
احتفال بالإفخارستيّا في كنيسة المشرق الآشوريّة | مصدر الصورة: صفحة كاتدرائيّة مار يوخنّا المعمدان في فيسبوك
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
بغداد, الجمعة 17 يوليو، 2026
يُعبّر مصطلح «سرّ-رَازا» في الكنائس ذات التقليد السريانيّ عن «السرّ الإلهيّ» أو «التدبير الإلهيّ الخفيّ» الذي أودعه الله في الكنيسة، ويتجاوز الإدراك البشريّ. وتحتلّ الأسرار المقدّسة «رازي-ܐ̄ܪ̈ܙܐ» مكانةً محوريّة في الحياة الروحيّة والليتورجيّة للكنائس الرسوليّة، فهي وسائل النعمة الإلهيّة أو الشكل المنظور لنعمةٍ غير منظورة، يُواصل الله من خلالها عمله الخلاصيّ وحضوره الفاعل في الكنيسة وحياة المؤمنين.
تحتفل الكنائس الرسوليّة بسبعة أسرارٍ مقدّسة، وفيما تتضمّن قائمة الكنائس الكاثوليكيّة، ومنها كنيسة المشرق الكلدانيّة، أسرار: المعموديّة، والميرون، والتوبة، والقربان المقدّس، والزواج، والكهنوت، ومسحة المرضى، فأسرار كنيسة المشرق الآشوريّة السبعة تطابق بعضًا وتخالف بعضًا آخَر.
سبعة أسرار
تُحصي كنيسة المشرق الآشوريّة سبعة أسرار، هي: الكهنوت، والمعموديّة، والزيت المقدّس، والقربان المقدّس، والغفران، والخمير المقدّس ((ܡܠܟܐ- مَلكا)، والصليب المقدّس. «ويتميّز هذا التقليد بإدراج سرَّي الخمير والصليب المقدَّسَين ضمن الأسرار، في حين لا يُعدّ الزواج ومَسْحة المرضى من الأسرار، بخلاف تقليد الكنيسة الكاثوليكيّة»، كما شرح الأب مارتن نبيل، راعي كاتدرائيّة مار يوخنا المعمدان البطريكيّة لكنيسة المشرق الآشوريّة، في حديثه عبر «آسي مينا». وعزا هذا الاختلاف إلى مسيرة تطوّر اللاهوت والليتورجيا في كلّ كنيسة عبر القرون، لا إلى اختلاف في الإيمان بجوهر عمل النعمة الإلهيّة.
تعليم الآباء
وأوضح أنّ الكنيسة الآشوريّة تستند إلى تقليدها الليتورجيّ وتعليم آبائها في تحديد قائمة الأسرار، «لا سيّما تعليم مار عبديشوع الصوباويّ في كتابه (ܡܪܓܢܝܬܐ-الجوهرة) الذي يُعدّ المرجع الكلاسيكي لتعليم الأسرار في كنيسة المشرق. وقد تبنّى المجمع السنهادوسي المقدّس لكنيستنا عام 2001 هذا التقليد، وثبّت قانونيًّا قائمة الأسرار وفق جوهرة الصوباويّ».
ترتيب الأسرار
ترتيب الأسرار يختلف أيضًا بين كنيستَي المشرق الكلدانيّة والآشوريّة، ففيما يتبع الترتيب الكاثوليكيّ ترتيب دخول المؤمن إلى الحياة المسيحيّة، تعتمد الكنيسة الآشوريّة ترتيبًا لاهوتيًّا وجوديًّا.
ولإيضاح الفكرة، استشهد نبيل بكلمات البطريرك الآشوريّ آوا الثالث في كتابه «أسرار الملكوت» القائل في هذا الشأن: «إنّ هذا الترتيب يأخذ بنظر الاعتبار ترتيب تأسيس الأسرار ووجودها، بدءًا بالكهنوت، إذ من دون الكهنوت لا يمكن أن توجد أسرار أخرى».
وشرح أنّ المسيح سلّمَ الرُّسل السلطان الرسوليّ، وهم بدورهم نقلوا هذا السلطان، مانحين الخلافة الرسوليّة بوضع الأيدي، فرسموا كهنةً وأساقفة ليمنحوا المعموديّة والإفخارستيا وسائر الأسرار. لذلك، يحظى الكهنوت بالصدارة في كنيسة المشرق، كونه مصدر خدمة الأسرار الأخرى، وليس لكونه أوّل الأسرار التي يقبلها المؤمن.
شراكة في الإيمان وحياة الأسرار
ورغم هذا الاختلاف، فإنَّ الحوار اللاهوتيّ الرسميّ بين كنيسة المشرق الآشوريّة والكنيسة الكاثوليكيّة أكّد أنّ الحياة المسيحيّة تُبنى على واقعٍ سرّي واحد، وشدّد على أنّ الكنيستَين تشتركان في الإيمان بالأسرار وحياة الأسرار نفسها.
وخلُص نبيل إلى أنّ الاختلاف بين التقليدَين يتعلّق أساسًا بالصياغة اللاهوتيّة والتعبير الطقسيّ، وليس بالإيمان الجوهريّ بفاعليّة الأسرار وعمل الروح القدس فيها. لذلك، أقرَّ الطرفان بأنّ تقليدَيهما الأسراريَّين يُعبّران عن وحدة في التنوّع، وأنّ كليهما يحافظ بأمانة على التراث الرسوليّ والإيمان المسيحيّ الواحد. وسنشرح لاحقًا ما المقصود بالخمير المقدَّس وارتباطه باحتفال ربّنا بالإفخارستيّا الأولى.