
الصورة: تعبيرية / تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي
عشتارتيفي كوم- الجزيرة نت/
في دراسة جديدة اكتشف علماء من جامعة جنوب الدانمارك مصدرا غذائيا غير متوقع للكائنات الدقيقة في أعماق البحار.
يقول المؤلف الأول للدراسة، عالم الأحياء والأستاذ المشارك في جامعة سيدانسك بيتر ستيف، في تصريحاته للجزيرة نت: "هذا المصدر الغذائي عبارة عن مادة عضوية ذائبة تحتوي على مزيج متنوع من المركبات العضوية التي قد تصلح غذاء للبكتيريا، والعتائق والفطريات".
ويضيف: "وتتميز المادة العضوية الذائبة المتسربة من الجسيمات الغائصة في الأعماق بأنها غنية بمركبات عضوية سهلة التحلل؛ وهو أمر غير معتاد في تلك الأعماق، نظرا لأن المادة العضوية الذائبة الموجودة أصلا في أعماق المحيط تكون قديمة ومتحللة إلى حد كبير، لذا، فإن المادة العضوية الذائبة المتسربة من الجسيمات الغائصة تشكل "واحة" من المركبات العضوية القابلة للتحلل وسط "صحراء" من المواد العضوية المتحللة بالفعل، مما يتيح للكائنات الحية الدقيقة الاقتيات عليها".
ويرى العلماء أن هذا الاكتشاف يدل على أن الكائنات الدقيقة في أعماق المحيط لا تعيش في بيئة فقيرة بالعناصر الغذائية كما كان يُعتقد سابقا، إذ يُغذي الضغط الهائل فيها حياة ميكروبية خفية، كما أنه يعيد صياغة فهم النظم البيئية في أعماق المحيط وكيفية تخزين الكربون على الأرض.
ضغط أعماق المحيط
توصلت نتائج الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسيز" ، إلى أن هذا المصدر الغذائي ناتج عن الضغط الهائل في أعماق البحار، الذي يسحب العناصر الغذائية القيّمة من الجزيئات العضوية الغارقة المعروفة باسم "الثلج البحري"، وهي تتكون من كتل صغيرة من الطحالب الميتة والكائنات الدقيقة والمواد العضوية الأخرى التي تنجرف عبر المحيط، فبمجرد أن تصل هذه الجسيمات إلى أعماق تتراوح بين 2 و6 كيلومترات، يبدأ الضغط الهيدروستاتيكي الهائل في دفع المواد العضوية الذائبة خارجها.
وحول التأثير الذي يحدثه الضغط الهائل في أعماق البحار، يوضح بيتر للجزيرة نت: "لا يؤدي الضغط الهيدروستاتيكي العالي فعليا إلى سحب الجزيئات الغارقة والخلايا الملتصقة بها، لأن الماء (وكذلك الخلايا والكائنات الحية المملوءة بالماء) لا ينضغط حجمه إلا بنسبة ضئيلة جدا، نحو 3% فقط".
ويضيف: "بدلا من ذلك، تتضرر أغشية وجدران خلايا الدياتومات (طحالب مجهرية صغيرة ملتصقة بالجزيئات الغارقة) بفعل الضغط العالي. وهذا يعني أن هذه التراكيب تفقد قدرتها على الاحتفاظ بالمواد العضوية الذائبة داخل خلايا الدياتومات، التي تتسرب من الخلايا تحت الضغط، وبالتالي يعمل الضغط تقريبا مثل عصارة عملاقة، فهو يعصر المركبات العضوية المذابة من الجزيئات، ويمكن للميكروبات استخدامها على الفور".
التأثير في دورة الكربون
ويُقدَّر أن الثلج البحري الغارق يفقد ما يصل إلى 50% من الكربون الأصلي وما بين 58% و63% من النيتروجين الأصلي أثناء هبوطه إلى أعماق المحيط، وأن معظم الكربون الذي تحمله الثلوج البحرية يُدفن في نهاية المطاف في رواسب أعماق المحيط.
وإذا تسربت كميات كبيرة من الكربون قبل وصول الجزيئات إلى قاع البحر، فقد تُخزن كمية أقل من الكربون بشكل دائم في الرواسب، كما يبقى جزء كبير من الكربون المذاب معلقا في أعماق المحيطات، لمئات السنين أو حتى آلاف السنين قبل أن يعود تدريجيا إلى سطح المحيط ثم إلى الغلاف الجوي، كما أن الكربون الذي ظل حبيسا لملايين السنين، متراكما في الرواسب على مدى فترات زمنية طويلة، قد يشكل جزءا كبيرا من النفط والغاز الطبيعي المستخرج اليوم.
من جانبه، قال ستيف للجزيرة نت: "تضيف دراستنا مسارا جديدا إلى دورة الكربون البحرية، يتمثل في تسرب المواد العضوية الذائبة الناجم عن الضغط".
ويضيف: "نعتقد أن الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في أعماق المحيطات قادرة على الاستفادة من هذه المواد، قد تكون معدلات تحلل هذه المواد منخفضة نظرا لمستويات الضغط العالية، وكما نعلم، فإن استهلاك المواد العضوية الذائبة لا يكتمل أبدا، وأن التحلل الجزئي للمركبات العضوية غالبا ما يؤدي إلى تكوّن مركبات جديدة أقل قابلية للتحلل (أو مركبات مقاومة للتحلل)".
ويختم: "إذا تكررت هذه العملية مرارا وتكرارا، فإن النتيجة تكون تراكم كميات كبيرة من المركبات العضوية المقاومة للتحلل؛ إذ يمثل المخزون الإجمالي لهذه المواد في أعماق المحيطات مستودعا هائلا للكربون العضوي. ونظرا لأن جزءا كبيرا منها ينشأ في الأصل من ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي، فإن تراكم هذا المخزون من المواد العضوية المقاومة للتحلل في أعماق المحيطات يُعد أمرا مفيدا لمناخ الأرض".