يمرُ العراق هذه الأيام بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها استحقاقات الداخل مع تعقيدات إقليمية متسارعة في وقت تتجه فيه الأنظار نحو خيارين لا ينفصلان - تماسك الجبهة الداخلية، وحكمة إدارة العلاقات الخارجية - وبين هذين المسارين، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة لما يجري بعيداً عن الاستقطاب والتسرع في الأحكام.
سيادة القرار الوطني في العلاقات الخارجية
تُطل زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن كمحطة تستحق المتابعة الدقيقة، لا للاحتفاء ولا للتشكيك، فالزيارة التي جاءت في ظرف إقليمي بالغ التعقيد يشهد تصعيداً بين واشنطن وطهران وتداعيات اقتصادية جراء اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، تحمل ملفات حساسة أبرزها مستقبل السلاح خارج إطار الدولة والشراكة الاقتصادية والاستثمارية، وهنا تكمن نقطة الجوهر، إن أي انفتاح على واشنطن أو على أي عاصمة أخرى، يجب أن يصب في خانة تعزيز سيادة الدولة العراقية وقرارها المستقل لا أن يتحول إلى أداة لإدارة الأزمات نيابة عن العراقيين، فالتوازن المطلوب ليس انحيازاً لطرف على حساب آخر بل هو حرص على ألا يتحول العراق إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
الوحدة الداخلية أولاً
لا يمكن لأي دولة أن تخوض استحقاقات خارجية كبرى وهي منقسمة على ذاتها، من هنا، فإن الجولات التي تشهدها المحافظات العراقية هذه الأيام، وآخرها زيارة تواصلية إلى محافظة الأنبار شملت لقاءات مع الحكومة المحلية وشيوخ العشائر والنخب الاجتماعية، تحمل دلالة تتجاوز البروتوكول، فحين يُشدد في مثل هذه اللقاءات على دعم عوائل الشهداء والجرحى وعلى ترسيخ الوحدة الوطنية وعلى أهمية الاستثمار في الموارد المحلية بعيداً عن الاقتصاد الريعي فإن الرسالة الأعمق لهذه الزيارات هي أن استقرار العراق يُبنى من الأطراف إلى المركز، لا العكس، الأنبار بموقعها الاستراتيجي الرابط بين العراق والأردن وسوريا والسعودية، وبما قدمته من تضحيات في مواجهة الإرهاب تمثل نموذجاً لهذا التكامل الاجتماعي والاقتصادي الذي ينبغي أن يشمل كل المحافظات دون تمييز.
حصر السلاح بيد الدولة.. لا مفاضلة فيه
من أكثر الملفات إلحاحاً في هذه المرحلة ملف حصر السلاح بيد الدولة حصراً، بوصفه شرطاً لا غنى عنه لبناء بيئة آمنة تجذب الاستثمار وتحفظ هيبة القرار الوطني، هذا المطلب ليس إملاءً خارجياً بقدر ما هو استحقاق داخلي تأخر كثيراً ويستدعي إرادة سياسية موحدة بعيداً عن حسابات الفصائل والمصالح الضيقة.
محاربة الفساد شرط الاستقرار
لا يكتمل الحديث عن الاستقرار دون التطرق إلى معركة مكافحة الفساد التي تتطلب أن يكون القانون فوق الجميع دون استثناء وأن تصل الملفات الكبرى إلى القضاء بشفافية ووضوح، فاسترداد الأموال المنهوبة من مؤسسات الدولة ومحاسبة المتورطين مهما علت مواقعهم، هو الوجه الآخر لأي نجاح اقتصادي يُراد تحقيقه عبر الاستثمارات الخارجية.
إن ما يجمع بين جولات التواصل الداخلي والانفتاح الخارجي المسؤول هو منطق واحد، دولة قوية بمؤسساتها، موحدة بمكوناتها، متوازنة في علاقاتها، لا تعيش على وقع الأزمات بل تستبق الاستحقاقات بحكمة وواقعية، وهذا هو الرهان الذي يستحق أن يجمع العراقيين، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، بعيداً عن كل ما يُراد له أن يكون خلافاً أو انقساماً.