

بقيت فكرة العودة عالقةً في أذهان الكثير من أبناء قرية بيبوزي، وفي ضمير أولئك الذين شيّب الدهر مفارقهم، وفي مقدمتهم: العم ميخا دنخا، والعم بولص دانيال، والعم نيسان خوشو، والعم منصور يونان، وجميل سليمان، والخالة هيلاني داود… يستذكرون مآثر الأجيال الغابرة، ويرددون فيما بينهم حكايات الأيام والليالي التي طوى عليها الزمن عقودًا طويلة.
فظلّت تلك الفكرة تؤرّقهم، مفعمةً بالآهات والحسرات وحنين الذكريات إلى ربوع بيبوزي الشامخة ورياضها الفاتنة، ببساتينها وأشجارها الخلابة، وعيونها العذبة ومياهها الوفيرة التي تروي مروجها وجنانها.
حتى عقدوا العزم، وبقرار حكيم تغمره المحبة العارمة والتعلّق بالأرض، على العودة إليها. فرحّبت بهذه الفكرة وآمنت بها أكثر من خمسين عائلة مسيحية من أبناء القرية، كانوا موزعين بين بغداد والموصل والشيخان، وحتى بلدان المهجر.
وانتقلت الفكرة من عالم الأحلام إلى أرض الواقع، حين التأمت صفوف أبنائها الغيارى في عيد القيامة المجيد سنة 1997، وأوكلوا مهمة بناء وإعادة إعمار القرية ـ بعد أن طالها الدمار خلال عمليات الأنفال عام 1987 ـ إلى أخوية المحبة “كاريتاس”، التي قامت مشكورة بتنفيذ المرحلة الأولى ببناء اثني عشر دارًا سكنيًا، على أن تعقبها المرحلة الثانية ببناء خمسة عشر دارًا أخرى، إلا أن العمل توقف فيها بسبب ظروف استثنائية.
وتزامن تدشين وحفر أساسات القرية الجديدة مع احتفالات الأهالي بتذكار شفيعتهم القديسة مارت شموني وأولادها السبعة، في السادس من أيار سنة 1997. أما افتتاح القرية الجديدة فقد جرى يوم الجمعة الموافق 27 حزيران 1997، بعد اختيار موقع جديد لها في “دشتا سهدونا” أي “أرض الشهيد” أو “ساحة الضريح”، تيمنًا بضريح أحد أبناء القديسة مارت شموني السبعة، واسمه أرطنسي.
وفي عام 2005، أُعيد بناء قرية بيبوزي من جديد وفي موقعها الأصلي، ضمن مشروع بناء وإعادة استيطان القرى المسيحية في كردستان شمال العراق، الذي تبناه السيد سركيس آغاجان، والتي أسهمت في عودة عدد من العائلات إليها، وأعادت الحياة إلى ربوعها التاريخية بعد سنوات طويلة من التهجير والمعاناة.
وتتميّز كنيسة مارت شموني وأولادها السبعة في بيبوزي عن بقية كنائس شمالنا الحبيب التي تحمل اسم القديسة نفسها، بوجود أضرحة (كابلات) للقديسة وأبنائها السبعة، لا تزال شاخصة حتى يومنا هذا، وهم:
كدي – مقوي – أرطنسي – حيورون – حيوصن – أمباكوس – يوناذم.
ويرتبط أهل القرية، وكذلك أبناء القرى القريبة والبعيدة، بمحبة عميقة لقديستهم، وينسبون إليها عجائب وشفاءات وظهورات عديدة، كان آخرها يوم الأحد الموافق 12/12/1999.
ويحتفل أبناء القرية بعيدها سنويًا في أول ثلاثاء من شهر أيار، في احتفال مهيب تسوده المحبة والفرح. فتُنحر الذبائح منذ الصباح الباكر، استعدادًا لهذا اليوم المبارك، بمشاركة جميع أبناء القرية، حيث تُحرَّك مراجل “الهريسة” التي تشتهر بها بيبوزي في هذه المناسبة. وبعد القداس الاحتفالي، يبارك الكاهن الطعام، ثم يوزع على جميع المشاركين من أهالي المنطقة والقرى المجاورة.
تقع بيبوزي في منطقة المزوري (أتروش)، بالقرب من مصيف بلكيف، وتبعد نحو عشرين كيلومترًا عن قضاء الشيخان. وهي إحدى القرى المسيحية العريقة المنتشرة ضمن منطقة الشمكان التابعة لأبرشية العمادية.
