
مجمع أورشليم | مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
أربيل, السبت 18 يوليو، 2026
واجهت الكنيسة الناشئة أوّل أزمة لاهوتيّة ورعوية في مسيرتها يومَ تصاعد الخلاف المرتبط بانضمام عددٍ كبير من الوثنيين المهتدين إلى الجماعة المسيحيّة، ولم يعد المؤمنون جميعهم من اليهود، وبرز سؤال لاهوتيّ لم تواجهْه الكنيسة من قبل: هل يكفي أن يؤمن الأمميّون بالمسيح وينالوا المعمودية، أم يجب أولًا أن يخضعوا للختان ويحفظوا شريعة موسى ليصيروا جزءًا من شعب الله؟
لكنّ اللافت هنا ليس طبيعة الأزمة فحسب، بل الطريقة التي تعاملت بها الكنيسة معها، بعدما وصلت إلى ذروتها في أنطاكيا، وكيف لم يسمح الرسل بأن تسبِّب انقسامًا أو صراعًا بين جماعتَين، وفق ما شرح الأب أنطوان زيتونة، الكاهن في أبرشيّة الموصل الكلدانيّة، عبر «آسي مينا».
وأشار إلى أنّ إحالة القضية إلى جماعة الرّسل والشيوخ في أورشليم تكشف عن مبدأ بالغ الأهمّية اعتمدته الكنيسة الأولى وهو أنّها ليست كنيسة فرديّة تُدار بقرارات شخصيّة، بل جماعة تمييز جماعيّ، حيث تُناقَش القضايا في ضوء كلمة الله، والخبرة الرسوليّة، وعمل الروح القدس.
يخبرنا سفر أعمال الرسل أنّ النقاش لم يُحسَم بقرار فرديّ، رغم مكانة بطرس وبولس وسائر الرسل، بل اجتمعوا والمشايخ للنظر في الأمر... «لذا، يشكّل مجمع أورشليم، نقطة تحوّل محورية في تاريخ الكنيسة الأولى، بل يعدّه كثيرون من الباحثين أول مَجْمَع كنسيّ في التاريخ المسيحيّ، لأنه واجه أول أزمة لاهوتيّة ورعوية. وتكمن أهميته في أنه لم يُعالج المشكلة بسلطة فرديّة أو بقرارٍ فوقيّ، بل عبر الإصغاء والحوار والتمييز الجماعي بإرشاد الروح القدس»، وفق زيتونة.
واستشهد بالآية المقدّسة: «بَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ...» (أع 15: 7). كونها تكشف روح عمل الكنيسة الأولى: عرض المشكلة، الإصغاء للجميع، شهادة حيّة (خبرة)، العودة إلى الكتاب المقدس، التمييز الجماعي، ثم إصدار القرار.
وعدّ الرسالة الختامية لمجمع أورشليم التي لم تقل: «رأينا نحن»، بل تصدّرها عبارة: «قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ...» تأكيدًا لرؤية اللاهوتيّين الذين يعدّون مجمع أورشليم النموذج الأول لما تسميه الكنيسة اليوم السينوداليّة، أي السير معًا، في الإصغاء والتمييز.
وتابع: «أصبح هذا المجمع نموذجًا دائمًا للكنيسة في كيفية معالجة الخلافات، إذ انتهى بقرار حافظ على وحدة الكنيسة، وأعلن بوضوح أنّ الانتماء إلى شعب الله الجديد لا يقوم على علامات التزام الناموس، بل على الإيمان بيسوع المسيح».
لم يكن هدف المجمع الانتصار الفكريّ أو الشخصيّ، بل الحفاظ على وحدة الكنيسة بأسرها، لئلا تنقسم إلى جماعتين: جماعة يهودية مغلقة على نفسها، وجماعة أممية منفصلة عن جذورها.
وختم زيتونة: «حين سلّمت الكنيسة دفّتها إلى الروح القدس قادها إلى طريق آخر، طريق الوحدة في التنوّع. لهذا خرجت من مجمع أورشليم أقوى مما كانت حين دخلت إليه. فالقرار لم يُنْتِج غالبًا ومغلوبًا، بل أنتج جماعة أكثر نضجًا ووضوحًا وقدرةً على فهم الإنجيل».