
عشتار تيفي كوم - ابونا/
قد يجذب مزار مريمي يقع في قلب الريف شمال أوروبا، ويُشار إليه غالبًا باسم «لورد البولندية»، اهتمامًا عالميًا قريبًا، بعد أن وُجّهت دعوة إلى البابا لاون الرابع عشر لزيارة الموقع الذي ظهرت فيه السيدة العذراء مريم نحو 160 مرة.
ومع حلول أيار، الشهر المريمي، تستعد بلدة غيترشفالد (Gietrzwald) الواقعة في منطقة بحيرات وارميا-مازوريا شمال شرق بولندا، لاحتفالات كبيرة عام 2027 بمناسبة مرور 150 عامًا على الظهورات. وقد وجّه أساقفة بولندا، إلى جانب الرئيس كارول نافروتسكي الذي زار الفاتيكان في أيلول 2025، دعوة إلى البابا، ما يفتح احتمال تحوّل هذا المزار الهادئ إلى مركز حجّ عالمي وتجدد في التقوى المريمية.
الأحداث التي وقعت في غيترشفالد عام 1877 تُعد فريدة في حياة الكنيسة، إذ خلال فترة تقارب الشهرين، أفادت فتاتان صغيرتان بحدوث نحو 160 ظهورًا للعذراء مريم -وأحيانًا كان الظهور يتكرر مرتين في اليوم- ما يجعلها من أطول وأكثر سلاسل الظهورات المريمية كثافة في التاريخ.
كما أنه الموقع الوحيد في بولندا الذي نال اعترافًا رسميًا من الفاتيكان.
وعلى عكس مواقع شهيرة مثل لورد أو فاطيما، تميّزت الظهورات في غيترشفالد ليس فقط بتكرارها، بل أيضًا بحوارات طويلة. ووفقًا للسجلات التاريخية، دخلت الرائيتان في محادثات امتدت لأسابيع مع العذراء مريم، تناولت أسئلة لاهوتية -بما في ذلك عقيدة الحبل بلا دنس- إضافة إلى شؤون الحياة اليومية.
وقال المخرج يان سوبيرايسكي: «هذه سمة فريدة لا نجدها في تاريخ لورد أو فاطيما أو لا ساليت».
وفي الوقت نفسه، حملت الرسالة جوهر الظهورات المريمية المعتاد: الدعوة إلى الصلاة، ولا سيما صلاة الوردية، وإلى التوبة. وأكدت الأخت آنا فويتشخوفسكا، الرئيسة الإقليمية لراهبات بنات المحبة في بولندا، هذا الاستمرار في الرسالة، قائلة إن «دعوة أمنا واضحة: صلّوا المسبحة كل يوم»، مضيفة وعد العذراء: «لا تخافوا، فأنا معكم دائمًا».
ورغم أهمية هذه الأحداث، ظلّ موقع غيترشفالد غير معروف نسبيًا خارج بولندا، لكن هذا قد يتغيّر مع اقتراب الذكرى، إذ بدأ المزار يجذب اهتمامًا متزايدًا. وقال سوبيرايسكي: «مريم تختار أماكن منسية من العالم: الأرياف والقرى والبلدات الصغيرة، وهذا مبدأ روحي نجده في الكتاب المقدس».
ويُعد سوبيرايسكي مخرج الفيلم الوثائقي «مريم، أم البابا»، الذي يروي فيه قصة إكرام القديس يوحنا بولس الثاني للعذراء مريم. وقد كان الكاردينال كارول فويتيلا حاضرًا عند تتويج أيقونة سيدة غيترشفالد بتاج بابوي من قبل بولس السادس عام 1967، كما زار الموقع مجددًا عندما اعترف الفاتيكان رسميًا بالظهورات عام 1977، أي بعد 100 عام من ظهور العذراء للفتاتين.
ترتبط قصة غيترشفالد بشكل وثيق بفتاتين صغيرتين كانتا في مركز الظهورات: باربارا سامولوفسكا وجوستينا شافرينسكا. كانت كلتاهما طفلتين حين أبلغتا عن رؤيتهما للعذراء مريم، إذ كانت سامولوفسكا تبلغ من العمر 12 عامًا فقط. ويشير المخرج يان سوبيرايِسكي إلى أنه «هناك شيء في الأطفال يجعلهم قادرين على الدخول في أعمق أسرار الإيمان».
