
مدرسة خالكي اللاهوتية (Halki Seminary) في جزيرة هيبيليادا بإسطنبول، الذي تولى تدريب أجيال من رجال الدين في الكنيسة الرومية الأرثوذكسية (اليونانية) لأكثر من قرن، قبل أن تقوم السلطات التركية بإغلاقه في عام 1971. وعلى الرغم من عقود من المناشدات، بما في ذلك مناشدات من رؤساء الولايات المتحدة، فإنه لا يزال مغلقاً حتى اليوم." مصدر الصورة: ويكيميديا كومنز / مرخص تحت رخصة المشاع الإبداعي المفتوح (CC BY-SA 3.0)
عشتارتيفي كوم- ميدل ايست فوريوم/
19 أيلول 2026
دراسة أكاديمية تبحث في تحديات الاستدامة المؤسسية للمكونات الدينية في تركيا
واشنطن العاصمة – نشر منتدى الشرق الأوسط (MEF) دراسة تحليليّة موسّعة للباحث الأكاديمي كرايغ كونسيدين، ناقش فيها التغيرات التي طرأت على البنية التعددية والثقافية في تركيا، ومدى تأثر الضمانات والمكتسبات القانونية والمؤسسية التي أقرتها معاهدة لوزان التاريخية عام 1923 الخاصة بالمكونين المسيحي واليهودي.
وأوضحت الدراسة أن المكونات الدينية التاريخية في منطقة الأناضول تشهد تراجعاً عددياً ملحوظاً؛ حيث تُقدر الأعداد الحالية بنحو 15 ألف مواطن يهودي وحوالي 300 ألف مواطن مسيحي من مختلف الطوائف، وهو ما يضع التراث الثقافي والديني القديم لهذه المكونات أمام تحديات بقاء واستدامة حقيقية في ظل تنامي التيارات القومية والمجتمعية المحافظة.
الأبعاد الرمزية لتحولات المعالم التاريخية
وتناولت الدراسة قرار إعادة تحويل مبنى "آيا صوفيا" التاريخي إلى مسجد في يوليو 2020، معتبرة أن هذه الخطوة حملت أبعاداً رمزية كرست الهوية الثقافية السائدة، مقارنة بالرؤية المشتركة التي وضعتها الدولة التركية عام 1934 حين حولت المبنى إلى متحف عام. وأشار التقرير إلى أن هذا التحول الفكري والمؤسسي يسهم في إعادة تصنيف مكانة المكونات الدينية اجتماعياً وقانونياً، ويؤثر على شعورها بالمواطنة الكاملة والشرعية التاريخية.
خمسة محاور تنظيمية تواجه المكونات الدينية
وحددت الدراسة خمسة ملفات تنظيمية وإدارية رئيسية تساهم في إضعاف الحضور المؤسسي والديموغرافي لهذه المكونات:
القيود الإدارية على القيادات والمؤسسات الروحية: تلفت الدراسة إلى استمرار التدخلات الرسمية في تنظيم آليات اختيار القيادات الروحية، إلى جانب مواصلة إغلاق بعض المعاهد التعليمية الدينية التاريخية، مثل معهد "هالكي" اللاهوتي المغلق منذ عام 1971 ومدرسة "سورب هاتش" الأرمنية، مما يفرض قيوداً على إعداد وتأهيل كوارد دينية محلية جديدة.
التنظيم القانوني والممتلكات الأوقافية: بموجب قانون الأوقاف لعام 1935، خضعت الممتلكات التابعة لغير المسلمين لرقابة وإجراءات إدارية مشددة أدت إلى فقدان العديد من الأصول العقارية. ورغم المبادرات الرسمية لتسوية هذا الملف وإعادة العقارات بدءاً من عام 2011، إلا أن الشروط التنظيمية استثنت المواقع والمقابر غير المدرجة في سجلات عام 1936، فضلاً عن الصعوبات الإدارية التي تواجه بناء دور عبادة جديدة أو ترميم القائم منها.
الترميز البيروقراطي في السجلات الرسمية: على الرغم من إلغاء خانة الديانة الظاهرة من بطاقات الهوية الوطنية عام 2016 استجابة لقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، كشفت الدراسة أن السجلات الداخلية والشرائح الإلكترونية الذكية لا تزال تحتفظ بالتصنيفات الدينية. وتستخدم الأجهزة البيروقراطية رموزاً رقمية داخلية لتصنيف المواطنين بحسب معتقداتهم، إلى جانب إدراج بعض الرموز الأمنية التي تؤثر على إقامات وأنشطة العاملين الدينيين الأجانب في البلاد.
توجيه الإرث الثقافي نحو الاستثمار السياحي: ترى الدراسة أن السياسات الرسمية تميل إلى توظيف التراث الديني للمكونات كأدوات للجذب السياحي والاستثماري دون إعطاء أولوية لدعم نمو واستقرار المجتمعات المحلية الحية؛ مثل تحويل أديرة كابادوكيا التاريخية إلى منشآت فندقية، وتبني أسماء رسمية جديدة لبعض المعالم التاريخية مثل كاتدرائية آني الأرمنية بما يتماشى مع السردية الرسمية السائدة.
الضغوط الإعلامية والسياسية: تشير الدراسة إلى تأثر المكونات المحلية بالصراعات الإقليمية والدولية؛ حيث يميل الخطاب الإعلامي السائد إلى ربط المواطنين اليهود بالسياسات الخارجية لدول أخرى، أو النظر إلى المكونات المسيحية من منظور الشك والارتباط بالغرب، وهو ما يُعرف تاريخياً بـ "متلازمة سيفر"، مما يؤدي أحياناً إلى حملات تشويه إعلامية تستهدف شخصيات ومؤسسات تابعة لهذه المكونات.
توصيات وخارطة طريق
وخلصت الدراسة إلى أن تعزيز قيم التعددية والمواطنة يتطلب تبني إصلاحات هيكلية مرنة تشمل: منح استقلالية أوسع للأوقاف التابعة للمكونات الدينية، وإعادة فتح المعاهد اللاهوتية لضمان الاستمرارية الروحية، وإلغاء التصنيفات الدينية من الأنظمة الإدارية لمنع التمييز، فضلاً عن دمج التاريخ المتنوع للأناضول في المناهج الدراسية لتعزيز قيم التعايش والتفاهم المشترك.
المصدر الأصلي للدراسة:
لمطالعة التقرير البحثي كاملاً من المصدر: Middle East Forum - The Betrayal of Lausanne in the 'Forgotten Holy Land'.
الرابط المباشر لمشروع رصد الحقوق: The Dhimmitude Project.
الصورة مأخوذة من الأرشيف السياحي والترويجي العام لـ فندق الكهف (Seven Rock Cave Hotel)الواقع في بلدة غوريم (Göreme) الشهيرة بـ "مداخن الجنيات" في منطقة كابادوكيا التاريخية بتركيا، حيث جرى تحويل المساكن الصخرية المنحوتة ذاتها، والتي كانت تضم يوماً بعضاً من أكثر المجتمعات الرهبانية تأثيراً في بدايات المسيحية، إلى أماكن إقامة فاخرة تطل على مناظر المناطيد الطائرة، مما يحرم المكون المسيحي المتناقص في تركيا من الوصول إلى مساحات تشكل جزءاً محورياً من تراثه الخاص." مصدر الصورة: أرشيف فندق Seven Rock Cave في كابادوكيا / مادة تعبيرية سياحية