
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
يوماً بعد يوم، تتضح الهوية السريانية والجذور الراسخة للحضارة والإيمان السرياني المسيحي في معظم الجغرافيا السورية، من خلال الأديرة التاريخية والمخطوطات السريانية الكنسية المحفوظة داخل البلاد وخارجها، ودير مار موسى حبيشويو (الحبشي) بريف حمتو (حماة)، شاهد على دور السريان الحيوي والتاريخي في هذه الأرض.
إذ أجرى وفد من الجمعية الثقافية السريانية في كفربو جولة مع مجموعة شبيبة عين حلاقين لهذا الدير السرياني التاريخي، الذي يقع على مقربة من يبرود وقارة، ولاقت الزيارة التي استمرت يومين ترحيباً من قبل الرهبان والعاملين في الدير، الذين أبدوا مستوىً عالٍ من حسن الضيافة والاستقبال، وعملوا على توفير كافة مستلزمات الزوار طيلة فترة زيارتهم.
وخلال الزيارة التي كانت أشبه بمخيم، تعرف الزوار على أقسام الدير ومحتوياته الأثرية من مخطوطات وكتب، وأجروا جلسات تأملية وصلوات بالإضافة لحلقات نقاش اطلعوا خلالها على تاريخ الدير منذ بنائه وحتى اليوم، والدور الذي لعبه على كافة الأصعدة طوال قرون، وسبب تسميته بالحبشي، نسبة للرهبان الأحباش الذي جاؤوا لهذه المنطقة وصولاً للبنان.
وفي لقاء مع وكالة سيرياك برس، تحدث الراهب جهاد يوسف، رئيس دير مار موسى الحبشي عن ما يحمله الدير من أهمية في منطقة النبك، قائلاً إن الدير سرياني قديم يعود تاريخه للقرن السادس، وبقي محافظاً على وظيفته الإيمانية كدير للرهبان من القرن السادس حتى القرن الثامن عشر، غير أن ظروفاً قاسية مرت أدت لهجر الدير لنحو 280 عاماً، ومنها الحروب والأزمات وتوتر الأوضاع الأمنية وشح المياه، حتى تم بفضل الأب باولو عام 1984 البدء بترميم الدير، وتم تأسيس جماعة رهبانية عام 1994 تضم رهبان وراهبات من كل الطوائف المسيحية، رغم أن الدير تابع للكنيسة السريانية الكاثوليكية.
وقال الراهب يوسف إن دير مار موسى وعبر العصور، كان مركزاً لنسخ المخطوطات، وهي مهنة تتطلب حرفية عاليةً وصبراً، وهو ما كان مناسباً للرهبان وحياتهم المبنية على الصبر، مضيفاً أن العديد من المخطوطات السريانية والعربية التي نُسِخَت في الدير منذ القرن السادس، موجودة ومحفوظة في المتحف البريطاني.
وأضاف الراهب يوسف أن حياة الرهبان في الدير قائمة على 3 أولويات، وهي التنسك والأعمال اليدوية والضيافة كواجب مقدس وفضيلة إنجيلية، منوهاً إلى أنه وإلى جانب العمل المسكوني، يركز الدير والرهبان على توطيد العلاقات مع المسلمين والدين الإسلامي، ناهيك عن الاهتمام بالبيئة والعمل الزراعي ومكافحة التصحر.
وشدد الراهب يوسف على أن الدير يعمل على خلق بيئة خصبة ومناسبة للمسيحيين وزيادة تشبثهم بأرضهم، ولكي يبقوا سعداء ومقتنعين بقوة رسالتهم التي تنبع من معموديتهم، وليكونوا شهوداً للإنجيل في هذه الأرض التي استقبلت الكنيسة منذ نشأتها، وأعطت اسم “المسيحيين” لتلاميذ وتلميذات السيد المسيح، مضيفاً أن الدير يفتح أبوابه دائماً لكل من يرغب العيش بروحانية وتأمل بغض النظر عن دينه، سواءً كان مسيحياً أم مسلماً أم لا دينياً، وسواءً كان سورياً أو أجنبياً، وإلى جانب حسن الضيافة السياحي، ينشط الدير في إقامة ندوات حوارية ولقاءات قائمة على أسس التعارف وتبادل المعرفة، ولنبذ خطاب الكراهية وتقريب وجهات النظر وتعميق الاحترام المتبادل بين المسيحيين والمسلمين.
