البيان الختامي للجمعية العامّة الثانية عشرة لمجلس كنائس الشرق الأوسط      ‎قداسة البطريرك افرام الثاني يزور دير السريان في وادي النطرون      غبطة البطريرك يونان يحضر أمسية ترانيم روحية في مركز لوغوس، وادي النطرون – مصر      الأمين العام للمشروع الوطني العراقي: ضرورة إعادة النازحين المسيحيين الى مناطقهم‏      اليوم الثالث من أعمال الجمعية العامة الـ12 لمجلس كنائس الشرق الأوسط      الاستعدادات لاقامة المهرجان العاشر للشعر والخطابة باللغة السريانية – برطلة      اليوم الثاني من الجمعية العامة الـ12 لمجلس كنائس الشرق الأوسط: واقع الحضور المسيحي      افتتاح البناية الجديدة لروضة البيبون السريانية في "بخديدا" الحمدانية      احتفالية تذكار مار ادي الرسول في هيزاوا- زاخو      بالصور.. قداس تذكار سلطانة مهادوخت / ارادن      المانيا: مستمرون في عملية إعادة هيكلة البيشمركة وتوحيدها      خبراء صندوق النقد الدولي يختتمون زيارة إلى العراق      انتشار جدري القردة في مختلف الدول حول العالم.. ما هو وما أعراضه؟      تحذيرات دولية من مجاعة.. ثلاث أزمات تهدد العالم      زوجان يفوزان بأكبر جائزة "يانصيب" في بريطانيا      مبابي يتراجع عن حسم ملف انتقاله لريال مدريد      البابا فرنسيس يستقبل المشاركين في المؤتمر الدولي لمجموعة سانتا مارتا      مسرور بارزاني ووزيرة العدل الهولندية يبحثان أهمية مواصلة دعم إقليم كوردستان في التصدي لإرهابيي داعش      خبير في ترسيم الحدود: بين العراق وإيران أكثر من 40 نهراً قطعت أو حولت مجاريها      أزمة نقص حليب الأطفال تعصف بأميركا.. وبايدن يلجأ لقانون من حقبة الحرب الباردة
| مشاهدات : 434 | مشاركات: 0 | 2022-05-10 12:10:57 |

السلام والمسيح

يوسف جريس شحادة

 

اللفظة في التوراة

اللفظة العبرية :" שלום " من الثلاثي :" של"ם " والذي يعني :" الكمال " أي الكمال الجسدي والنفسي والأمن الداخلي والخارجي،وعلاقة سويّة بين الأشخاص والشعوب الخ.

جميع النصوص التوراتية التي تشمل اللفظة هذه، تفيد ما ذكرنا أعلاه من المعنى الأساسي.

في مزمور 4 :38 :" אֵין מְתֹם בִּבְשָׂרִי מִפְּנֵי זַעְמֶךָ אֵין שָׁלוֹם בַּעֲצָמַי מִפְּנֵי חַטָּאתִי" واللفظة تقابل " מְתֹם " من الأصل " תמ"ם " بمعنى :" الكمال والتمام".

وردت اللفظة :" שלום " في التوراة في صيغة الإضافة ومقابلة دلاليا " للهدوء والأمان والسكينة،قارن اشعياء 18 :32 :" וְיָשַׁב עַמִּי בִּנְוֵה שָׁלוֹם וּבְמִשְׁכְּנוֹת מִבְטַחִים" وأخبار الأيام الأول 9 :22 :" וְשָׁלוֹם וָשֶׁקֶט אֶתֵּן עַל יִשְׂרָאֵל"  ومزمور 7 :122 :" יְהִי שָׁלוֹם בְּחֵילֵךְ שַׁלְוָה בְּאַרְמְנוֹתָיִךְ".

