

يقول بولس الرسول:"به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 28:17)، والقديس يوحنا الرسول يقول:"والحياة كانت نور الناس" (يو4:1). على ضوء ذلك نرى أنّ الله ليس بعيداً ومنعزلاً في أعلى السماء، ولا إلهاً جبّاراً يتحكم بنا كما يشاء، ويُصدر أوامره مثل شرطي، ويعاقب المخالفين بصرامة، ونخاف أن نقترب منه، بل نحاول إرضاءه... لا، ليس كذلك.
فمنذ أن كشف الله عن ذاته للإنسان فهو يقوم بالخطوة الأولى نحوه، وهذا يظهر ويُبان جليّاً من أحداث العهدين القديم والجديد، من دعوة إبراهيم وموسى إلى دعوة الرسل. فهو يعرض نفسه عهداً على الإنسان، والعهد ما هو سوى التزام الله بالإنسان، ومن شأن هذا الالتزام أن يدفع الإنسان إلى التجاوب مع الله والدخول في حوار معه، ويهدف في ذلك إلى إشراك الإنسان في حياته الإلهية وفي السماء.
فمنذ العهد القديم ظهرت محبة الله هذه للإنسان، إذ يقول إشعيا:"لا تَخَفْ فإِنِّي قَدِ افتَدَيتُكَ ودَعَوتُكَ بِاسمِكَ، إِنَّكَ لي... إذ قد صِرتَ كَريماً في عَينَيَّ ومَجيداً فإِنِّي أَحبَبتُكَ... لا تَخَفْ فإِنِّي مَعَكَ" (اش 1:43-5) ويقول أيضاً:"أَتَنْسى المَرأَةُ رَضيعَها فلا تَرحَمُ آبنَ بَطنِها؟ حتَّى ولَو نَسيَتِ النِّساءُ فأَنا لا أَنْساكِ. هاءَنَذا على كَفَّيَّ نَقَشتُكِ وأسْوارُكِ أَمامَ عَينَيَّ في كُلِّ حين" (اش 15:49-16).
وتجلّت محبة الله لنا بيسوع المسيح الوحيد، والذي أرسله من أجل خلاصنا، فسكن بيننا، وأعلمنا أنّ الله قريب منا بل هو معنا وفينا، إنه "عمانوئيل"، وهذا يعني ان الله معنا.
ويقول يوحنا الرسول:"إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد" (يو16:3)، وقال في رسالته الأولى:"لَسنا نَحنُ أَحبَبْنا الله بل هو أَحَبَّنا فأَرسَلَ ابنَه كَفَّارةً لِخَطايانا" (1يو10:4).
فكيف نتحدث في الصلاة مع الله؟ هل نخاطبه كغريب عنا أو مثل صديق حميم؟ هل يحبنا كأبناء أم كعبيد؟ فالله جعل سكناه بين البشر، وكل إنسان هو صورة الله غير المنظور الذي ظهر في يسوع الإنسان. فمنذ أن تجسد كلمة الله، أصبح كل إنسان - مهما كان لونه أو دينه أو عرقه - صورة للمسيح، ولهذا قال يسوع:"كُلَّما صَنعتُم شَيئاً مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متى40:25)، وأعطانا بذلك محبة الآخرين ولا سيّما المحتاجين والمرضى والمهمَّشين. فلنعلم أن محبة المسيح شاملة، فقد قال:"كما أَحَبَّني الآب فكذلكَ أَحبَبتُكم أَنا أَيضاً" (يو9:15).
ففي الرسالة التي كتبها يوحنا الرسول يقول:"إن المحبه شاملة وصادقة وفعّالة"، فهو بذلك يعني أنّ الحب هو الطريق الذي يوصل إلى السماء. ففي محبتنا لا نستثني أحداً وخاصة الذين يسيئون إلينا. ولا تتوقف محبتنا على المظاهر والكذب والكلمات الجوفاء، بل تكون صادرة من أعماق الفؤاد، ومنبثقة عن محبتنا للمسيح نفسه، وبعيدة عن مصلحتنا الشخصية أو عن الأنانية، وربما عن الاعتبارات البشرية، ولا تكون كلام فارغ، بل محبتنا هي المحبة التي تتجسد في خدمة الآخر ومساعدة المحتاجين وإشراك الآخرين في صلواتنا، وهكذا نجسّد محبتنا في أعمالنا الأخوية وفي علاقاتنا اليومية مع الناس جميعاً.
فحضور الله في المسكونة وفي الحياة البشرية، يريد من خلاله أن يكلمنا ويبرهن لنا عن حضوره ومحبته لنا، ويدعون لتنقية قلوبنا في قلب هذه الأحداث الدنيوية التي تحصل، حيث نكتشف حب الله لنا من خلالها. فأحداث الحياة مهما بدت صغيرة أو تافهة هي اختبار لإيماننا، لأنها عمل الله. فلنشترك في محبته التي تغمرنا وتحيط بنا.
فكل شيء في الحياة له معناه في سرّ الله وفي تصميم محبته، بل كل شيء هو لنا نعمة. لذا علينا أن نكتشف فيها وفي عمقها دون النظر إلى مصلحتنا حبّاً له. ولنضع مصلحة الله فوق مصالحنا، وإرادته فوق إرادتنا، وعلينا في ذلك أن ندخل في سر الله وسر محبته لنا. إنه يحبنا، لذا يجب أن نستسلم لحب الله بالإنقياد له، ونكتشف إرادته القدوسة. والحياة مهما كانت ستسهل معاناتها ومعيشها إذا كان الله معنا، وثقتنا لا تنبع إلا بالله، إذ يقول المزمّر:"إِذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟" (مز31:8).