السيدة العذراء في حاح مثالًا واضحًا على هذا التداخل، إذ تجمع بين مخطط كنائس القاعات ومخطط الكنائس ذات القاعات المستعرضة، وتضم عناصر معمارية تعكس تأثيرات متعددة.
كما تتميز المنطقة بوجود نوعين معماريين مرتبطين بها بصورة خاصة، هما المصليات الخارجية (Beth Slutho) وأماكن الدفن (Beth Qadishe).
اليونسكو: المنطقة تمثل شهادة استثنائية على التقاليد السريانية
وتستند القيمة العالمية الاستثنائية المقترحة للموقع إلى ثلاثة معايير هي (iii) و(iv) و(vi).
وبحسب ملف الترشيح، يمثل طور عابدين شهادة استثنائية على التقاليد الثقافية للجماعة السريانية الأرثوذكسية، كما يقدم مثالًا مميزًا على تطور العمارة الرهبانية المسيحية المبكرة بين القرنين السادس والثامن.
كما يوضح الملف كيفية تشكل المشهد الريفي للمسيحية الشرقية من خلال العلاقة المتكررة بين الأديرة والقرى المحيطة بها، فضلًا عن استمرار التقاليد والطقوس السريانية القديمة.
«جبل آثوس الشرق»
ويقارن ملف اليونسكو طور عابدين بجبل آثوس في اليونان، ويشير إلى أن المنطقة وُصفت بأنها «جبل آثوس الشرق»، نظرًا إلى تركّز الأديرة فيها واستمرار مكانتها بوصفها مركزًا للمسيحية الأرثوذكسية على مدى قرون.
غير أن الملف يلفت إلى اختلاف مهم، وهو أن طور عابدين تضم العديد من القرى إلى جانب الأديرة، بينما لا توجد قرى في جبل آثوس، باستثناء كارييس. كما أن الأديرة التي تعود إلى القرن السادس في طور عابدين أقدم بنحو أربعة قرون من أديرة جبل آثوس.
موقع ما يزال حيًا وليس مجرد أثر تاريخي
ويؤكد ملف اليونسكو أن الكنائس والأديرة المختارة لا تزال في مواقعها الأصلية، وأن المخططات المعمارية وأشكال المباني والمناطق المحيطة بها حافظت بدرجة كبيرة على أصالتها وسلامتها.
كما أن غالبية هذه الكنائس والأديرة لا تزال نشطة دينيًا، باستثناء مار صابا ومار لوزور ومار أباي، وقد خضعت لعمليات ترميم عبر الزمن لتلبية احتياجات المجتمعات المحلية والزوار القادمين من خارج المنطقة.
من القائمة التمهيدية إلى التراث العالمي
ويُشار هنا إلى نقطة مهمة تحريريًا: طور عابدين ليست مدرجة حاليًا ضمن قائمة التراث العالمي النهائية لليونسكو، وإنما ضمن القائمة التمهيدية (Tentative List) لتركيا. وقد قدمت تركيا ملفها في 15 نيسان/أبريل 2021، بينما ما تزال القائمة التمهيدية التركية تتضمن الموقع تحت اسم «Late Antique and Medieval Churches and Monasteries of Midyat and Surrounding Area (Tur ʿAbdin)».
وبذلك يمثل ملف طور عابدين محاولة لتوثيق وحماية مشهد ثقافي وديني سرياني يمتد عبر قرون، ويجمع بين العمارة المسيحية المبكرة، والتاريخ الآشوري والبيزنطي، والتراث السرياني، والمخطوطات واللغة والطقوس، والقرى والأديرة التي لا يزال بعضها يؤدي دوره الديني حتى اليوم.
مصدر الخبر الأساسي: ملف الترشيح الرسمي المنشور في مركز التراث العالمي التابع لليونسكو.