
دير مار بهنام | مصدر الصورة: صفحة مار بهنام وسارة في فيسبوك
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
بغداد, الثلاثاء 11 أغسطس، 2026
إذا سنحت لكم الفرصة يومًا لزيارة العراق، ستُدرِكون أنّكم لستم سائحين في بلادٍ عمر حضارتها آلاف السنين وحسب، بل إنّكم حجّاجٌ أيضًا إلى كنائس وأديار ما زال بعضها عامرًا وبعضها الآخَر غدا أطلالًا، لكنّها تشهد كلّها على عمق جذور المسيحيّة في هذه الأرض المباركة.
أسّسَ القدّيس متّى ديره في القرن الرابع الميلاديّ في حضن جبل الفاف، شمال شرقيّ الموصل، مركز محافظة نينوى، معانِقًا السماء على ارتفاعٍ يُقارب 1000 متر. ويُعدّ أحد أقدم أديرة العراق التاريخيّة التي ما زالت عامرة بالرهبان.
داخل كنيسته المبنيّة وفق الطراز المشرقيّ، وفي بيت الشهداء والقدّيسين، يرقد مؤسّسه والعلّامة ابن العبريّ وعدد من آباء الكنيسة السريانيّة وقدّيسيها. وبقي الدير عصيًّا على تنظيم داعش الإرهابيّ، فلم يسقط تحت احتلاله رغم وصوله إلى تخومه.
اشتهر القدّيس بِنُسكه وقداسته، فأكرمه الله بعمل العجائب والشفاءات. لذا تجدون آلاف الزوّار من مختلف الانتماءات يقصدونه، على مدار العام، متضرّعين وطالبين بركة «الشيخ متّي» وشفاعته، لا سيّما في عيده الواقع في 18 سبتمبر/أيلول.
دير مار بهنام وأخته سارة ورفاقه
بحسب التقليد، كان بهنام وسارة أميرَيْن وثنيَّيْن اهتديا إلى المسيحيّة واعتمدا على يد مار متّى الناسك، ثمّ استشهدا بأمرٍ من أبيهما مع أربعين من رفاقهما في الموضع القائم فيه الجبّ اليوم، قبالة الدير.
شُيِّدَ هذا الدير في القرن الرابع ويبعد مسافة 14 كيلومترًا جنوب بغديدا/قرة قوش، قريبًا من آثار العاصمة الآشوريّة «نمرود». يعجّ بالزائرين على مدار العام، مسيحيّين وغير مسيحيّين، لا سيّما يوم عيده في العاشر من ديسمبر/كانون الأوّل.
في خلال فترة سيطرة تنظيم داعش على المنطقة، حُطِّمَت صلبان الدير وشُوِّهَت معالم أيقوناته ومنحوتاته، وفُجِّر معبد الجبّ في مارس/آذار 2015. وبعد التحرير في 2017، أُعيد إعمار الدير وبناء الجبّ بحجارته الأصليّة. وفي وقتٍ لاحق، كشف رهبان الدير عن مخبأ حفظوا فيه المخطوطات النادرة قبيل مغادرتهم.
دير الربّان هرمزد
يعود تاريخ هذا الصرح التاريخيّ الصامد في حضن جبل بيت عذري، المعروف اليوم بجبل ألقوش، في محافظة نينوى، إلى القرن السابع، ويتميّز بكنائسه الأربع المحفورة في الجبل.
ترجع كنيسة الإنجيليّين الأربعة إلى عهد الأنبا الشهيد جبرائيل دنبو، مؤسّس الرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة، لكنّ قبر الأب دنبو مستقرّ في كنيسة الثالوث الأقدس، أوسع كنائس الدير التي ترقى إلى القرن الخامس عشر.
وهناك أيضًا كنيسة الربّان هرمزد التي ترقى إلى عهده، لكنّ ضريحه موجود في كنيسة مار أنطونيوس أبي الرهبان، أوّل مُصلّى في الدير.
نجا الدير ومثله ألقوش المتاخمة من احتلال داعش، واليوم أبوابه مشرعة أمام المصلّين والزائرين، وبخاصّةٍ في تذكاره الذي تحتفل به الكنيسة الكلدانيّة مرّتَين: في الأوّل من سبتمبر/أيلول، وفي الأحد الثالث بعد القيامة.
كوخي
لا تفتخر كنيسة المشرق عبثًا بجذورها الممتدّة إلى القرون المسيحيّة الأولى، فآثار كنائسها وأديارها ما زالت شاخصة، تحكي بصمتها تاريخ إيمانها وشهدائها. وتبرز هنا أطلال كنيسة «كوخي-الأكواخ» الواقعة في منطقة «قطيسفون» جنوبيّ بغداد، والمسمّاة اليوم «المدائن».
يعود تاريخ كوخي إلى القرن الأوّل الميلاديّ، وينسب التقليد الكنسيّ تشييدها إلى مار ماري، أحد الرسل الاثنين والسبعين، لتكون مقرّ أوّل كرسيّ بطريركيّ لكنيسة المشرق المؤسّس على يديه.
يتألفّ الموقع الأثريّ من كنيستَين، عليا وسفلى، وفيها رسم 24 بطريركًا لكنيسة المشرق، ومنها انطلق المبشّرون إلى الهند والصين. لا ينقطع حجّ مسيحيّي العراق إليها، مستمدّين من إيمان أجدادهم رجاءً يزيدهم صمودًا.
زيارة العراق ليست مجرّد سياحة: إنّها حجٌّ إلى قلب التاريخ وإلى جذور الكنيسة وفروعها الوارفة التي لا يفيها مقالٌ واحد حقَّها… وللحديث صلة.
واجهة كنيسة دير مار متّى. مصدر الصورة: Levi Clancy via wikimedia commons CC0
دير مار بهنام. مصدر الصورة: صفحة مار بهنام وسارة في فيسبوك
دير الربّان هرمزد. مصدر الصورة: (Hardscarf via wikipedia Commens (CC BY-SA 4.0
كنيسة كوخي. مصدر الصورة: الصفحة الرسميّة لرهبنة بنات قلب يسوع الأقدس