

خطوة مصيرية ظلت مؤجلة لقرون طويلة
ما الذي يمنع العقلاء من المباشرة الآن بتنفيذ مشروع التقارب الشيعي - السني. أو السني - الشيعي ؟. وما هو حجم الآلام والأحزان والخسائر، التي يتعين علينا تكبدها حتى يأتي اليوم الموعود، الذي يلتقي فيه فقهاء الطوائف تحت قبة الإسلام ؟، وما الذي يمنع زعماء الأقطار العربية من تحقيق هذا التقارب المصيري المؤجل ؟.
نحن نعلم علم اليقين أن فقهاء البلاطات الظالمة، ووعاظ السلاطين،
وعملاء القوى الخارجية الغاشمة هم الذي أسهموا في تعميق الخلافات الطائفية، ونعلم
أيضاً أن الملوك والسلاطين هم الذين أسهموا في بث الفرقة، وهم الذين أشاعوا العنف
الطائفي لتحقيق مآربهم السلطوية الضيقة. لكننا نعود للتساؤل، فنقول: أما آن لهذه
الأمة أن تتوحد ؟. وما الذي يمنعها من تحقيق هذا الهدف الإنساني النبيل إذا كان
كتابها واحد، وقبلتها واحده، ومنهجها واحد، ورسولها واحد ؟.

سمعنا قبل بضعة أيام تصريحات شيخ الأزهر (أحمد الطيب)، التي أبدى فيها استعداده للذهاب إلى العراق والتحاور مع علماء الشيعة من أجل تحقيق التقارب المنشود بين السنة والشيعة، والاتفاق معهم لجمع شمل الأمة، والتصدي لأعدائها، والخروج بخارطة طريق ترسم المسار الصحيح المشترك، الذي ينبغي الالتزام به في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه العالم الإسلامي الممزق.
تأتي هذه التصريحات في سياق الجهود القديمة المعطلة، التي باشر بها الأزهر عندما كان الراحل الشيخ (محمود شلتوت) على رأس المؤسسة الدينية في مصر. ناهيك عن المبادرات الأخرى التي قام بها الشيخ عبد المجيد سليم (من علما السنة)، والشيخ محمد تقي القمي، الذي أسس دار التقريب عام 1947 بتوجيه من البروجردي، واشترك معه في التأسيس نخبة من العلماء الأعلام على رأسهم الشيخ شلتوت. أصدرت الدار عام 1949 العدد الأول من مجلة (رسالة الإسلام)، واستمرت في الصدور حتى عام 1972، ثم تعرضت الدار للغلق عام 1979، وواصل بعض العلماء والمفكرين الحريصين على فكرة التقريب عملهم تحقيقا للهدف الأسمى، فشهدت العواصم الإسلامية انعقاد (18) مؤتمراً في الرباط وطهران والجزائر والمنامة حول هذا الموضوع.
وقد شهدت قضية التقارب في الآونة الأخيرة نشاطاً ملحوظاً لإعادة فتح دار التقريب، مصداقاً لقوله تعالى: ((إنَّ هذه أُمتكم أمةً واحدة وأنا ربكم فاعبدون)). وقد رحب رجال الدين الشيعة بدعوة الأزهر للتقارب. لأنها تمثل خطوة للأمام نحو توحيد صفوف المسلمين بعيداً عن تعصب المتعصبين، الذين وصل بهم التطرف إلى تكفير بعضهم بعضا، وتفسيق بعضهم بعضا.
من المؤكد أن الأزهر سيلعب دوراً أساسياً في تهدئة التوترات وإزالتها، بما يملكه من ثقة لدى جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم. وتجدر الإشارة هنا أن المعترضين على فكرة (دار التقريب) استندوا في اعتراضاتهم القديمة على انتماء مؤسسها إلى القومية الفارسية، فهذه الصفة التي يرونها معيبة، هي التي منعتهم من التعامل بايجابية مع توجهات (دار التقريب). متناسين أو متجاهلين أن معظم علماء الأمة هم من أتباع القومية الفارسية. نذكر منهم البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حنيفة، والترمذي، وأبو داود، والواقدي، والأوحدي، والثعلبي، ومالك، والغزالي، وأبن خزيمة، والحاكم، ويعقوب بن سفيان، والجرجاني، والخطيب التبريزي، والزمخشري، والتفتزاني، والبلخي، والقفال، والنيسابوري، والراغب الأصفهاني. هؤلاء كلهم فرس، ومثلهم من الأتراك، وضعفهم من الأفارقة، ومعهم جمع غفير من القوميات الأخرى، فالدين لا علاقة له بالقومية، وقد خلقنا الله شعوبا وقبائل لنتعارف ونتقارب، وأن أكرمنا هو أكثرنا تقوى، وأكثرنا تمسكاً بتعاليم القرآن. بيد أن أصحاب العقول المشفرة والقلوب المتحجرة (من الطائفتين) هم الذين يرفضون الإصغاء لنداء الحق.