وفي نصوص أخرى وردت اللفظة مقابلة "جيّد _ حسن" عكس "الشر" استر 3 :10  وفي ارميا 11 :29 :" דֹּרֵשׁ טוֹב לְעַמּוֹ וְדֹבֵר שָׁלוֹם לְכָל זַרְעוֹ" מַחְשְׁבוֹת שָׁלוֹם וְלֹא לְרָעָה"

في العبرية الحديثة تستخدم اللفظة " שלום " نقيض "الحرب".ومصدر هذا المفهوم في التوراة في سفر الجامعة 8 :3 :" עֵת לֶאֱהֹב וְעֵת לִשְׂנֹא, עֵת מִלְחָמָה וְעֵת שָׁלוֹם "

لكن ليس دوما هذا المعنى، ففي التثنية 12 _10 : 20 :" כִּי תִקְרַב אֶל עִיר לְהִלָּחֵם עָלֶיהָ וְקָרָאתָ אֵלֶיהָ לְשָׁלוֹם: וְהָיָה אִם שָׁלוֹם תַּעַנְךָ וּפָתְחָה לָךְ וְהָיָה כָּל הָעָם הַנִּמְצָא בָהּ יִהְיוּ לְךָ לָמַס וַעֲבָדוּךָ: וְאִם לֹא תַשְׁלִים עִמָּךְ וְעָשְׂתָה עִמְּךָ מִלְחָמָה וְצַרְתָּ עָלֶיהָ" الدعوة للسلام هنا هي دعوة للاستسلام بهدف منع سفك الدماء باحتلال المدينة.

ففي العبرية الحديثة،الكثير من المعاني في عبارات مختلفة مثل:" 'בא על מקומו בשלום', 'אנשי שלומנו''שלום בית', 'רודף שלום', 'מפני דרכי שלום', 'השכין שלום'; וכן 'יצא בשלום', 'עבר בשלום', والتعبير المستحدث '{סיכן את} שלום הציבור'.

كذلك استخدام الكلمة بالتحية عند اللقاء او الوداع:" 'שאל לשלומו' 'דרש בשלומו' "'נתן שלום''הקדים שלום', "שלא הקדימוֹ אדם שלום מעולם ואפילו נכרי בשוק".

في عبرية التوراة،حين نسأل عن "حال الشخص"، فحين سال يوسف إخوته عن والده:" הֲשָׁלוֹם אֲבִיכֶם הַזָּקֵן?" والجواب :" שָׁלוֹם לְעַבְדְּךָ לְאָבִינוּ " لان الكلمة تعني في التوراة هنا :" حالة جيدة"ولا تصف حال السلام.

السلام والكمال

حسب التوراة ترتبط الكلمة بمعنى التمام والكمال،هذا يدلّ على انسجام تام وسكينة وازدهار،لذلك نجد الكلمة في وصف "الآخرة" التي تعيدنا للنعيم في البدء، في الفردوس وعكس الحرب،اشعياء 4 _2 :2 والانسجام والوئام بين الحيوان والإنسان أش 8 _6 :11 .

"السلام _ השלום " هو نعمة إلهية وإحسان ربّاني،لاويين 6 :26 ومزمور 7 :122 .

تحثّنا التوراة على"صنع السلام والجناح للسلم" مزمور 15 :34 .

"السلام _ השלום " هو اسم الله،القضاة 24 :6 واسم المسيح اشعياء 5 :9 و 7 :52 .

في كتب الآباء والحكماء أسهبوا في مديح " السلام" واعتبر من أسمى القيم التوراتية،فكل الصلوات تختتم بالكلمة، راجع لفيفة الطريق القويم فصل السلام شريعة 19 .

ولخّص المعنى زكريا 16 :8 ولفيفة الصوم الفصل الرابع صفحة 71 _68 .

 

 

 

 

المسيح رب السلام والله محبّة،لماذا لا يوجد السلام بين الناس؟

هل السلام انعدام الحرب والهلاك والدمار من الأسلحة بشتى أشكالها؟

الحاجة لسلام حقيقي داخلي وليس بسلام خارجي مبني على المصلحة،السلام ليس بمعنى وقف الحرب واتفاقية هدنة.

يحلّ السلام بين الأمم،حين يعيش الناس بسلام داخلي وتوبة صادقة والإيمان بالمخلّص.

في حقبة زمنية لاحق المسيحيون في أوروبا شعوبا أخرى وكان الاضطهاد لهذه الشعوب بأوجه بالرغم من كونهم " مسيحيين؟" لكن بسلوكهم هذا ليسوا بمسيحيين هم، لان بسلوكهم هذا عملوا ضد تعاليم وإرادة الله.

من يُعتبر مسيحي بالإيمان حقيقة هم من قام بمساعدة هذه الشعوب او الشعب.

من مجازر التاريخ البشري " الكارثة" بحق اليهود" في أوروبا،ولربما من يسال :" أين الله المحب من قتل الملايين"؟ وينسحب السؤال بقتل أطفال بيت لحم؟

كيف يسمح الله لقتل الملايين ل "شعب الله"؟ طبيعة الإنسان انه وُلد بالخطيئة مزمور 7 _ 5 :51 :"هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً. طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ."

