
تُظهر الصورة مشروعاً بحثياً مشتركاً حاز على المركز الثالث في مسابقة Helmholtz Imaging لأفضل صورة علمية لعام 2024، ويحمل العمل عنوان "كشف الأسرار القديمة للرسائل" (Unraveling ancient epistolary secrets) على اليسار: جهاز مسح متطور يعمل بالأشعة السينية فائقة الدقة (X-ray micro-CT) في مركز الأبحاث الألماني DESY. و على اليمين: إعادة بناء رقمية وثلاثية الأبعاد للوح طيني مسماري يعود إلى العصر الآشوري القديم (عقد قرض مالي مغلف بغلافه الطيني لحمايته). مصدر الصورة: تم التقاط الصورة بواسطة كريستيان شميتزر، وسيسيل ميشيل، وكريستيان شرادر (2024). مستخدمة بموجب توثيق مسابقة هلمهولتز للتصوير
عشتارتيفي كوم/
أنقرة – تركيا: تمكّن فريق دولي من الباحثين من قراءة رسالة مسمارية عمرها نحو 4 آلاف عام، كانت محفوظة داخل غلاف طيني محكم الإغلاق، وذلك من دون كسر الغلاف أو فتحه، في إنجاز علمي يفتح الطريق أمام دراسة مئات الوثائق الآشورية القديمة التي ظلت محتوياتها مخفية منذ آلاف السنين.
وتعود الرسالة إلى مدينة كانش (Kaneš)، المعروفة اليوم باسم كول تبه (Kültepe) في وسط تركيا، وهي أحد أهم مراكز شبكة التجارة الآشورية القديمة في الأناضول خلال القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد. وكان تجار من مدينة آشور في شمال العراق يقيمون في كانش ويديرون منها تجارة واسعة مع مناطق الأناضول.
تقنية الأشعة السينية تكشف النص المخفي
الإنجاز تحقق باستخدام جهاز متطور للتصوير المقطعي بالأشعة السينية يحمل اسم ENCI، وهو اختصار لعبارة Extracting Non-destructively Cuneiform Inscriptions، أي «استخراج الكتابات المسمارية بطريقة غير تدميرية».
وطوّر الجهاز باحثون من جامعة هامبورغ والمركز الألماني للإلكترونات السنكروترونية DESY بالتعاون مع مختصين في علم الآشوريات والفيزياء والحوسبة. ويتميز الجهاز بأنه محمول ويمكن نقله إلى المتاحف، بدلاً من نقل القطع الأثرية الهشة إلى مختبرات خارجية.
ويستخدم ENCI التصوير المقطعي عالي الدقة بالأشعة السينية لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد للقطعة. ومن خلال معالجة الصور رقمياً، تمكن الباحثون من استخراج سطح اللوح الطيني الموجود داخل الغلاف وعرض الكتابة المسمارية عليه افتراضياً، كما لو أنهم فتحوا الغلاف، لكن من دون لمس محتوياته أو إتلافه.
وقد استُخدم الجهاز لأول مرة في متحف اللوفر بباريس عام 2024، ثم نُقل إلى متحف الحضارات الأناضولية في أنقرة، حيث فحص الباحثون نحو خمسين لوحاً ورسالة وعقداً محفوظة داخل أغلفة طينية.
رسالة امرأة آشورية إلى زوجها التاجر
ومن أبرز الوثائق التي تمكن الفريق من قراءتها رسالة كتبتها امرأة آشورية تدعى آنا-آنا (Anna-anna) إلى زوجها إنّوم-آشور (Ennum-Aššur)، وهو تاجر كان يسافر بين مدن الأناضول لممارسة التجارة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر قبل الميلاد.
وتكشف الرسالة عن جانب يومي من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الآشوري القديم.
فقد كان إنّوم-آشور قد أقرض شخصاً يدعى لاقِيبوم (Laqēpum) كمية من الفضة، وطلب من زوجته متابعة تحصيل الدين أثناء غيابه. وتخبره آنا-آنا في رسالتها بأنها ذهبت مراراً إلى المدين وطالبته بالدفع، لكنه كان يجيبها بأنه سبق أن دفع الفضة إلى شخص آخر يدعى كوداتوم (Kudātum).
وبعد أن تحققت من الأمر، أخبرت آنا-آنا المدين بأنها ستستعين بشهود ضده إذا لم يكن قد دفع المال فعلاً إلى كوداتوم، إلا أنه رفض تسليم الفضة إليها، وقال إنه سيدفعها إلى زوجها شخصياً عند عودته.
وتنتهي الرسالة بطلب واضح من الزوجة إلى زوجها بالعودة، مع تعبيرها عن استيائها من استمرار غيابه وسماعها «أخباراً سيئة» باستمرار، بحسب ترجمة الباحثين للنص.
ماذا تكشف الرسالة عن المرأة في المجتمع الآشوري؟
تكمن أهمية الرسالة في أنها لا تتحدث فقط عن التجارة، وإنما تقدم دليلاً مباشراً على الدور الذي كانت تؤديه النساء داخل الأسر التجارية الآشورية.
فآنا-آنا لم تكن مجرد متلقية للأخبار من زوجها المسافر؛ بل كانت تتولى متابعة قضية مالية، وتتفاوض مع المدين، وتتحقق من ادعائه بشأن تسديد الدين، وتهدده بالاستعانة بالشهود عند الضرورة، ثم ترفع تقريراً إلى زوجها.
ويرى الباحثون أن هذه الرسائل الخاصة تقدم معلومات مهمة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الأناضول الآشورية القديمة، لأنها توثق العلاقات العائلية والتجارية من خلال أصوات الأشخاص الذين عاشوا تلك الأحداث، وليس فقط من خلال السجلات الرسمية.
