
توما الرسول في أعماله... معماريٌّ بنى قصرًا سماويًّا | مصدر الصورة: البطريركية الكلدانية
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: جورجينا بهنام حبابه
أربيل, الجمعة 3 يوليو، 2026
يعرّفنا الإنجيل المقدّس إلى توما الرسول حين يذكره ضمن قائمة الاثنَي عشر رسولًا، وينقل إلينا بعض مواقفه وكلماته، بخاصّةٍ قبيل معجزة إحياء لعازر حين قال: «لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضًا لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ!»، وسواها من المواضع. لكنّ الحَدَث الأشهر هو شكّه بقيامة المسيح وطلبه أن يرى ويلمس ليؤمن، ثمّ إعلانه الإيمانيّ العميق: «رَبِّي وَإِلَهِي!».
توما وفق التقليد الكنسيّ
ينسب التقليد إلى توما الرسول التبشير بالمسيحيّة في بلاد ما بين النهرين منذ القرون الأولى بعد المسيح، وهو شفيع الكنيسة الكلدانيّة. «ولقد بات الأمر أكيدًا أنّ توما ذهب إلى بلاد الهند وبشّر فيها وقضى نحبه هناك. ويقول المؤرِّخ أوسابيوس القيصريّ إنّ القدّيس توما بشّر في بلاد الفرثيّين أيضًا لدى عبوره فيها وهو في طريقه الى الهند»، كما أورد الأب ألبير أبونا في كتابه «تاريخ الكنيسة الشرقية».
يروي كتاب «أعمال توما» المنحول قصة حياة مار توما ورحلته التبشيريّة في بلاد الهند وكلّ ما جرى هناك حتى استشهاده. ويعتقد أبونا في كتابه «أدب اللغة الآراميّة» أنّ «هذه الوثيقة كُتِبَت بالآراميّة في البيئة الرهاويّة نحو نهاية القرن الرابع... وقد يكون الدافع إلى كتابتها هو نقل رفات القديس توما إلى الرّها».
وتروي الأعمال أنّ الرسل المجتمعين في أورشليم بعد صعود الربّ، تقاسموا حمل البشرى السارّة إلى بلدان العالم، فكان تبشير بلاد الهند من نصيب توما الرسول، لكنّه لم يمتثل لذلك وتردّد أوّلًا. فظهر له الربّ وشجّعه، وأخيرًا امتثل حين باعه الربّ إلى تاجرٍ هنديٍّ قصد أورشليم باحثًا عن نجّارٍ ماهر ليبني لملكه قصرًا فخمًا، وفق رواية الكتاب.
معماريّ بنى قصرًا في السماء
يقدّم الكتاب توما بوصفه نجارًا ومعماريًّا يفرح به الملك الهنديّ جدًّا، ويسلّمه مالًا وفيرًا لبناء قصرٍ فاره، لكنه يسجنه حين يكتشف أنّ الرسول وزّع الأموال على الفقراء والمعوزين، ثمّ يطلقه حين يحدّثه أخوه الميت، العائد إلى الحياة بمعجزة إلهيّة، عن فخامة القصر السماويّ الذي بناه توما للملك في الملكوت بأموال الصدقات.
وتتالى في الكتاب رواية الأعاجيب والأعمال الخارقة التي صنعها توما، وقصص المُهتَدين إلى المسيحيّة من خلال تعليمه وأعماله، في أسلوبٍ أدبيٍّ تطغى على تفاصيله المبالغات الأسطوريّة والإسهاب في ذكر الآيات والخوارق.
لكنّ المأخذ الأكبر عليه هو ترويجه «لتعاليم غريبة عن روح الإنجيل»، وفق الأب د. يوسف حبّي في كتابه «كنيسة المشرق»، لا سيّما الأفكار الغنوصيّة المتشدّدة بشأن الزواج، وترويجها لفكرة العفّة المطلقة والتبتّل التام، حتّى لدى المتزوجين، باعتباره شرطًا أساسًا لبلوغ الملكوت السماويّ.
رغم المآخذ الكثيرة على «أعمال توما»، لاقت قبولًا في الأوساط الشرقيّة، وفق أبونا: «فوضع يعقوب السروجيّ، الملفان الكبير، خطابًا شعريًّا في وصف البلاط الروحيّ الذي بناه توما لملك الهند. ووضع كيوركيس الألقوشيّ، في القرن الثامن عشر، خطابًا شعريًّا يستعرض فيه أعمال توما».
بين الوقائع التاريخيّة والأساطير الخياليّة، تبقى «أعمال توما» قصّة أدبيّة «غايتها بعث الإيمان وإذكاء المحبّة وتأكيد ثبات قلوب المسيحيّين وشجاعتهم والتزامهم، أكثر من توثيق أحداثٍ تاريخيّة جافّة»، وفق حبّي. ويبقى توما رسول المشرق وشفيع كنيسته الذي كرّس حياته لتبشيرها حتى نال إكليل الشهادة في مدينة ميلابور الواقعة على الساحل الشرقيّ للهند.