هل خلع الشر وقمع الفكر الشرير هو نتيجة الصلاة والوصايا؟يخبرنا ارميا النبي 9 :17 :" اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ "؟ بمعنى ان كل إنسان "خاطئ " هو، حتى ولو فكّر انه يعمل الصالحات فان قلبه يخدعه كما يشهد التاريخ البشري من حوادث وكوارث وأعمال عنف وقتل.

خطورة "الفاعل" للشر اقتناعه بفعله انه سيحصل الأفضل له نتيجة عملته وسلوكه الأليم هذا. هذا ما حدث مع الكارثة وقتل أطفال بيت لحم قبل ألفي عام وحوادث شهدها ويشهدها التاريخ اليوم أيضا.

هذا نتيجة الإيمان الملتوي المعوج للفاعل

مقاومة الشرّ بالخير

تفسير الآباء القديسين لتادروس يعقوب مالطي في خمسة مجلدات.

"سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن،وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرّ،بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا".

في القديم منع الله شعبه من مقاومة الشرّ بشرٍ أعظم سامحًا لهم بذلك من أجل قسوة قلوبهم، أمّا وقد دخلنا العهد الجديد فقد ارتفع بنا إلى مقابلة الشرّ لا بشر مماثل أو أقل أو حتى بالصمت وإنما نقابله بالخير مرتقبًا بنا إلى أعلى درجات الكمال.

يرى القديس أغسطينوس أن السيّد المسيح قد دخل بنا إلى درجة الكمال المسيحي كأعلى درجات الحب التي تربط الإنسان بأخيه، إذ يرى العلاقة التي تقوم بين البشر تأخذ ست درجات:

الدرجة الأولى: تظهر في الإنسان البدائي الذي يبدأ بالاعتداء على أخيه.

الدرجة الثانية: فيها يرتفع الإنسان على المستوى السابق، فلا يبدأ بالظلم، لكنّه إذا أصابه شر يقابله بشرٍ أعظم.

الدرجة الثالثة: وهي درجة الشريعة الموسويّة التي ترتفع بالمؤمن عن الدرجتين السابقتين فلا تسمح له بمقاومة الشرّ بشر أعظم، إنّما تسمح له أن يقابل الشرّ بشر مساوٍ. أنها لا تأمر بمقابلة الشرّ بالشرّ، إنّما تمنع أن يرد الإنسان الشرّ بشرٍ أعظم، لكنّه يستطيع أن يواجه الشرّ بشر أقل أو بالصمت أو حتى بالخير إن أمكنه ذلك.

الدرجة الرابعة: مواجهة الشرّ بشرٍ أقل.

الدرجة الخامسة: يقابل الشرّ بالصمت، أي لا يقابله بأي شر، أي عدم مقاومته.

الدرجة السادسة: التي رفعنا إليها السيّد وهي مقابلة الشرّ بالخير، ناظرين إلى الشرّير كمريض يحتاج إلى علاج.

يُعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم على مقاومة الشرّ بالخير، قائلًا: لا تُطفأ النار بنارٍ أخرى، وإنما بالماء... ليس ما يصد صانعي الشرّ عن شرّهم مثل مقابلة المضرور ما يصيبه من ضرر برقّة. فإن هذا التصرّف ليس فقط يمنعهم عن الاندفاع أكثر، وإنما يعمل فيهم بالتوبة عما سبق أن ارتكبوه، فإنهم إذ يندهشون بهذا الاحتمال يرتدّون عما هم فيه. هذا يجعلهم يرتبطون بك بالأكثر، فلا يصيروا أصدقاءً لك فحسب، بل وعبيدًا عِوض كونهم مبغضين وأعداء

ماذا يقصد بالخد الأيمن والآخر؟

قدّم لنا السيّد أمثلة لمقابلة الشرّ بالخير في مقدّمتها إنه إذا لطمنا شخص على خدّنا الأيمن نحوّل له الآخر أيضًا. ولقد أوضح الآباء أن السيّد في تقديمه الوصيّة لم يقصد مفهومها بطريقة حرفيّة، لأن الإنسان لا يُلطم على خدّه الأيمن بل الأيسر اللهم إلا إذ كان الضارِب أشوَلًا. إنّما الخدّ الأيمن يُشير إلى الكرامة الروحيّة أو المجد الروحي، فإن كان إنسان يسيء إلينا ليحطّم كرامتنا الروحيّة فبالحب نقدّم له الخد الأيسر أيضًا، أي الكرامة والأمجاد الزمنيّة والماديّة.