لماذا كانت الرسائل داخل أغلفة طينية؟
كان الآشوريون يكتبون الرسائل والعقود على ألواح طينية، ثم يضعون بعضها داخل غلاف طيني محكم الإغلاق.
وكان الغلاف يؤدي وظيفة تشبه الظرف الحديث؛ فهو يحمي الرسالة أثناء نقلها ويمنع الآخرين من الاطلاع على محتواها. وكانت أسماء المرسل والمتلقي وأحياناً طبعات ختم المرسل تظهر على الغلاف، بينما يبقى النص الأساسي مخفياً في الداخل.
وكان فتح الغلاف في العصور الحديثة يعني في كثير من الحالات تدمير جزء من القطعة الأثرية نفسها، بما في ذلك طبعات الأختام وآثار طريقة تصنيع الغلاف وإغلاقه.
ولهذا السبب، أصبحت أغلب الأغلفة الطينية السليمة في المتاحف تُترك مغلقة، حتى لو كان الباحثون يعلمون أن بداخلها نصوصاً لم تُقرأ منذ آلاف السنين.
رسالة لم تصل إلى صاحبها؟
وتشير جامعة هامبورغ إلى أن رسالة آنا-آنا كانت على الأرجح من الرسائل التي لم تصل إلى زوجها إنّوم-آشور؛ إذ بقيت داخل غلافها حتى العصر الحديث.
وهذا يفسر أيضاً كيف بقي النص محفوظاً طوال نحو أربعة آلاف عام. فلو وصلت الرسالة إلى صاحبها، فمن المحتمل أن يكون الغلاف قد فُتح بالطريقة المعتادة للوصول إلى محتوى الرسالة.
أكثر من رسالة واحدة
لم تقتصر نتائج الفحص على رسالة آنا-آنا. فقد تمكن الباحثون من دراسة عدد من الألواح المحفوظة داخل أغلفتها، وكشفوا أيضاً تفاصيل تتعلق بطريقة صناعة الأغلفة والألواح نفسها.
وأظهر التصوير أن بعض الرسائل احتوت على أكثر من لوح طيني واحد، إذ أضيف لوح صغير في إحدى الحالات باعتباره صفحة إضافية عندما احتاج الكاتب إلى مساحة أكبر. كما كشفت عمليات الفحص عن طبقات الطين وآثار تصنيع الأغلفة وطريقة ملاءمتها للألواح الموجودة بداخلها.
وفي إحدى القطع عثر الباحثون أيضاً على حبة شعير عمرها نحو أربعة آلاف عام داخل أحد الأغلفة الطينية، ما يوضح أن تقنية التصوير لا تكشف الكتابة فقط، وإنما تسمح بدراسة المواد الموجودة داخل القطع الأثرية أيضاً.
من مدينة آشور إلى الأناضول
وتكتسب النتائج أهمية خاصة بالنسبة لدراسة التاريخ الآشوري، لأن أرشيف كول تبه يرتبط مباشرة بشبكة تجارية أنشأها تجار من آشور في شمال بلاد الرافدين.
وتشير الدراسة العلمية إلى أن الآشوريين استقروا في كانش خلال القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، على بعد نحو ألف كيلومتر من مدينتهم آشور، وتركوا وراءهم أرشيفات واسعة تضم رسائل وعقوداً وسجلات تجارية.
وتقدم هذه الوثائق معلومات عن تجارة الفضة والمنسوجات والسلع الأخرى، إضافة إلى الديون والعقود والعلاقات الأسرية والقضايا القانونية، ما يجعلها من أهم المصادر لدراسة المجتمع الآشوري في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد.
تقنية قد تفتح مئات الرسائل المغلقة
تكمن أهمية الاكتشاف في أن الفريق لم يقرأ رسالة واحدة فحسب، بل أثبت أن بالإمكان تطبيق هذه الطريقة على مجموعة كبيرة من الوثائق التي كان فتحها مستحيلاً من الناحية المحافظة على الآثار.
وتشير الدراسة المنشورة في مجلة npj Heritage Science إلى أن مئات الألواح المسمارية في جنوب غرب آسيا لا تزال محفوظة داخل أغلفة طينية، ما يعني أن التقنية يمكن أن تمنح الباحثين فرصة للوصول إلى نصوص ظلت مجهولة لقرون وآلاف السنين من دون التضحية بالقطعة الأثرية.
والأهمية هنا ليست في «قراءة النص» فقط، بل في إمكانية دراسة الرسالة والغلاف والختم وطريقة التصنيع معاً؛ أي الحفاظ على القطعة بوصفها أثراً متكاملاً بدلاً من التضحية بغلافها للوصول إلى الكتابة الموجودة داخله.
إنجاز يجمع الآشوريات والفيزياء والحوسبة
هذا الاكتشاف هو مثال واضح على تعاون تخصصات مختلفة: علم الآشوريات، الفيزياء، التصوير بالأشعة السينية، الهندسة وعلوم الحاسوب.
وقد نُشرت الدراسة العلمية الكاملة في 8 مايو/أيار 2026 في مجلة npj Heritage Science بعنوان: Deciphering 4000-year-old cuneiform letters hidden in clay envelopes using a mobile X-ray computed tomography scanner. والدراسة متاحة بنظام الوصول المفتوح.
وبذلك، تمكن العلماء للمرة الأولى من الاستماع إلى صوت رسالة آشورية خاصة ظلت مختومة لنحو أربعة آلاف عام، من دون كسر «ظرفها» الطيني؛ لتكشف عن تفاصيل صغيرة من الحياة اليومية والتجارة والعلاقات الأسرية في العالم الآشوري القديم.
المصادر العلمية الأصلية