أما اسم القرية، فهو ذو أصل سرياني “بيث بوزاي”، أي “بيت الجنوب”.
وقد ورد ذكر القرية مرتين في كتاب “الرؤساء” لتوما المرجي (القرن التاسع):
الأولى تتعلق بإنجيل يعود إلى سنة 1218، كتبه الراهب يهبالاها من دير بيث عابي إلى كنيسة بيث بوزي بأمر من مار عبد يشوع أسقف مركا.
أما الثانية، فتتحدث عن مجيء رجل إسماعيلي شرير يُدعى عمران بن محمد، كان قاسيًا وسفاحًا، بدأ غزواته في بلاد مركا من بيث بوزاي، حيث قتل عددًا من سكانها.
كما يذكر المؤرخ الدومنيكي الأب حنا فييه، في موسوعته “آشور المسيحية”، أن بيبوزي اشتهرت بكونها نقطة انطلاق عمران بن محمد في غزواته نحو شمال بيرتا ثم سفسفا، وكان لأهلها نصيب من القتل والمعاناة خلال تلك الحملة.
ويضيف الأب فييه أن الشماس بادو بن بتو، من أبناء بيبوزي، استنسخ في القوش سنة 1720 إنجيلاً لكنيسة القديس كريستوف في دزي. كما ورد اسم كنيسة بيبوزي في ثلاث مخطوطات حديثة بدير السيدة، هي:
كما يذكر الأب حنا فييه حادثة معاكسة وقعت سنة 1888، عندما نقل الراهب نيقولا من تلكيف كتاب “شروحات أحاديث الأنبا أشعيا” لداديشوع القطري من بيبوزي إلى دير الربان هرمز، لأن النسخة الأصلية التي استنسخ عنها كانت موجودة في بيبوزي ثم اختفت لاحقًا.
وتشير دلائل عديدة إلى ازدهار المسيحية في هذه البقاع منذ قرون بعيدة، إذ تنتشر في الجبال المحيطة بالقرية صوامع محفورة في الصخر تُعرف بـ “قلياثا القلاية”، كان يقيم فيها الرهبان. كما يوجد في الجهة المقابلة للقرية موقع أثري يُدعى “القلعة”، وهو تلّ حجري تعلوه بقايا سور وأبنية قديمة، مما يدل على قِدم هذه القرية وأهميتها التاريخية.
أما سكانها، فمنهم عائلات أصيلة من بيبوزي مثل:
(بي جنو – بي ككيسو – بي مشكو)،
ومنهم من قدم من مناطق أخرى، مثل:
بي دنو من بالوكة (برواري العليا)،
بي حنو من ديراختري،
بي أوراها من ريكان،
بي سنّو وبي شمعون من سطناي،
وبي يوسف بنو من دزي.
وقد عاش الجميع بالمحبة والوئام مع مختلف سكان المنطقة، وكانوا يتمتعون باحترام كبير.
واعتمد أهالي القرية على الزراعة أساسًا، فاشتهرت بيبوزي بأنواع الفاكهة المختلفة، كالتفاح والخوخ والرمان والتين والجوز والعنب، فضلًا عن زراعة الرز والتبغ.
كما اكتسبت القرية شهرة واسعة بفضل المرحوم أوراها خوشو، الذي أبدع في صناعة الغلايين الفخارية ذات التصاميم والزخارف والألوان المتنوعة.
وجدير بالذكر أن هناك حادثة طريفة طبعت أهل القرية بطابع مميز لدى سكان القرى المجاورة. وتقول الحكاية إن مطرانًا وصل يومًا إلى مشارف القرية ممتطيًا فرسًا، وما إن علم الأهالي بقدومه حتى هرعوا لاستقباله بالترانيم والصلوات، وفرشوا الطريق بالورود والرياحين، بل إن بعضهم فرش ثيابه على الأرض، فيما ركع آخرون خشوعًا واحترامًا.
وفي ذروة مظاهر المحبة هذه، أصاب الرعب الفرس، فسقط المطران في منطقة مليئة بالأشواك تُدعى “دحلي بوتا”. وتعلقت ثيابه بالأشواك، ولم يتمكن من الخروج، كما عجز الأهالي عن مساعدته. عندها اجتمع رجال القرية وقرروا إحراق “الدحلي”، إيمانًا منهم بأن المطران رجل الله ولن تمسه النار، وبذلك يمكن إنقاذه!
فأشعلوا النار، وما إن رأى المطران ألسنة اللهب تقترب منه حتى قفز مسرعًا لينقذ نفسه من ذلك الموقف المحرج.