ويحذّرنا الأب يوسف من تنفيذ الوصيّة حرفيًا بينما لا يحمل القلب حبًا حقيقيًا نحو الضارب، خاصة وأن البعض يعملون على إثارة الآخرين ليضربوهم، الأمر الذي يسيء إلى الوصيّة الإلهيّة ويختم حديثه بقوله: {إن كان خدّك الأيمن الخارجي يستقبل لطمة من الضارب فليقبل الإنسان الداخلي بتواضع أن يتقبّل الضربة على خدّه الأيمن. بهذا يحتمل الإنسان الخارجي بلطف، ويخضع الجسد لمضايقات الضارب فلا يضرب الإنسان الداخلي}

كثيرون تعلّموا كيف يقدّمون الخدّ الآخر، ولكنهم لم يتعلّموا كيف يحبّون ضاربهم. المسيح رب المجد، واضع الوصيّة ومنفّذها الأول، عندما لُطم على خدّه بواسطة عبد رئيس الكهنة ردّ قائلًا: "إن كنت قد تكلَّمت رديًا فاشهد على الردي، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟!" {يو 18: 23}. فهو لم يقدّم الخدّ الآخر، ومع ذلك فقد كان قلبه مستعدًا لخلاص الجميع لا بضرب خده الآخر فقط من ذلك العبد، بل وصلب جسده كله.

القديس أغسطينوس

الميل الثاني

"ومن سخرك ميلًا واحدًا فاذهب معه اثنين،ومن سألك فأعطه،ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه".

تظهر أهمّية هذه الوصيّة من دعوة المسيحيّة بديانة الميل الثاني، حيث يقدّم المؤمن للآخرين أكثر ممّا يطلبون، لكي يربح نفسه ويربحهم بحبّه. سير الميل الثاني علامة قوّة الروح وانفتاح القلب بالحب، فلا يعمل الإنسان ما يطلب منه عن مضض، وإنما يقدّم أكثر ممّا يطلب منه.

كان اليهودي _تحت الحكم الروماني_ مهدّدًا في أية لحظة أن يسخره جندي روماني ليذهب حاملًا رسالة معيّنة على مسافة بعيدة أو يقوم بعمل معين، وذلك كما فعل الجند حي سخروا سمعان القيرواني لحمل الصليب. فإن كان تحت العبوديّة القاسية يتقبّل الإنسان الميل المطلوب سيره، فإنه تحت نعمة الحرّية الكاملة يقدّم بكل سرور الميل الثاني دون أن يُطلب منه، إنّما هو علامة حرّيته.

بالتأكيد إن الرب لا يقصد كثيرًا تنفيذ هذه الوصيّة بالسير على الأقدام، بقدر ما يعني إعداد الذهن لتنفيذ الوصيّة.

القديس أغسطينوس

كشف السيّد مفهوم العطاء بقوله "من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه" ولعلّه أراد بذلك أن تكون لنا طبيعة العطاء السخيّة، فإن البعض في عزّة نفس لا يقدر أن يستعطي فيطلب قرضًا، فلا تطلب ردّه منعًا من إحراجه...

محبّة الأعداء

"سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوّك،وأما أنا فأقول لكم أحبّوا أعداءكم،باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم،وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم،لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات...".

لم تأمر الشريعة ببغض العدوّ كوصيّة يلتزم بها المؤمن، في كسرها كسر للناموس وإنما كان ذلك سماحًا أُعطى لهم من أجل قسوة قلوبهم. لقد ألزمت بحب القريب وسمحت بمقابلة العداوة بعداوة مساوية، لكي تمهد لطريقٍ أكمل، أن يحب الإنسان قريبه على مستوى عام، أي كل بشر. يظهر ذلك بوضوح من الشريعة نفسها التي قدّمت نصيبًا من محبّة الأعداء ولو بنصيب قليل، فقيل: "إِذَا رَأَيْتَ حِمَارَ مُبْغِضِكَ وَاقِعًا تَحْتَ حِمْلِهِ وَعَدَلْتَ عَنْ حَلِّهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَحُلَّ مَعَهُ." {خر 5: 23}. وقيل أيضًا: "لاَ تَكْرَهْ أَدُومِيًّا لأَنَّهُ أَخُوكَ. لاَ تَكْرَهْ مِصْرِيًّا لأَنَّكَ كُنْتَ نَزِيلًا فِي أَرْضِهِ." {تث 7: 23}، مع أن الأدوميّين والمصريّين كان من ألد أعدائهم.