وعن محتويات الدير، قال الراهب يوسف إن الدير يتميز بإرث ليتورجي وثقافي وكنسي مهم، ويضم الدير كنيسة تعود للقرن الحادي عشر، وتتميز بكونها جوهرة من الرسومات الجدارية “فريسكو”، وتضم قصصاً عن القديسين والشهداء وتعليماً عن البشارة والمعمودية، ولوحة عن يوم الدينونة، وتُعتبر الكنيسة والدير ومحتوياتهما كنزاً كنسياً وسوريا وعالمياً.
وعن مغارة أهل الكهف القريبة من الدير، قال الراهب يوسف إنها خزان مياه طبيعي، وكان الرهبان في القرون الأولى يستخدمونها لتخزين مياه الأمطار في فصل الشتاء، موضحاً أن أهل الكهف هي تسمية قرآنية لقديسين مسيحيين عاشوا في إفسس، وكانوا يُدعون “فتية إفسس السبعة”، واستشهدوا بسبب الاضطهاد الوثني الروماني، وتم حفظ جثامينهم في الكهف لنحو مئات السنين، ويُقال إنهم كانوا في سبات لمئات السنين واستيقظوا وذهبوا للمدينة ورآهم الناس بشعر طويل وأظافر طويلة وكانوا يحملون نقوداً قديمة، وتحمل قصتهم رمزيةً كبيرة وتدل على قوة رجاء القيامة والإيمان، والإيمان بالمسيح الذي غلب الموت، وأشار الراهب إلى أن القصة مشتركة في الإيمانين المسيحي والإسلامي.
وفي رسالة من جماعة الخليل الرهبانية بدير مار موسى الحبشي لكل السوريين وخاصة المسيحيين، قال الراهب يوسف: “نحن خميرة في العجين وملح في الأرض، ووجودنا في هذا البلد وهذه الأرض ليس من محض الصدفة وليس لعنة، بل بركة لنا ولأخوتنا المسلمين ولكافة الطوائف والمكونات”، داعياً الجميع لبناء جسور التواصل، مؤكداً أن المسيحيين هم وسيط لتقريب وجهات النظر وبناء البلاد، كما أن جميع المكونات تبدي ارتياحاً وثقة بالمسيحيين، كما وجه دعوة لكافة المسيحيين للانفتاح على الآخرين وعدم التقوقع داخل الكنائس، وإثبات الوجود _ ليس كوجود إقصائي _ بل كوجود احتوائي وخيّر ومحب للآخر.
وفي كلمته الأخيرة، قال الراهب يوسف إن السريان هم من أعطوا سوريا اسمها، وسوريا هي البلد الثاني لأي مواطن في الكرة الأرضية جمعاء، داعياً إياهم لاستحضار شجاعة وثقافة الأجداد الذين عملوا على كتابة المخطوطات وترجمتها من اليونانية والعربية، وساهموا ببناء الحضارة العربية والإسلامية، وشغلوا مواقع مهمة عبر التاريخ، إذ كانوا أطباء وكتاب ووزراء.
وفي ختام الزيارة، أعرب الزوار عن جزيل شكرهم وامتنانهم للأب الراهب جهاد يوسف والرهبان العاملين في الدير على حسن الضيافة والاستقبال والمعلومات الدينية والتاريخية للدير، والتجربة الروحانية الفريدة التي عاشوها خلال يومين، معربين عم أملهم بإجراء زيارات دورية لنهل المعرفة والعلوم والتأمل الروحاني.