وقد عاد الاهتمام مؤخرًا بإحدى الرائيتين بعد تطور حديث من قبل الدائرة الفاتيكانية لشؤون القديسين، إذ اعترفت في شهر آذار بالفضائل البطولية للأخت باربارا، ومنحتها لقب «مُكرّمة» في إطار تقدّم ملف تطويبها. وتجمع حياة الأخت باربارا بين الروحانية والبساطة والهدوء، في قصة طفلة قالت إنها التقت العذراء مريم، ثم كرّست حياتها لاحقًا لخدمة الفقراء.
بعد بلوغها سن الرشد، دخلت الحياة الرهبانية واختفت إلى حد كبير عن الحياة العامة.
تقول الأخت آنا، رئيسة راهبات بنات المحبة في بولندا، لوكالة OSV News: «كانت الأخت باربارا طفلة عادية. كان والداها متدينين ومرتبطين بالرعية. كانت نشيطة وبسيطة، وذات سمعة طيبة بين الجيران، ومتفوقة في الدراسة. وكان يُنظر إليها كفتاة تحب الحقيقة وتتسم بالإخلاص». وتضيف: «حتى وهي طفلة، كانت مريم تناديها: يا ابنتي الصغيرة».
وقد التحقت سامولوفسكا براهبات بنات المحبة للقديس منصور دي بول، المعروفات بـ«الراهبات الرماديات»، عام 1883، واتخذت اسم الأخت ستانيسلافا. وأمضت عقودًا في خدمة الفقراء، بما في ذلك عملها الإرسالي في غواتيمالا حيث قضت سنواتها الأخيرة. وهناك، تولّت عدة مهام منها تنشئة المبتدئات، والعمل في المستشفى، وإدارة دار للأيتام. وتوفيت في 6 كانون الأول 1950 نتيجة ورم خبيث في الفم.
تقول الأخت آنا: «كراهبة من بنات المحبة، عاشت بأمانة كاريزما مؤسسينا… محبة للفقراء والأخوات وكل من عملت معهم. عاشت أمانة يومية ليسوع على مثال مريم، أمة الرب». إن التباين بين البدايات الاستثنائية لحياتها ومسارها الهادئ لاحقًا هو أمر لافت، لكنه ليس غريبًا في تاريخ الظهورات المريمية. وتقول: «أعتقد أنه بعد لقاء مريم، لا تعود حياة الإنسان كما كانت أبدًا».
أما سوبيرايسكي فيرى أن هذا التحوّل هو ما يمنح هذه القصص تأثيرها الدائم، إذ يقول: «أكثر القصص إقناعًا هي تلك التي نرى فيها تحوّلًا جذريًا في شخصية البطل، وهذا ما يحدث مع الرائين الذين تتغيّر حياتهم بشكل كبير بعد لقائهم مريم». ويضيف أنه لا يوجد دليل على أن الأخت باربارا كانت تخطط للحياة الرهبانية قبل الظهورات، قائلاً: «هذه التجربة الروحية وحدها هي التي أشعلت قلبها».
ومع ذلك، يبقى المزار محور العبادة، خاصة مع استعداد بولندا للاحتفال بالذكرى. وبالنسبة للكثيرين، فإن غيترشفالد ليس مجرد موقع تاريخي، بل مركز روحي حيّ ما زال يؤثر في الهوية الوطنية. يقول سوبيرايسكي: «التقوى المريمية جزء من تكوين البولنديين منذ الطفولة. لا توجد أمة أخرى في أوروبا مثلها، ومع المكسيك يمكن اعتبارنا ظاهرة عالمية».
ويشير أيضًا إلى أن حجم الظهورات في غيترشفالد لا يزال غير مسبوق، قائلاً: «لم أجد مكانًا آخر ظهرت فيه العذراء بهذا العدد الكبير من المرات. إنها علامة استثنائية للبولنديين الذين اختاروا مريم ملكة لهم. إنه امتياز كبير، ولكنه أيضًا مسؤولية». ويضيف: «كل واحد منا لديه دعوة خاصة. ومن أفضل من والدة الإله يمكنه أن يعلّمنا كيف نعيشها؟ لقد استجابت لدعوة الله، ونحن أيضًا يمكننا أن نفعل الشيء نفسه».