 

وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،{إنجيل متى 44: 5}

هذا من جانب ومن جانب آخر كان الشعب في بداية علاقته بالله غير قادر على التمييز بين الخاطئ والخطيّة، لذا سمح الله لهم بقتل الأمم المحيطين بهم رمزًا لقتل الخطيّة، خاصة وأن اليهود كانوا سريعًا ما يسقطون في عبادة آلهة الأمم المحيطين بهم.

لقد طالب السيّد المسيح المؤمنين أن يصعدوا بروحه القدّوس على سلّم الحب فيحبّون حتى الأعداء، ويحسنون إلى المبغضين لهم، ويصلّون لأجل المسيئين إليهم. وبهذا يحملون مثال أبيهم السماوي وشبهه. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح قد جاء ليرفعنا إلى كمال الحب، الذي في نظره يبلغ الدرجة التاسعة، مقدّمًا لنا هذه الدرجات هكذا:

الدرجة الأولى: ألا يبدأ الإنسان بظلم أخيه.

الدرجة الثانية: إذا أصيب الإنسان بظلم فلا يثأر لنفسه بظلم أشد، وإنما يكتفي بمقابلة العين بالعين والسن بالسن {المستوى الناموسي الموسوي}.

الدرجة الثالثة: ألا يقابل الإنسان من يسيء إليه بشر يماثله، إنّما يقابله بروح هادئ.

الدرجة الرابعة: يتخلّى الإنسان عن ذاته، فيكون مستعدًا لاحتمال الألم الذي أصابه ظلمًا وعدوانًا.

الدرجة الخامسة: في هذه المرحلة ليس فقط يحتمل الألم، وإنما يكون مستعدًا في الداخل أن يقبل الآلام أكثر مما يودّ الظالم أن يفعل به، فإن اغتصب ثوبه يترك له الرداء، وإن سخّره ميلًا يسير معه ميلين.

الدرجة السادسة: أنه يحتمل الظلم الأكثر ممّا يودّه الظالم دون أن يحمل في داخله كراهيّة نحو العالم.

الدرجة السابعة: لا يقف الأمر عند عدم الكراهيّة وإنما يمتد إلى الحب... "أحبّوا أعداءكم".

الدرجة الثامنة: يتحوّل الحب للأعداء إلى عمل، وذلك بصنع الخير "أحسنوا إلى مبغضيكم"، فنقابل الشرّ بعمل خير.

الدرجة التاسعة والأخيرة: يصلّي المؤمن من أجل المسيئين إليه وطارديه.

هكذا إذ يبلغ الإنسان إلى هذه الدرجة، ليس فقط يكون مستعدًا لقبول آلام أكثر وتعييرات وإنما يقدّم عوضها حبًا عمليًا ويقف كأب مترفّق بكل البشريّة، يصلّي عن الجميع طالبًا الصفح عن أعدائه والمسيئين إليه وطارديه، يكون متشبِّهًا بالله نفسه أب البشريّة كلها.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن غاية مجيء السيّد إلينا إنّما هو الارتفاع بنا إلى هذا السموّ إذ يقول: :"جاء المسيح بهذا الهدف، أن يغرس هذه الأمور في ذهننا حتى يجعلنا نافعين لأعدائنا كما لأصدقائنا".

ليس شيء يفرح قلب الله مثل أن يرى الإنسان المطرود من أخيه يفتح قلبه ليضمّه بالحب فيه، باسطًا يديه ليصلّي من أجله! يرى الله فيه صورته ومثاله! لهذا يختم السيّد الوصيّة بقوله "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين".

إن كنّا في مياه المعموديّة ننال روح التبنّي، ننعم بالسلطان أن نصير أولاد الله (يو 1: 12)، فإنّنا بأعمال الحب التي هي ثمرة روحه القدّوس فينا نمارس بنوتنا له، وننمو فيها ونزكِّيها. أبوّته لنا تدفعنا للحب، والحب يزكِّي بنوتنا له، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هذا هو السبب الذي لأجله ندعوه في الصلاة أبًا، لا لنتذكّر نعمته فحسب، وإنما من أجل الفضيلة فلا نفعل شيئًا غير لائق بعلاقة كهذه.

