منذ المراحل البدائية للانسان، وقبل أكثر من ١٠٠ الف سنة،
سعى الإنسان إلى تمييز نفسه ذاتيا أو على مستوى الجماعة كتعبير عن الانتماء،
بقايا هذا السلوك البدائي ما زالت موجودة حتى اليوم في إفريقيا، الأمريكتين، اسيا، وأستراليا، حيث تحتفظ بعض الجماعات المنعزلة بعاداتها وتقاليدها الى اليوم،
وبعض هذه الجماعات ترفض الحداثة ولم تندمج معها حتى الآن في شتى بقاع العالم،
رغم مرور عشرات الآلاف من السنين،
نلاحظ أن هذه الجماعات تميز نفسها بوضع ريشة على الرأس، أو صبغ الوجه او الجبهة بلون معين، أو استخدام عظام حيوانات كرموز جماعية ، هذا السلوك، الذي يمتد لأكثر من ١٠٠ ألف سنة، ينبع من رغبة التميز والانتماء إلى الجماعة بعلامات أو رموز تعبيرية تختلف من جماعة إلى أخرى،
تطور هذا السلوك ليشمل الانتماء إلى القبيلة، ثم القومية، ثم الدين، وغيرها من المسميات، لكن الهدف ظل واحداً هو الشعور بالحماية وتأمين متطلبات الحياة، سواء عبر الدفاع، الهجوم، أو الحصول على الغذاء والماء وغيرها،
بما فيها تقاليد الزواج، المتعلقة بالقبول أو الرفض، تنبع من فكرة بدائية تهدف إلى حماية الجماعة أو القبيلة في عالم الغاب قديما،
بعد تأسيس الأوطان الحديثة و منذ قرابة مئة عام، كان من المفترض أن تتلاشى الحاجة إلى الانتماء لهويات فرعية مثل القبائل، القوميات، أو المعتقدات، انا لا أدعو إلى إنكار هذه الهويات، بل إلى الحفاظ عليها تحت مظلة وطنية جامعة،
فمن دون هذه المظلة، تُفقد الوحدة، وتضيع الأرض والوطن، بل وتُفقد حتى الهويات الفرعية من أديان، قوميات، وقبائل، لتصبح الشعوب مشتتة،
هذا ما حدث لكثير من البلدان التي اندثرت، تقسمت، ومُحيت من الخرائط،
أنا أيضا أنتمي إلى قبيلة وقومية وودين، لكني أتحدث عن بلد وشعب يفتقر إلى انتماء وطني أساسي.
٩٩٪ من أبنائه يعطون الأولوية لهويات فرعية مثل المذاهب، القوميات، أو القبائل، بنخبهم وجهالهم. سنة شيعة كُرد اشوري كلداني ايزيدي تركماني ،
هذا البلد يرزح تحت نير الاحتلالات والصراعات المختلفة، ويبدو في مهب الريح،
لماذا يكون الانتماء إلى الوطن اهم من القبيلة، المذهب، القومية او أي مسمى آخر؟
لأنني، كمواطن أو كجزء من شعب بين مئات الشعوب والأوطان، مضطر للتعامل مع العالم وفق مبدأ الأوطان والدول
نظامي الصحي، التعليمي، الأمني، سيادتي، زراعتي، صناعتي، جيشي، جواز سفري، بيئتي، نظامي الغذائي، اقتصادي، عملتي المحلية، تجارتي، صادراتي، وارداتي، كلها مرتبطة بشيء يُسمى الوطن ،
العالم يعاملني على هذا الأساس، وليس على أساس قبيلتي، ديني، قوميتي، أو لوني.
قيمتك كمواطن وكشعب بين ثمانية مليارات بشر على الكوكب هي مرتبطة بقيمة وطنك، و مؤسساتك، ومدى تطورها أو تخلفها، وليس بما تعتنق، أو ما هي قبيلتك، أو اسمك، أو قوميتك
هذا ما يفترض أن يفهمه طفل في الخامسة من عمره. ما أكتبه ليس عبقرية مني، لكني أكتبه لأن هناك شعبا يُقال إنه شعب، لكنهم يعطون الأولوية لمذهب أو دين، او قومية او لعروبة،
ثم لقبائل وقوميات،
وآخر اهتماماتهم الوطن كعراق.
هم يذكرون العراق كلفظ من باب الإشارة أو المناداة، لكنهم لا يؤمنون به كمنطلق أو أساس.