
عشتارتيفي كوم- سيرياك برس/
جنيف — دعت منظمتان حقوقيتان الأمم المتحدة إلى الضغط على السلطات الانتقالية السورية بشأن ما وصفته بالاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري والتمييز ضد الأقليات الدينية، مستندتين إلى حالات طالت مسيحيين وعلويين ودروزاً، وذلك قبيل المراجعة الأممية المرتقبة.
وجاء ذلك في مذكرة مشتركة قدمتها منظمة التضامن المسيحي الدولية (CSI) ومعهد توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأقليات الدينية في المشرق (IDHRV-ARMIL)، أُعِدَّت للدورة الـ 54 لفريق العمل المعني بالاستعراض الدوري الشامل (UPR) التابع لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وجاء في المذكرة أن آلاف السوريين اعتُقلوا من دون محاكمة منذ سقوط حكومة الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول 2024.
وقالت المنظمتان إن الحكومة السورية الانتقالية تواجه مهمة صعبة تتمثل في معالجة الانتهاكات التي ارتُكبت خلال عهد نظام الأسد مع الحفاظ على الأمن، إلا أنهما اعتبرتا أن العديد من المعتقلين احتُجزوا من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة أو استُهدفوا بسبب نشاطهم السياسي أو هويتهم الدينية والعرقية.
وتشير المذكرة إلى إعلان الحكومة السورية نفسها أن نحو 3500 من العسكريين السابقين لدى النظام السابق محتجزين لديها. كما تُشير إلى وقوع اعتقالات تعسفية واسعة النطاق، بما في ذلك في مناطق ذات غالبية مسيحية مثل صيدنايا وجرمانا ووادي المسيحيين، حيث تقول إن بعض المسيحيين اعتُقلوا من قبل مسؤولين محليين سعياً للحصول على مبالغ مالية من عائلاتهم.
كما يسلط التقرير الضوء على ما وصفه بأزمة تتعلق بالنساء المنتميات إلى الأقليات والمفقودات. وقال معهد توثيق انتهاكات حقوق الإنسان ضد الأقليات الدينية في المشرق إنه وثق 131 حالة اختفاء لنساء منذ كانون الثاني 2025، من بينهن 112 امرأة وفتاة علوية تتراوح أعمارهن بين 12 و45 عاماً. وأضاف أن 50 حالة تم تأكيدها على أنها عمليات اختطاف، مدعياً أن الأدلة تشير إلى تورط مباشر أو تواطؤ ضمني من أعضاء في جهاز الأمن العام السوري في 12 حالة.
وتتمحور إحدى القضايا الرئيسية في المذكرة حول سليمان الخليل، رئيس البلدية السابق لبلدة صدد ذات الغالبية المسيحية في محافظة حموث (حمص).
واعتُقل الخليل من منزله في 8 شباط 2025، ولا يزال محتجزاً من دون توجيه تهم إليه أو السماح له بالحصول على محامٍ أو زيارات عائلية منتظمة. وقالت المنظمتان إنه محتجز في القسم العسكري من سجن حمص المركزي، حيث تدهورت حالته الصحية بسبب أمراض لم تُعالج، ويُعتقد أنه ربما تعرض للتعذيب.
وتُشير المذكرة أن الخليل، وهو مسيحي سرياني أرثوذكسي، واجه أيضاً قيوداً على ممارسة شعائره الدينية أثناء الاحتجاز، بما في ذلك منعه من الحصول على الكتاب المقدس أو ارتداء قلادة تحمل رمز الصليب. كما تدعي أن أقاربه طُلب منهم ارتداء ملابس إسلامية خلال زيارات غير رسمية، وأن الخليل أُجبر على الصيام خلال شهر رمضان.
وقالت المنظمتان إن الخليل كان عضواً في الحزب السوري القومي الاجتماعي وليس في حزب البعث، وإنه لا توجد أدلة على مشاركته في أعمال قتالية خلال الحرب الأهلية السورية. ورجحتا أن يكون اعتقاله مرتبطاً بدوره في تنظيم الدفاع عن بلدة صدد خلال الهجمات التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة عامي 2013 و2015.
وخلال هجوم عام 2013، سيطر مسلحون إسلاميون على البلدة لفترة وجيزة، ما أدى إلى مقتل 41 مدنياً مسيحياً، وفقاً لتقارير استند إليها ناشطون حقوقيون.
وجاء اعتقال الخليل بعد جدل سابق مرتبط بمقابلة أجريت عام 2023 وتُرجمة بشكل خاطئة، ما أدى إلى تحريف تصريحاته. وقال فريقه القانوني لاحقاً إنه كلف بإعداد ترجمة معتمدة تنفي تلك الادعاءات، فيما رأى ناشطون حقوقيون أن اعتقاله مرتبط بدوره في الدفاع عن صدد ضد مسلحي داعش.
وأصبح الخليل محور حملة مناصرة دولية تقودها منظمة التضامن المسيحي الدولية ومنظمة الدفاع عن المسيحيين وغيرها من الجهات، والتي ناشدت الأمم المتحدة ومسؤولين أمريكيين وبرلمانيين سويسريين للمطالبة بالإفراج عنه. كما ألقت ابنته ناتالي الخليل كلمة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والتقت مشرعين أمريكيين للدفاع عن قضيته.
كما ذكرت المذكرة عدداً من الحالات الأخرى التي تعرضت للاعتقال التعسفي، من بينها الصحفي الكردي حسن ظاظا، والصحفية العلوية نور سليمان، والتاجر المسيحي ميلاد الفرخ، والصحفية الألمانية التي أُفرج عنها مؤخراً إيفا ماريا ميشلمان، والصحفي التركي-البولندي أحمد بولاد، والطبيب النفسي نديم عباس، وأربعة رجال مسيحيين من صيدنايا.
وقالت المنظمتان إن هذه الاعتقالات تنتهك الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 آذار 2025، الذي ينص على عدم جواز توقيف أو احتجاز أي شخص إلا بموجب أمر قضائي، إضافة إلى الالتزامات الدولية المتعلقة بالحماية من الاعتقال التعسفي وضمان المحاكمات العادلة.
ودعت المنظمتان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى حث سوريا على الإفراج عن الأشخاص المحتجزين بشكل تعسفي، وضمان مقابلتهم للمحامين والحصول على زيارات عائلية منتظمة، والتحقيق في مزاعم التعذيب، وتعزيز المؤسسات القضائية، والانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.