فيما يلي بعض مقتطفات للآباء عن محبّة الأعداء:

لو لم يكن شريرًا ما كان قد صار لكم عدوًا. إذن اشتهوا له الخير فينتهي شرّه، ولا يعود بعد عدوًا لكم. إنه عدوّكم لا بسبب طبيعته البشريّة وإنما بسبب خطيّته!

كان شاول عدوًا للكنيسة، ومن أجله كانت تُقام صلوات فصار صديقًا لها. إنه لم يكف عن اضطهادها فحسب، بل وصار يجاهد لمساعدتها. كانت تُقام صلوات ضدّه، لكنها ليست ضدّ طبيعته بل ضدّ افتراءاته. لتكن صلواتكم ضدّ افتراءات أعدائكم حتى تموت، أما هم فيحيون. لأنه إن مات عدوّكم تفقدونه كعدوّ ولكنكم تخسرونه كصديق أيضًا. وأما إذا ماتت افتراءاته فإنكم تفقدونه كعدوّ وفي نفس الوقت تكسبونه كصديق.

عندما تعانون من قسوة عدوّكم تذكّروا قول الرب: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" {لو 34: 23}

القديس أغسطينوس

لا تفيدنا الصلاة من أجل الأصدقاء بقدر ما تنفعنا لأجل الأعداء...! فإن صليّنا من أجل الأصدقاء لا نكون أفضل من العشّارين، أمّا إن أحببنا أعداءنا وصليّنا من أجلهم فنكون قد شابهنا الله في محبّته للبشر.

يجب أن نتجنّب العداوة مع أي شخص كان، وإن حصلت عداوة مع أحد فلنسالمه في اليوم ذاته... وإن انتقدك الناس (على ذلك) فالله يكافئك. أمّا إن انتظرت مجيء خصمك إليك ليطلب منك السماح فلا فائدة لك من ذلك، لأنه يسلبك جائزتك ويكسب لنفسه البركة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الكمال

إذ يتحدّث عن درجات الكمال ويبلغ إلى قمّتها، أي حب الجميع حتى الأعداء بلا مقابل، يُعلن السيّد غاية ذلك ألاَ وهو الدخول في الحياة الكاملة والتشبّه بالله نفسه، إذ يقول: "لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنه إن أحببتم الذين يحبّونكم فأي أجر لكم؟! أليس العشّارون أيضًا يفعلون ذلك؟! وإن سلّمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشّارون أيضًا يفعلون هكذا؟! فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل".

إن كانت غاية الله فينا أن يرانا أولاده نحمل صورته فينا وننجذب إليه بالحب لنحيا معه في أحضانه الإلهيّة ننعم بأمجاده، فإن غاية حياتنا الروحيّة ولقائنا معه هو أن ننعم بأبوّته لنا ونتأهل لنصير على مثاله فنحسب كاملين كما هو كامل!

إنه يقول: الذين تشكّلت أساليب فكرهم فصارت مترفّقة ومملوءة حبًا نحو إخوتهم على مثال صلاح أبيهم، هم أبناء له!

القديس غريغوريوس النيسي

إذ لا يمكننا أن نصير كالله في الجوهر، لكنّه بالتقدّم في الفضيلة نتشبّه بالله، حيث يمنحنا الرب هذه النعمة!

البابا أثناسيوس الرسولي

للمسيح إخوة مشابهون له، يحملون صورة طبيعته الإلهيّة خلال طريق التقدّيس، لأنه هكذا يتشكّل المسيح فينا... الذين يصيرون شركاء الطبيعة الإلهيّة خلال شركة الروح القدس، يحملون ختم شبه المسيح الفائق ويشِع في نفوس القدّيسين الجمال الذي لا يُعبّر عنه.القديس كيرلس الكبير.

 

يوسف جريس شحادة

كفرياسيف _ www.almohales.org











أربيل عنكاوا

  • هانف الموقع: 009647511044194
  • لارسال مقالاتكم و ارائكم: article@ishtartv.com
  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    info@ishtartv.com
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    article@ishtartv.com
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2022
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6428 ثانية